ربما تواريتُ في قلب الجبال وحيداً مثل وريد من معدن صاف، تهتُ في هوة سحيقة، في سواد بهيم وبلا أفق. كل شيء يأتيني، يحتويني ويصير حجراً. لا أعرف أن أتألم بعد كما يجب، وهذا الليل الكبير يخيفني؛ لئن كان ذلك ليلك، ليكن ثقيلاً، ليسحقني، لتكن يدك كلها فوقي، ولأضِعْ في صرخة فيك. أنت، أيها الجبل، وحدك المستقر في سديم الجبال، مهبط بلا ملاذ، قمة بلا اسم، ثلج أبدي يجعل النجوم تخبو، أنت الذي تحمل على منحدراتك أودية سحيقة حيث نَفَس الأرض يضوع بأريج الورود. هل تهت فيك أخيراً، توحدت في النسفة مثل معدن مجهول؟ مليء بالوقار، امتزجت بجلمودك، وفي كل مكان اصطدمت بصلابتك. أم أن الكرب يضمني، كرب المدن السحيقة العميق، حيث غرزتني حتى عنقي؟ آه، لو أن رجلاً يستطيع فقط، أن يخبر عن خبلها كله وفظائعها جميعها، لكنت في الحال، جعلت أول عاصفة في العالم، تهب ولطردتها من أمامك كالغبار... لئن رغبت في أن أكون أنا من يتكلم، فلن أستطيع ذلك، لأنني لا أفهم شيئاً؛ وفمي، مثل جرح، لا يرغب إلا في الالتئام، يداي ملتصقتان إلى جانبي مثل كلبين لا يستجيبان لأي نداء. ومع ذلك،ذات يوم، ستجعلني أتكلم. لأكن حارس آفاقك كلها.. لتسمح لنظرتي الأجسر والأرحب بتقبيل اتساع البحار، فجأة. لتجعلني أتبع مجرى الأنهار لكي أسمع، خلف ضوضاء ضفافها، ارتقاء صوت الليل الصامت. سيّرني في سهولك التي تضربها الريح كلها و التي تدفن انت صوامع فظة بين حيطانها، مثلما تكفّن، حياة الذين لم يحيوا... لأن المدن الكبيرة، يا سيدي، رجيمة؛ وفي أحشائها يكمن هلع الحرائق وما من غفران تنتظره فأيامها صارت معدودة. هنا ثمة رجال غير راضين، يعانون في الحياة ويموتون من دون ان يعرفوا لماذا تعذبوا؛ وما من أحد منهم شاهد التكشيرة التعسة التي حلّت في عمق الليالي البلا اسم مكان الابتسامة السعيدة لشعب مليء بالإيمان. يذهبون إلى الصدفة، مهانين في سعيهم لخدمة أشياء خالية من المعنى، بلا حماسة، وثيابهم تأتكل رويداً رويداً، وتشيخ أياديهم باكراً جداً. يدفعهم الحشد ويمضون بلا مبالاة، على الرغم من كونهم مترددين وضعفاء، وحدها الكلاب الوجلة التي بلا مأوى تتبعهم للحظة بصمت. سُلِّموا إلى حشد من الجلادين تؤلمهم دقة كل ساعة، يتسكعون متوحدين، حوالي المستشفيات ينتظرون قبولهم بكرب. الموت هنا. ليس الموت الذي بلغهم صوته، بأعجوبة، في طفولتهم، لكنه الموت الصغير كما نفهمه هنا ونهايتهم تتدلى منهم كثمرة حازرة، خضراء، لن تنضج أبداً. آه يا إلهي، لتعط كل واحد موته الخاص، لتعط كل واحد الموت المولود من حياته الخاصة حيث عرف الحب والشقاء. لأننا لسنا سوى اللحاء، سوى الورقة، لكن الثمرة التي تتوسط كل شيء هي الموت الكبير الذي يحمله كل واحد في داخله. لأجله تتفتّح الصبيات الصغيرات، ويحلم الأطفال بأن يصبحوا رجالاً يتخذ المراهقون النساء صديقات الحميمات لكآبة لا يقطفها أحد غيره. لأجله تستمر الأشياء كلها للأبد وإن طمس الزمن الذكرى، فكل شخص يجهد في حياته ليبدع، ليسيّج هذه الثمرة بكون يجمدها ويلهبها بالتناوب، تستطيع حرارة القلوب والتماع الأفكار الأبيض أن يدخلا كلاهما في هذه الثمرة لكن الملائكة، أتت مثل سرب عصافير ولمّا تزل الثمار خضراء. يا سيّدي نحن أفقر من هذه البهائم المسكينة التي تنجز رغم عماها موتها الحقيقي. آه، لتعطنا القوة والعلم لنوثق حياتنا بالتعريشة، وسيبدأ الربيع من حولها، في ساعة مبكرة. لأن ما يجعل الموت غريباً وصعباً، ليس النهاية التي فرضت علينا، وإنما الموت الآخر الذي يأخذنا قبل أن ينضج موتنا الحقيقي في داخلنا. إننا نمكث في حديقتك على مرّ السنين مثل الأشجار التي كان عليها أن تحمل الموت الهادئ. لكننا نشيخ في موسم الحصاد، وكما النساء اللائي ضربتهن نوصد على أنفسنا، إننا شنيعون وعاقرون. أيشتتني الزهو؟ أترغب الأشجار بأفضل منا؟ أنكون فقط مثل النساء اللائي وهبن أنفسهن بكثرة؟ تعهرنا إلى الأبد وعلى سرير العذاب، نخلق ثمرة موتنا الخاطئة. والبويضة المتقلصة، المثيرة للشفقة تحجب جفنيها بيديها كما لو أن شيئاً كريهاً كان يهددها في ما مضى، قرأت، على جبهتها الناتئة، سمة الكآبة، كآبة كل الذين لم يتألموا أبداً. سننتهي جميعاً كفتيات ذوات بطون مبقورة يمتن وهن يلدن. يا سيدي لتجعل الرجل قديساً وعظيماً أعطه ليلاً عميقاً، لا متناهياً، يذهب فيه إلى أقصى ما يستطيع، إلى حيث لم يصل أحد قط أعطه ليلاً يزهر فيه كل شيء حيث تكون فيه هذه الليلة عطرة مثل البُلَّيعة وطرية كنسيم الهواء وسعيدة مثل يواصف. أوصله إلى البلوغ أخيراً، ليكن واسعاً جداً كي يكسره الكون، بالكاد واسمح له أن يكون وحيداً كنجمة حتى لا تفاجئه أي نظرة ساعة تحوّل وجهه، ساعة تكدّره. لتبعث زمن طفولته من قلبه، افتح له مجدداً عالم السحر سحر سنواته الأولى والمليئة بالأحاسيس. لتسمح له بالسهر، حتى الساعة التي يضيع فيها موته الحقيقي، مليئاً بالصدى كحديقة كبيرة أو كمسافر يرجع من البعيد.. دعنا متيقظين، لمرة واحدة على الأقل، اكشف الراقد في داخلنا. لا تجبرنا أبداً على الإنجاب في العذاب، أعط ولادتنا معنى أعمق. أنت القادر على كل شيء بالأحرى، استجب إلى حلم المرأة التي تؤمن بأنها تحمل الله في نهدها، اجعلنا نكتشف الإنسان، أخيراً، في حقيقته الإنسان الحامل داخل موته الخاص أشر لنا إلى الدرب المفضي إليه صُن لنا الأيدي المستبسلة في خسارته. ليس للمدن الكبيرة أي شيء حقيقي، إنها تحرف النهار والليل، وأمل الطفل، وحياة البهائم أيضاً. صمتها كاذب، ضجيجها غشاش. ما من شيء بعد يربطنا بالحركة الواسعة التي تنجذب دائماً حول المركز الذي هو أنت. والرياح المتفسخة على منعطفات الشوارع تشرذم صخبها الكبير إلى آلاف وشوشات الحقد. سعيدة هي الرياح التي تهرب صوب الحدائق... لأن الحدائق بنيت للملوك الذين يسهون فيها بعض الوقت مع شابات حسناوات، حابكين لهن الورود مع صوت ضحكاتهن الفاتن. كن يقظة هذه الروضات المتعبة. كنّ يذهبن هامسات مثل الهواء في الأدغال، وهفيف حرير أثوابهن الصباحية يخلق على الحصى خرير جدول. تبكي الحدائق الآن ذكراها. ترتدي لوينات بهجة حين يأتيها ربيع آخر، وتحترق بهدوء في لهب الخريف خلل أعضائها المتشابكة مثل الأرابيسك المحفور على حديد الأبواب. في أقصى أعماق الحدائق يظهر قصر متوارٍ في مرأى صالاته الداخلية المأهولة بلوحات صور الأسلاف. غير مكترث بشيء، لم يعد يتذكر أفراح الماضي، يبقى صامتاً وحبوراً كمضيف. واحسرتاه، بعد ذلك رأيت قصور هذا الزمن. تتبختر مثل طواويس مختالة الريش لكنها ذات صوت حاد، مرعب. كثيرون هم الرجال الأغنياء، وفخرهم كبير. لكن الأغنياء ليسوا أغنياء... ليسوا رعاة هذه الشعوب التائهة التي تمر في الحقول الخضراء والمضيئة المتبوعة بحشد قطعانها المشوشة كما الغيوم المارة في سماء الصباح وحينما تنصب الخيمة لقضاء المساء، تشرق حينذاك روح الحقول التائهة، فترتسم الجمال، في البعيد، كسلسلة جبال. ليسوا شيوخ قبائل الصحراء هؤلاء الذين يرتاحون ليلاً على سجادات ذابلة ولكنهم يرصعون الياقوت المتلألئ في فضة أمشاط أفراسهم الأثيرية. ليسوا الأمراء ذوي العاهات الشامخة الذين الذهب، عندهم، تفه وبلا إغواء والذين يمضون أيام حياتهم في نشوة العنبر، نشوة اللوز والصندل. ليسوا أصحاب سفن مرافئ التجارة القديمة المحاطين بأعمال فنية خلابة، الذين نجحوا بعنادهم طوال حياتهم في جعل مرافئهم تحفة أجمل، إنهم لا يشبهون أبداً عظماء المجر أولئك الذين يلتفون بمعاطف مدنهم الذهبية كما الورود ملتفة بالبرعم، يهجعون على خفقات صدوغهم البيضاء. كانوا هنا، الأغنياء الذين تستمر الحياة لهم بلا حدود، الحياة الإنسانية والمثقلة بالمعنى، لكن زمن الأغنياء ولