اعدّ ايلي خوري من مؤسسة التنمية والثقافة والتكنولوجية DETEC دراسة تحت عنوان »التعليم المهني والتقني في مواجهة التحديات« تكمن اهميتها في حداثتها فقد انجزت خلال شهر ايار الماضي، اي ان عمرها الزمني لا يتجاوز الشهر، وبهذا المعنى فهي تواكب وتقيّم كل التطورات التي شهدها هذا القطاع من التعليم حتى الآن، بما فيه الجدل الذي شهده المجلس النيابي بشأنه لدى درس مشاريع القروض الموجهة إليه. لكن اهمية الدراسة تتجاوز ذلك كله، لتعيد تقديم ونقد مسيرة هذا التعليم الذي يعاني اكثر من سواه، والذي ينعقد عليه الرهان للدخول في حداثة باتت مفروضة، وبالتالي تأمين الكفاءات المهنية لكل من القطاعين العام والخاص على حد سواء وبما يتجاوز المحلي. وتنقض الدراسة الكثير من الآراء السائدة، وتقف بموضوعية عند التجارب المنفذة في نطاق هذا التعليم، وتأخذ على المسؤولين عنه عدم إدراكهم خطورته والحاحه. لكن الاهم من ذلك كله هو ما تخلص إليه على صعيد بنية التعليم المذكور، الذي وان كان يعرف تطوراً كميا ونوعيا لافتا، إلا انه ما زال دون المطلوب، سواء على الصعيد الاعدادي او على مستوى ما يقدمه من علوم ومعارف. حتى ان الدراسة تجزم بتخلف مناهجه وغلبة النظري عليه استنادا الى شهادات الاقتصاديين وارباب العمل وحاجات السوق. وتدعو الدراسة الى ما يشبه الثورة على البنية القائمة، وتلح على ضرورة تنظيمه، بل وتقترح اعادة تركيب هيكليته الادارية والتدريسية، وتشدد على اعادة النظر بالمناهج والتجهيزات ومراقبة اي خطة لتطويره والتنسيق مع الفاعليات وتدريب كوادره ومنع الازدواجية لجهة الاتفاقات والبروتوكولات الدولية وتحديث انظمة الامتحانات ورسم سياسات تدريب واعادة تدريب للقوى العاملة. على ان الابرز في الاقتراحات هو الحاحها على استبدال العشوائية والفوضى بالتخطيط منه خلال المدن المهنية في مراكز المحافظات وتنسيق الاختصاصات وتوزيعها وادخال الاختصاصات الزراعية ضمنها والوصول الى حلول فعلية لمسألة معادلات شهادات الامتياز الفني وهي التي كانت دفعت بالطلاب الى تحركات، وتأمين المرونة بين المركزية واللامركزية لهذه المدارس. يصعب تقديم دراسة وابتسارها، لا سيما وان هذا القطاع من التعليم يكاد يعبر عن الحداثة في مختلف انحاء العالم، وقد آن الاوان لتصحيح مساراته المطلوبة وبالتالي منحه القدرات والامكانات اللازمة للرد على التحديات المطروحة عليه داخلياً واقليمياً وعالمياً. مما يجدر ذكره ان هذه الدراسة ستقدم الى كل من البنك الدولي والصندوق العربي للتنمية والبنك الاسلامي ومنظمة الاوبك، لدعم طلب الحكومة اللبنانية الحصول على قروض ميسرة لتمويل هذا القطاع من التعليم الذي يحتاج الى اعادة تأسيس كاملة ضمن منهجية وروحية جديدة مختلفة عن السابق. القسم الأول: التطور الكمي للتعليم المهني والتقني التعليم المهني والتقني هو نظام تعليمي متكامل بشهاداته ومستوياته ومؤسساته وهيئاته الادارية والتربوية. وتضم شبكة اختصاصاته خمسة وسبعين اختصاصا تؤدي الى سبع شهادات رسمية، بالاضافة الى تسعين نوعا من التدريب المهني تؤدي الى افادات تدريب خاصة. وتتألف شبكة معاهده ومدارسه من 36 مدرسة رسمية و320 مؤسسة خاصة، يدرّس فيها عشرة آلاف استاذ ونيف. وخلافا للرأي السائد حول ضعف الاقبال على هذا التعليم واعتكاف الطلاب عن ولوجه وتدني حصته في المنظومة التعليمية، تشير الاحصاءات التربوية المبينة في الجدول رقم 1 ادناه الى ان اعداد الطلاب في هذا التعليم قد ارتفعت في اجمالي القطاعين الرسمي والخاص من /22529/ طالبا للعام الدراسي 1994 1995 الى /50679/ للعام الدراسي الحالي 19991998، اي بمعدل زيادة اجمالي قدره 2،56$ على مدى السنوات الخمس، علما بأن هذا المعدل بلغ في القطاع الرسمي 4،77$ متجاوزا بأشواط الزيادة الحاصلة في القطاع الخاص (47$)3. وارتفعت نسبة التعليم الرسمي الى اجمالي التعليم المهني والتقني (رسمي وخاص) من 5،30$ في العام 9594 الى 7،34$ للعام 9998. وكمؤشر اضافي لتزايد الاقبال على التعليم المهني، اصبحت نسبة طلاب التعليم الفني الثانوي (شهادات البكالوريا الفنية) تشكل 6،26$ من اجمالي طلاب التعليم الثانوي العام والفني، بعد ان كانت هذه النسبة 2،24$ للعام الدراسي 9594. وتحققت هذه الزيادة التي شهدها التعليم الرسمي في اعداد طلابه، بشكل خاص، خارج نطاق بيروت الكبرى، اي في مناطق جبل لبنان البعيدة عن الساحل وفي محافظات البقاع والشمال والجنوب. ويعود مرد هذه الزيادة الى افتتاح مدارس جديدة بغالبيتها مشاريع مشتركة مع جمعيات خيرية في برجا وحمانا (جبل لبنان) بعلبك، بدنايل، راشيا (البقاع) جويا، مرجعيون العباسية (الجنوب). ولا شك في ان هذه الزيادات حققت بعض التوازن في توفير الخدمات التعليمية، بين المحافظات، دون آن تحقق ذلك كما سنرى لاحقا بين اقضية المحافظة الواحدة. ويبيّن الجدول رقم 2 تطور طلاب التعليم الرسمي بحسب المناطق ما بين عامي 9594 و9998. وبمقارنة توزع السكان واعداد طلاب التعليم المهني الرسمي بحسب المناطق نلاحظ ان التوازن انقلب لصالح محافظتي لبنان الجنوبي والبقاع على حساب محافظات بيروت والجبل والشمال. وقد انعكست الزيادة في اعداد الطلاب زيادة في اعداد المتخرجين، فارتفع عددهم من 3719 متخرجا في العام 1994 الى 7915 متخرجا في العام 1998 اي بنسبة زيادة 128$، وشملت هذه الزيادات كافة الشهادات. وقد بلغ عدد متخرجي هذا التعليم في القطاعين الرسمي والخاص، خلال الخمس سنوات الاخيرة اكثر من ثلاثين ألف طالب يتوزعون على شهادات هذا التعليم وفقا لما هو مبيّن في الجدول ادناه رقم 3. ويستنتج من هذا التوزع ان نصيب المستوى المهني (الكفاءة والتكميلية المهنية) يمثل فقط 5،19$ من اجمالي المتخرجين، بينما المستوى التنفيذي (بكالوريا فنية) هو 7،63$ والتعليم الفني العالي 8،16$. ولاستكمال صورة توزع المتخرجين، قمنا باجراء تصنيفهم بحسب انواع الاختصاصات (صناعي، تجاري وخدمات، فندقي، تعليمي، صحي، هندسة مدنية) فتبيّن انهم يتوزعون على هذه القطاعات على النحو التالي: صناعي 2،29$ تجاري وخدمات 2،42$ صحي 8،10$ فندقي 7$ تعليمي 5،6$ هندسة مدنية 3،4$ في حين تتوزع القوى العاملة من الشباب على القطاعات الاقتصادية (دراسة الشؤون الاجتماعية) بشكل مختلف: صناعي 6،23$ هندسة مدنية 4،11$ خدمات 8،57$ زراعة 5،6$ غير محدد 6،0$. ولكن هذا التطور الكمي الذي شهده التعليم المهني والتقني على أهميته لم يكن كافيا لإزالة نقاط الاختناق في هذا القطاع ككل، وفي التعليم الرسمي بشكل خاص. القسم الثاني: نقاط الإختناق في التعليم المهني والتقني 1 عدم مواءمة المناهج لاحتياجات سوق العمل تشكّل المناهج التعليمية حجر الأساس في العملية التعليمية ومؤشرا رئيسيا في تقييم مخرجات التعليم ويفترض ان تتجدد باستمرار لتتلاءم مع التغييرات الحاصلة في المعارف وتقنيات سوق العمل. اما المناهج المعمول بها حالياً في التعليم المهني والتقني في لبنان فتعود في غالبيتها الى مطلع الثمانينات وفي بعضها الى مطلع الستينات. وتتسم جميعها بطغيان المواد النظرية على الاعمال التطبيقية وبالطابع العمومي وغير الوظيفي للعديد من المعلومات النظرية. وقد اعترى الهرم والقدم مفرداتها وطرائقها ووسائلها وبقيت جامدة دون تعديل يُذكر، بالرغم من التغييرات العميقة التي عصفت بمناهج هذا التعليم في العشرين سنة الاخيرة في العديد من دول العالم. والحاجة الى تغيير المناهج وتطويرها لتتلاقى ومتطلبات المجتمع، مطلب عام في لبنان ما فتئ يعبر عنه جميع المعنيين بهذا التعليم من اساتذة وطلاب واصحاب عمل وخبراء محليين ودوليين. وقد جاءت الدعوة الأكثر تعبيرا عن هذه الحاجة من قبل اصحاب مؤسسات السوق، المستخدمين لمنتجات التعليم المهني والتقني. وقد اعرب هؤلاء في اكثر من لقاء وندوة واجتماع عقدت بمبادرة من وزارة التعليم المهني والتقني واجهزتها عن شكواهم من ضعف مستوى خريجي هذا التعليم وبخاصة في مجال القدرات والمهارات العملية واللغات والمواقف من العمل، وشاركهم الرأي خبراء المنظمات الدولية واكدوا على اهمية معالجة هذا الضعف في كل تقاريرهم المرفوعة الى السلطات اللبنانية. وفي دراسة (4) أُعدت بتكليف من البنك الدولي لصالح وزارة التعليم المهني والتقني، شملت سبعة قطاعات صناعية(5)، واستطلعت رأي المسؤولين فيها عن تقييمهم لخريجي التعليم المهني والتقني، اجمع هؤلاء على ان هذا التعليم يحتاج الى تجديد وإعادة نظر شاملة وعميقة ليلبّي متطلبات الصناعة اللبنانية. وأشاروا الى ان المناهج المتعددة غير ملائمة لانماط الانتاج الصناعي الحديثة وأن الاساسيات النظرية المدرّسة هي عامة جدا ونظرية جدا. كما شكوا من قلة الوقت المخصص في المناهج للتدريب المهني ومن قدّم التجهيزات الفنية المستخدمة في المؤسسات التعليمية بالمقارنة مع التجهيزات الحديثة المستخدمة في الصناعات المتقدمة. واعتبر العديد من الصناعيين: ان خريجي التعليم المهني والتقني قبل 1975 كانوا اكثر ملاءمة لسوق العمل آنذاك من الخريجين الحاليين للسوق الحالي، ذلك لأن المهارات المهنية المطلوبة اليوم قد تبدلت مع تبدل انماط الانتاج في حين ان النظام التعليمي في لبنان لم يعرف اي تغيير يذكر منذ ذلك التاريخ. ان خريجي الاختصاصات الصناعية (كهرباء الكترونيك، ميكانيك) لا تتلاءم كفاءتهم واحتياجات السوق لانهم من جهة يتدربون على آلات قديمة ومن جهة اخرى يجهلون الاسس النظرية للتكنولوجيا الحديثة المستخدمة في خطوط الانتاج. ان الخريجين لم يكتسبوا مهارات وكفاءات لها علاقة مباشرة ببعض القطاعات الصناعية الاساسية في البلد، مثل الطباعة والبلاستيك والنسيج والصناعات الغذائية. وما قاله الصناعيون، تردّد على ألسنة ممثلي قطاعات الفندقة والمعلوماتية والهندسة المدنية والخدمات، في اثناء الاجتماعات العامة التي دعت اليها وزارة التعليم المهني والتقني سابقا لدى اطلاق ورشة المناهج ومؤخرا لدى تقييم المناهج الجديدة. غير ان وجهة نظرهم لم يؤخذ بها سابقا والامل ان يؤخذ بها الآن في اطار اللجان الجديدة. وفي السياق ذاته، تجدر الاشارة الى نتائج الدراسة التي اعدتها المؤسسة الوطنية للاستخدام بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وبرنامج الامم المتحدة الانمائي والتي ورد فيها ما حرفيته »ان عاملا واحدا فقط من اصل اربعة تابع دراسات في مجال مهنته وهو دليل قاطع على ضعف الروابط بين النظام التعليمي وسوق العمل(6)«. هذه الاعتبارات التي ساقها ممثلو مؤسسات السوق، كان يفترض ان تشكل نقطة الانطلاق في ورشة المناهج التي عهدت بها وزارة التعليم المهني والتقني في العام 1997(7) الى احدى الشركات الخاصة وان تعمّق مضامينها في دراسة علمية لمتطلبات سوق العمل. غير ان الامر لم يأخذ هذا المنحى العلمي والمنطقي، فأعدّت الشركة والوزارة المناهج الجديدة كأعمال مكتبية، دبجها اساتذة التعليم في المكاتب، دون النزول الجدي الى سوق العمل لإجراء دراسة عن متطلبات المؤسسات من اليد العاملة المهنية والفنية في القطاعات الاقتصادية الرئيسية واكتفي في هذا المجال ببعض الاجتماعات العامة التي لا تجدي نفعا في هذه الحالة. وحتى لم يلتفت معدّو هذه المناهج الى التغيرات الحاصلة في مناهج التعليم العام وهيكليته الجديدة والتي لها انعكاسات تعليمية مباشرة على المواد المشتركة بين المسارين العام والمهني. فكان يفترض الأخذ بالاعتبار على سبيل المثال لا الحصر التعديلات التي حصلت على مواد الرياضيات والعلوم واللغات والمعلوماتية في مناهج التعليم العام لدى إقرار مفردات هذه المواد في التعليم المهني والتقني. غير ان اعتماد التفرّد في إعداد المناهج المهنية، جاء بمناهج جديدة في الكثير من الاختصاصات الصناعية لصيقة جدا بالمناهج القديمة، وفي الاختصاصات التجارية مستوحاة جدا من بعض المراجع الاجنبية. ومن المؤلم والمؤذي لهذا التعليم ان يكون قد غاب عن وعي المسؤولين عند وضع هذه المناهج استحالة اعداد مناهج جيدة وعصرية وموثوقة للتعليم المهني والتقني دون المشاركة الفعلية لمؤسسات السوق وبغياب سياسة تربوية تحكم بمبادئها ومعاييرها وخياراتها عملية إعداد المناهج. ومن اللافت للنظر الآن انه بعد مضي سنة على استلام الوزارة للمناهج ان تبذل اليوم الادارة الجديدة للتعليم المهني والتقني(8) جهودا مكثفة لتنقية »المناهج الجديدة« من الهفوات والشوائب والتشوهات ولتلميعها بعملية تجميلية، لا يمكن ان تكون الا سطحية اذا لم تعط اللجان الجديدة الوقت الكافي لإنجازها بالتعاون مع اصحاب العمل ومن خلال توجهات تربوية واضحة ومعلنة. وباختصار ان عدم مواءمة المناهج لاختصاصات سوق العمل يتجلّى في عدد من العناصر يتردد صداها في كل اللقاءات والدراسات المتعلقة بالتعليم المهني والتقني، والتي يجب ان تبقى ماثلة أمام اللجان التي ستتولى لاحقا تعديل المناهج وإعداد صيغتها الجديدة. وتأتي في طليعة هذه العناصر: طغيان التعليم النظري على التطبيق العملي. قصور المعلومات النظرية عن اللحاق بالتغيرات الحاصلة في انماط الانتاج وتقنياته. ضيق عدد الاختصاصات المتوافرة في التعليم وقصورها عن تغطية كافة احتياجات السوق من اليد العاملة محدودة المهارة والماهرة والفنية. استبعاد اصحاب العمل عن المشاركة الفعلية في إعداد المناهج التعليمية. عدم اطلاع اساتذة التعليم المهني والتقني وطلابهم على التكنولوجات والآلات والتقنيات المستخدمة في السوق. عدم تمرّس الطلاب على تنمية قدرات التعليم والتكيّف في عالم متغير وضعفه باللغات الاجنبية وبخاصة اللغة الانكليزية. 2 ضعف الرابط بين التعليم المهني ومحيطه يحتاج التعليم المهني والتقني لتأدية دوره الى نسج علاقات وروابط مع المؤسسات التربوية المعنية بالتعليم والتدريب، ومؤسسات السوق الانتاجية والخدماتية ومؤسسات المجتمع المدني. وتوفر هذه الروابط اطارا مؤسسيا للتشاور والتعاون والمشاركة الفعلية التي تتجاوز مفهوم اللقاءات والاجتماعات البروتوكولية. غير ان هذه العلاقات على ضرورتها لم يقمها التعليم المهني والتقني بالنمط المطلوب، فلجأ الى شبه عزلة انعكست سلبا على دوره وأداء مؤسساته. فالعلاقة مع وزارة التربية لو كانت منظمة لكانت أمّنت التنسيق المطلوب لدى اعداد مناهج المواد المشتركة والتعاون في تنظيم برامج التوجيه المهني في التعليم العام وفتح مشاغل المدارس المهنية ومختبراتها لتلاميذ المرحلة المتوسطة. وكذلك الامر مع التعليم العالي الذي يشترك مع التعليم المهني والتقني في عدد من الحقول والشهادات مثل شهادة الامتياز الفني ودبلوم معاهد التكنولوجيا والاجازات الفنية والتعليمية الصادرة في التعليم المهني والتقني عن المعهد الفني التربوي والمعهد الفني الصناعي وفي التعليم العالي عن الكليات الجامعية. وتشمل شهادات الامتياز الفني والاجازة الفنية حقولا عديدة من القطاعات (الصحة، الكهرباء، الالكترونيك، الفندقية، الاتصالات، المعلوماتية...). كما تحتاج العلاقة مع المؤسسة الوطنية للاستخدام (وزارة العمل) للتفعيل لان هذه المؤسسة ترعى مباشرة او بواسطة اتفاقيات عقود مع المؤسسات الاجتماعية برامج تدريب مهني، ويفترض ان يقوم تنسيق فعلي بين المرجعيتين لجهة تحديد مفردات المناهج وأساليب تقييمها ومدتها. والى هذه العلاقات ذات الطابع التربوي كان يفترض ان تقوم علاقة تفاعلية ومتبادلة بين المؤسسات التعليمية ومؤسسات السوق الانتاجية والخدماتية. غير ان هذه العلاقات لم تقم الا في حالات نادرة وأدى غيابها الى إضعاف دور التعليم المهني والتقني والى المواقف السلبية التي اتخذها اصحاب العمل من خرّيجيه. فمن غير الطبيعي ان يمضي طلاب التعليم المهني في المدرسة ثلاث سنوات للحصول على شهادة البكالوريا او الامتياز الفني دون ان يقوموا بزيارة مصنع، او محطة توزيع كهرباء للتعرف على التكنولوجيات السائدة واساليب الانتاج الحديثة. وما هو مطلوب في هذا المجال لا يقتصر على الزيارات الاستطلاعية بل يشمل فترات تدريب طويلة، يكتسب الطالب من خلالها خبرة فعلية في العمل. وقد أبدى اصحاب المؤسسات الصناعية استعدادهم لفتح مؤسساتهم ومصانعهم لأغراض التدريب وربط التعليم بالعمل(9) ومن الموصى به ان يتم التعليم بقرب اكثر مع المؤسسات الصناعية فتتحسن صورة الخرّيجين ويكتسبون ثقة اصحاب العمل. وفي هذا المجال، لا بد من التنويه بتجربة تطبيق النظام المزدوج Dual System الذي ترعى وضعه مؤسسة التعاون التقني الالمانية G.T.Z، بالتعاون مع الوزارة والذي لا بد من تطويره وتنسيق مناهجه مع المناهج الموازية في التعليم المهني والتقني. غير ان هذه التجربة ما زالت مقتصرة على اختصاصيين في التعليم الصناعي هما الميكانيك الصناعي وميكانيك السيارات وفي اربع مدارس رسمية فقط. ولا شك في ان تكييف النظام التعليمي الالماني مع المعطيات الموضوعية للمؤسسات اللبنانية التعليمية والانتاجية تمهيدا لتعميمه لاحقا من شأنه حل مشكلة ضعف علاقة التعليم بالعمل التي يعاني منها التعليم المهني والتقني في لبنان. 3 عدم التكافؤ في الفرص التعليمية لا شك في ان تمدّد شبكة المعاهد والمدارس المهنية في السنوات الاخيرة، وبخاصة الرسمية منها، ساهم في توفير الخدمات التعليمية في العديد من المناطق التي كانت محرومة منها لسنوات طويلة. وبالرغم من هذا التوسّع، ما زالت هناك تسعة مراكز اقضية خالية من اي مدرسة مهنية رسمية، بالاضافة الى مناطق ساحلية واسعة (10). واذا ما قارنا توزع اعداد الطلاب (في القطاعين الرسمي والخاص) مع توزع السكان على المناطق يتبين لنا ان التفاوت في توافر الفرص التعليمية ما زال شاسعا فيما بينها في مجال التقديمات والاختصاصات والمستويات التعليمية. ويزداد هذا التفاوت حدة على مستوى الاقضية وبخاصة تلك التي تخلو كليا من المدارس المهنية الرسمية مثل عكار والكورة وحاصبيا وجبيل... ويضاف الى الخلل في توزّع المدارس خلل في توزع المستويات التعليمية. ويبيّن الجدول التالي توزّع طلاب التعليم المهني والتقني الرسمي والخاص بحسب الشهادات والمناطق. ويتبين من هذا التوزيع ان بيروت وضواحيها تستأثر بالنسبة الكبرى من طلاب الامتياز الفني (2،77$) ومن طلاب الاجازة الفنية 4،87$ واكثر من (6،50$) من طلاب شهادة البكالوريا الفنية، في حين ان نسبة طلاب الشهادات العليا متدنية جداً (إن لم تكن معدومة) في محافظات البقاع والجنوب والنبطية. ويبرز عامل عدم التكافؤ مجددا لدى دراسة توزع الاختصاصات التعليمية بين المناطق. فاختصاصات الاجازة التعليمية محصورة عمليا في مجمعي الدكوانة وبئر حسن. وخارج هذين المجمعين تدرس ثلاثة اختصاصات صحية في اطار مشروع مشترك مع احد المعاهد الخاصة في جونيه (11). اما اختصاصات الامتياز الفني فتتوافر غالبيتها في كل من مجمّعي الدكوانة وبئر حسن. وفي المناطق يوفر التعليم الرسمي التدريس في 8 اختصاصات في الشمال و4 في البقاع و2 في الجنوب من اصل 23 اختصاصاً تشتمل عليها شهادات الامتياز الفني. اما طلاب القطاع الخاص فيتركزون في بيروت وضواحيها بنسبة 8،67$ (12) وما تبقّى يتواجد في التجمّعات الساحلية الكبيرة ومراكز المحافظات والاقضية. 4 ضعف الأداء الإداري التربوي أنشئت وزارة التعليم المهني والتقني في اواخر 1992 واخذت شكلها القانوني والتنظيمي في العام 1993 (13). وحتى هذا التاريخ لم تستكمل الوزارة ملاكاتها. وباستثناء ملء بعض الشواغر في الملاك فإن الوزارة تشكو نقصا فادحا في كوادرها الفنية ومواردها البشرية ينعكس سلبا على ادائها وقدرتها على الاضطلاع بصورة سليمة بالمهام التقنية الموكولة اليها. وبالاضافة الى الشواغر في الملاكات، هناك سوء توزيع للدوائر والمهام، كما اشارت الى ذلك دراسة حول هيكلية وزارة التعليم المهني والتقني أعدّتها وزارة الاصلاح الاداري (13). وما يعنينا من المنظور التربوي والتخطيطي بشأن الادارة التربوية هو مدى قدرة الادارة المركزية على تلبية وظائفها التربوية، لأن الوظائف الادارية والمحاسبية هي في خدمة هذه الوظائف التربوية وليس العكس. فالهيكلية الحالية هي هيكلية ادارية تقليدية تركّز على وظائف المراقبة الادارية والمحاسبة المالية والتدقيق المحاسبي والامتحانات. وفي هذا المجال، قد تكون الكفاءات المتوافرة كافية. اما الوظائف التربوية للوزارة (المناهج، الخطة، الخريطة المدرسية، الكتب المدرسية، التعاون التقني، التجديدات التربوية، التدريب، العلاقات مع السوق...) فتشكو نقصا حقيقيا وعدم كفاءة في الموارد البشرية الموظفة في هذا المجال. وهذا ما يفسر الى حد بعيد تعذر تنفيذ العديد من المشاريع والتجديدات التربوية وعدم التنسيق الحاصل بشأن المشاريع والبرامج الدولية. القسم الثالث التحديات النوعية سيشهد التعليم المهني والتقني الرسمي قريبا اطلاق ورشة عمل متعددة الجوانب تتناول بناء معاهد ومدارس جديدة وتجهيزها وتحديث الادارة المركزية للتعليم والادارات المدرسية وتدريب الاساتذة واعداد مناهج وكتب مدرسية واجراء دراسات جدوى للمشاريع ودراسات سوق وتحسين الاداء التربوي للنظام التعليمي ككل (14). وقد خصصت لهذه الغاية اعتمادات مالية تتجاوز المائتي مليون دولار كمشاريع قروض وتمويل متعددة المصادر الدولية والعربية والمحلية. ومن المتوقع ان تحشد في اطار هذه الورشة قدرات وخبرات عالمية ووطنية متعددة ورفيعة المستوى. والسؤال المطروح اليوم، هو كيف يمكن استخدام هذه الموارد البشرية الكبيرة لمعالجة المشكلات العميقة والعضوية في النظام التعليمي والارتقاء به الى دوره الطبيعي في تلبية احتياجات سوق العمل والمساهمة في تحسين انتاجية مؤسسات السوق وزيادة القدرات التنافسية للاقتصاد اللبناني. وكي لا تضيع الفرصة الجديدة المتوافرة الآن، لا بد من وعي المعيقات التي تحد من تطور النظام التعليمي. وقد حاولنا في القسم الثاني وضعها في دائرة الضوء. وسنحاول في هذا القسم الثالث التركيز على التحديات النوعية التي تواجه التعليم المهني والتقني والتي يجب ان تحشد كل الطاقات لتلبيتها. وباعتقادنا، ان هذه التحديات تتمحور حول اربع قضايا هي: (1) تنمية المهارات والكفاءات المطلوبة في سوق العمل (2) إصلاح هيكلية النظام التعليمي (3) توفير الفرص التعليمية لجميع اللبنانيين (4) اصلاح الادارة باتجاه الانفتاح واللامركزية. الهدف الأول: تنمية المهارات والكفاءات المطلوبة في سوق العمل استعرضنا سابقا الخلل القائم في مناهج التعليم المهني والتقني وعدم مواءمتها لاحتياجات سوق العمل، وأكدنا على دورها الاساسي في ردم الهوة بين مؤسسات التعليم ومؤسسات السوق. وعندما نتحدث عن احتياجات السوق نقصد على السواء الاحتياجات الكمية والاحتياجات النوعية. اما الاحتياجات الكمية فتقع على عاتق الادارات الرسمية المعنية بتطور الاقتصاد العام، تحديدها واعطاء المؤشرات بشأنها. ولا يُعقل ان يطلب الى وزارة التعليم المهني والتقني ان تؤدي دور وزارة الاقتصاد ووزارة المالية ومجلس الانماء والاعمار. ففي المجال الكمي، تستند الوزارة الى الدراسات والخطط التي تقرها الدولة، واذا كانت هذه الخطط مفقودة، فعلى الوزارة ان تستأنس بالدراسات المتوافرة في السوق 15 وهي عديدة وصالحة لتكون خلفية للعمل، والتي تتجدد وتتمم باستمرار. أما تقدير الاحتياجات النوعية اي الكفاءات والمهارات والمواصفات المطلوب توافرها في منتج التعليم فوحدها الوزارة قادرة على القيام به بالتعاون الوثيق مع مؤسسات السوق. ويتم التعرف على هذه المواصفات بدقة وموضوعية من خلال دراسة لهيكلية القوى العاملة في كل قطاع تبين مكوّنات المهارات والكفاءات المطلوبة ومستوياتها. لذلك، وفي ضوء الواقع الحالي لمناهج التعليم المهني والتقني، يبدو ملحّاً العمل على تجديد مناهج هذا التعليم في مختلف مستوياته وشهاداته واختصاصاته، بالاستناد الى دراسة ميدانية عن هيكلية القوى العاملة وبالمشاركة الفعلية لمسؤولي مؤسسات السوق وكوادرها. إن اعداد مناهج التعليم المهني والتقني ليس عملا مكتبيا وحسب، يقوم به اساتذة المواد التعليمية، ويأتي غيرهم بعد فترة زمنية يعدّلونه وفق ما يعرفون ويرتأون. كما انه لا يجوز عزل مناهج هذا التعليم العام والتعليم العالي، او التعاطي مع التعليم المهني كأنه نظام مستقل عن النظام التعليمي الشامل في لبنان. وبالتالي لا بد للمناهج الجديدة من ان تبني جسور انتقال بالاتجاهين بين مسارات التعليم المهني ومسارات التعليم العام. وداخل مسارات التعليم المهني ذاته. واذا كان من المستحيل في هذه المرحلة تحديد انواع المهارات والكفاءات المطلوبة لسوق العمل، غير ان هناك مبادئ ومعايير حاكمة يجب الاستناد اليها لدى رسم سياسة وضع المناهج. وتأتي في طليعة هذه المبادئ ان تتصف المناهج بالمرونة وتبتعد عن التخصصات الضيقة وان تُبنى على اساس نظام الوحدات (Modular system) القابلة للقياس والتجميع والتصديق والاعتراف بها من قبل مؤسسات السوق، وان ترسي علاقات موثوقة بين المؤسسات التعليمية ومؤسسات السوق، من خلال برامج تدريب منظم ومنتظِم مثل النظام المزدوج (dual system). ان اكتساب الخبرة في اثناء الدراسة بات جزءا لا يتجزأ من مناهج التعليم المهني والتقني في عالمنا وشرطا ميسّرا لإيجاد وظيفة في سوق العمل. وفي القطاع الخدماتي والتجاري، لا بد من إجراء حوار مع جمعيات ونقابات القطاعات الاقتصادية الواعدة مثل المعلوماتية والاعلان والضمان والصحة لرصد انواع المهن الجديدة التي يوفرها هذا القطاع ومواصفاتها التعليمية. وباختصار، المطلوب من وزارة التعليم المهني والتقني، قبل البدء بكتابة مفردات المناهج، البدء بإجراء حوار علمي هادف مع مؤسسات السوق على انواعها، مستعينة بالاساليب العلمية لتحديد معالم المهن واحتياجات السوق. كما يترتب عليها رسم السياسات المتعلقة المستمر وتدريب اليد العاملة وإعادة تأهيلها. الهدف الثاني: إصلاح الهيكل التعليمي إن الهيكل التعليمي (المستويات والشهادات ومتطلبات الانتساب والتخرّج) المعمول به حاليا في التعليم المهني والتقني يعود تاريخه الى العام 1967 (61) وخلال الفترة اللاحقة لهذا التاريخ حصلت في لبنان (والعالم) تغيرات عديدة شملت معدلات التحاق الأولاد بالمراحل التعليمية وسن هذا الالتحاق وكمية ونوع المعارف المعطاة في التعليم العام. ولهذه المؤشرات تأثير مباشر على مستوى الطلاب المتوجهين الى التعليم المهني والتقني في مستوياته كافة. وقد خطا لبنان مؤخرا خطوة نوعية باقرار هيكلية جديدة للتعليم العام والمهني وبالتوجه نحو تعميم التعليم الاساسي المتضمن الحلقات الابتدائية والمتوسطة (71) كما أقر الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتشغيل الاحداث، في الوقت الذي اتجهت انظمة التعليم المهني والتقني في العالم الى المزيد من المرونة والانفتاح والتداخل مع التعليم العام. ففي ضوء هذه العوامل لا بد من اصلاح الهيكل التعليمي الحالي بتوجهات تسمح بتطوره وبخروجه من عزلته، ولا سيما لجهة: 1 اعتماد نظام تعليمي مرن مبني على الوحدات التعليمية والفصول الدراسية بدل السنوات الدراسية مما يتيح مرونة أكثر في الحركة داخل مسارات التعليم المهني والتقني وبينها وبين سوق العمل. 2 ايجاد جسور انتقال بالاتجاهين بين التعليم المهني والتعليم العام وكسر حاجز الانفصال الحاد بين النظامين، في ضوء الرؤية الجديدة للمناهج التعليمية. وفي هذا المجال سيكون مفيدا ادخال الاختصاصات المهنية الى مدارس التعليم العام وتشجيع مشاغل التكنولوجيا في مرحلتي التعليم الاساسي والتعليم الثانوي. 3 اعتماد هيكل تعليمي كامل ومتكامل للتعليم المهني والتقني يشمل مستوياته كافة ويكون اقرب الى شكل الشجرة منه الى شكل السلم، بحيث يتضمن جذعا اساسيا وجذوعا مشتركة تتيح الخروج من النظام التعليمي الى سوق العمل في مستويات متعددة كما تتيح العودة الى النظام التعليمي من سوق العمل. 4 إعادة النظر بعدد السنوات المخصصة للشهادات المهنية والفنية والتي هي حاليا موحدة في كل مستوى، في ضوء دراسة مناهج كل اختصاص. ولا شيء يمنع باعتقادنا ان تنجز بعض المناهج إذا ما اعتمد نظام الوحدات بأقل من سنتين او ثلاث سنوات، أي لا داعي للتمسك بالوقت الموحد لكل الاختصاصات في المستوى الواحد. وفي هذا المجال، تتطلب دراسة شهادات الامتياز الفني عناية خاصة لجهة عدد سنوات الدراسة فيها والمحددة حاليا بثلاث سنوات والتي قد يكون من الأفضل تخفيفها الى سنتين دراسيتين، او الى عدد محدد من الساعات والوحدات الدراسية. 5 اعتماد نظام تدريب مهني يستوعب نظام افادات التدريب التي تعطيها الوزارة وشهادات التدريب التي تمنحها المؤسسة الوطنية للاستخدام والافادات الخاصة التي يمنحها قطاع التعليم المهني الخاص. وفي هذا الاطار تنشأ شهادات تدريب مهني، تستند الى نظام الوحدات التدريبية المتكاملة او الفصول الدراسية، وتتراوح مدة التدريب فيها، بحسب المهن بين فصل وثلاثة فصول دراسية. ولدى إنشاء هذه الشهادة، تلغى شهادتا المستوى المهني (الكفاءة المهنية CAP والتكميلية المهنية (BP. 6 تحديد العلاقة في الهيكل التعليمي لشهادتي الامتياز الفني والاجازة الفنية بالشهادات الممنوحة في التعليم العالي، على مستوى معاهد التكنولوجيا والكليات الجامعية النظرية والتطبيقية. من المعروف ان هاتين الشهادتين الفنيتين تواجهان مشكلة الاعتراف بهما وتصنيفهما خارج القطاع التعليمي المهني. وإذا لم تعالج مشكلة التصنيف والاعتراف سيواجه طلاب التعليم الفني في المستقبل القريب اشكالات وصعوبات كبيرة في الحصول على فرص عمل في مؤسسات السوق والمؤسسات العامة. الهدف الثالث: توفير الفرص التعليمية لجميع اللبنانيين بينت الدراسات والاحصاءات التي اشرنا اليها في القسم الأول ان شبكة المدارس والاختصاصات والمستويات للتعليم المهني والتقني، وبخاصة في التعليم الرسمي، لا توفر فرصا متكافئة لجميع اللبنانيين في جميع المناطق. لذلك انطلاقا من مبدأ الانماء المتوازن المرفوع شعارا وطنيا منذ مطلع التسعينيات ولا يزال وتجاوبا مع مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية امام المواطنين، يفترض ان تسعى الدولة بالتعاون بين مؤسساتها كافة (وزارات التعليم، مجلس الانماء والاعمار، البلديات...)، في اطار البرنامج الجديد للتعليم المهني والتقني، الى استكمال شبكة المعاهد والمدارس والاختصاصات والمستويات التعليمية، تطبيقا لهذين المبدأين فتعم العدالة المناطق كافة. والتوجه المقترح في هذا المجال تحديدا هو: إنشاء مدينة مهنية في مراكز المحافظات تضم مجموعة متكاملة من مستويات وشهادات واختصاصات التعليم المهي والتقني. إنشاء مدرسة فنية (مستوى البكالوريا الفنية) ومدرسة مهنية (مستوى التدريب المهني) في كل مركز قضاء يخلو من مدرسة فنية او مركز تدريب مهني. تنسيق توزع الاختصاصات بين مدارس المنطقة الواحدة ومنع الازدواجية غير المبررة بين الاختصاصات تسهيلا لزيادة عدة الاختصاصات في المنطقة الواحدة وبالتالي لاختيار الطلاب للاختصاصات التي يرغبون بها. توزيع الاختصاصات بين المناطق بحيث تتلازم والمعطيات الاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة. ادخال الاختصاصات الزراعية ضمن الاختصاصات المهنية وضم المدارس الزراعية الى شبكة المدارس المهنية. اعتماد التدفقات الطلابية من مراحل التعليم العام والمعطيات الديموغرافية لتحديد مراكز المدارس والمعاهد وبخاصة خارج مراكز المحافظات والاقضية، منعا لطغيان الاعتبارات السياسية على الاعتبارات التربوية والانمائية. وبكلام آخر المطلوب هو اعتماد خريطة تربوية للتعليم المهني والتقني شاملة مواقع المدارس ومستوياتها واختصاصاتها ومبنية على أسس ومعايير موضوعية وعلمية تطبق على السواء على المستويين الوطني والمناطقي. الهدف الرابع: إصلاح الإدارة التربوية باتجاه الانفتاح واللامركزية تتسم الادارة اللبنانية بما في ذلك الادارة التربوية بمركزية شديدة، موروثة ومتجددة تعيق اعمال المواطنين وتكبح تنمية التفاعل والحوار بين المؤسسات. وتتضاعف مساوئ المركزية الشديدة في القطاع التربوي نظرا لتعدد المؤسسات التعليمية ومواقعها وطبيعة القرارات المطلوب اتخاذها. واصلاح الادارة التربوية في التعليم المهني والتقني يجب ان يشمل مستويي الادارة المركزية والادارة المدرسية. فعلى صعيد الادارة المركزية، يجب ان يتركز الاهتمام على القضايا العامة ذات البعد الوطني والشامل والابتعاد عن المسائل الاجرائية والتنفيذية والادارية التسييرية. ونرى تحديدا ان يعاد النظر بهيكلية الادارة المركزية بهدف تمكينها من معالجة القضايا التالية: 1 المناهج والكتب المدرسية وأدلة المدرسين والتجهيزات والمراجع العلمية والتعليمية ذات الصلة بالتعليم المهني والتقني. 2 وضع خطة تطوير التعليم ومراقبة تنفيذها. 3 التنسيق مع الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والادارات الرسمية المعنية بتحديد الاحتياجات من القوى العاملة محدودة المهارة والماهرة والفنية. 4 تدريب الاساتذة والكوادر الفنية والادارية وتأهيلهم باستمرار. 5 اطلاق البرامج التطويرية والتجديدات التربوية واختبارها مثل التعلم عن بعد وربط المدارس بشبكة معلوماتية لتبادل المعلومات والخبرات... 6 الاهتمام بالاتفاقيات والبروتوكولات الدولية والتنسيق بينها منعا للازدواجية وتلافيا للهدر الذي قد يحصل. 7 اعداد انظمة امتحانات وتقييم حديثة والعمل باستمرار على تحديثها ومكننتها. 8 رعاية مؤسسات التعليم الخاص وادخالها في نطاق الاستراتيجية العامة لتطوير التعليم المهني والتقني. 9 رسم سياسات التدريب واعادة التدريب للقوى العاملة بالتعاون مع الاطراف المعنية. إن الادارة المركزية يترتب عليها ان تؤدي دورا تربويا مميزا لا الاكتفاء بالدور الاداري المحاسبي. وباعتقادنا ان تأدية الدور التربوي هو شرط ملزم لنجاح تطوير التعليم المهني والتقني وترشيد انفاق المئتي مليون دولار الملحوظة لهذه الغاية. أما الصلاحيات الادارية المالية ذات العلاقة المباشرة بسير العمل في المعاهد والمدارس، فيجب ان ترحّل من المستوى المركزي الى المستوى المدرسي. وإذا ما انخرطت المدرسة بالسوق، يتبدل دورها ودور مديرها، فيصبحان جزءا من المجتمع المحلي المتواجدين فيه، ويترتب على المدير في دوره الجديد ان يحشد الطاقات ويتحاور مع مؤسسات السوق لتدريب طلابه من جهة ومن جهة أخرى لتحديد احتياجاتها من التدريب والتأهيل، وهكذا يساهم بايجاد فرص عمل ووظائف لطلابه، فيساعدهم على دخول مؤسسات السوق فور خروجهم من المؤسسة التعليمية. وفي هذا المنظور، تتبدل وظيفة ودور الادارة التعليمية في مستوييها المركزي والمدرسي، فتصبح الادارة المركزية أداة التغيير والتطوير، تواكب التغيرات التي يشهدها هذا التعليم في لبنان والعالم ليلبي متطلبات سوق العمل ويؤدي دوره الاجتماعي التقليدي. وعلى الادارة المركزية من هذا المنظور السعي الدائم لادخال الاصلاحات التربوية التي تجعل نظام التعليم المهني أكثر مرونة وخريجيه أكثر قدرة وكفاءة على الاستجابة الى احتياجات السوق والى حمل اطراف الانتاج على المشاركة في تطوير قدراته وتمويل بعض نشاطاته مما يخفف من حجم الاكلاف الملقاة على عاتق الدولة في هذا المجال. ومن هذا المنظور الاستراتيجي، يكون دور الادارة المدرسية مكملا لدور الادارة المركزية، بالانفتاح على المحيط المحلي وفعالياته، وطليقا في ادارة العملية التعليمية ومتطلباتها، بحرية واستقلالية دون العودة اليومية والدائمة الى الادارة المركزية لأخذ الموافقات الشكلية والتعقيدية في كثير من الاحيان. إن التعليم المهني والتقني، يتغير في كل بلدان العالم، وتعصف الحداثة في كل مكوناته واساليبه ليتواءم مع متطلبات السوق ويواجه التحديات النوعية المطروحة عليه، فلا يجوز أن يبقى هذا التعليم في لبنان مهمشا ومعزولا ومكبلا، غير قادر على الانطلاق نحو التغيير والحداثة. جاء الزمن الحرج والمنعطف الحاسم، فهل يصحح المسار وتصوّب الغايات والاهداف وتوجه الطاقات حيث تجدي نفعا، هذا هو السؤال القلق المطروح اليوم بشأن التعليم المهني والتقني في لبنان. الهوامش (1) المصدر: الخطة الخمسية لتطوير التعليم المهني والتقني وزارة التعليم المهني والتقني 1998. الإحصاءات الأولية للعام الدراسي 19981997، المركز التربوي للبحوث والإنماء 1999. (2) يضم القطاع الخاص، بالاضافة الى الطلاب الذين يتابعون الشهادات الرسمية والمبينة اعدادهم في المقارنة والجدول رقم 1 طلابا يتابعون برامج تدريب (افادات خاصة) تتراوح مدتها ما بين ثلاثة اشهر وثمانية اشهر. وقد قدرت اعداد هؤلاء للعام الدراسي الحالي بحوالي 23600 طالب. (3) CRI, Vocational and Technical Education in Lebanon and Labor Market MVTE. (4) القطاعات الصناعية هي الطباعة والكهرباء والنسيج والألبسة والأدوية الصناعات الغذائية والبلاستيك. (5) دراسة سوق العمل نتائج التحقيق الإحصائي لدى المؤسسات المؤسسة الوطنية للاستخدام بيروت 1997. (6) عهدت وزارة التعليم المهني والتقني الى شركة خاصة مهمة إعداد مناهج تعليمية جديدة لاختصاصات شهادتي البكالوريا الفنية والامتياز الفني، لقاء مبلغ مليون ونصف مليون دولار اميركي، بعد ان كانت البعثة الفرنسية عملت بالتعاون مع الوزارة على مدى سنتين لإعداد مناهج جديدة للعديد من اختصاصات التعليم المهني والتقني. (7) شكّل المدير العام الجديد للتعليم المهني والتقني أكثر من لجنة عامة ومتخصصة لتقييم المناهج وتصويبها، ابتداء من 4/2/1999، وما زالت اعمال اللجان مستمرة، كما طلبت الوزارة مؤخرا الى مجموعة خبراء ألمان القدوم الى لبنان للمشاركة في تقييم المناهج الجديدة وتصحيحها. (8) مصدر سابق CRI. (9) راجع الخطة الخمسية لتطوير التعليم المهني والتقني وزارة التعليم المهني والتقني 1997. (10) راجع الخطة الخمسية مصدر سابق. (11) الاحصاءات الاولية المركز التربوي مصدر سابق. (12) بموجب القانون رقم 211 تاريخ 2/4/1993 والقانون رقم 325 تاريخ 24/3/1994 والمرسوم التنظيمي رقم 8349 تاريخ 2/5/1996. (13) دراسة حول هيكلية وزارة التعليم المهني والتقني، بإشراف وزير الدولة للإصلاح الاداري. (14) في اطار القروض التي عقدتها الدولة اللبنانية لصالح التعليم المهني والتقني وبخاصة قرض البنك الدولي والبروتوكول الفرنسي واتفاقية السوق الاوروبية المشتركة. (15 ) راجع الخطة الخمسية لتطوير التعليم المهني والتقني وزارة التعليم المهني والتقني 1997. (61) المرسوم رقم 7880 تاريخ 25/7/1967 (71) الهيكلية الجديدة للتعليم في لبنان، 1995، المركز التربوي للبحوث والانماء »قرار مجلس الوزراء تاريخ 25/10/1995«.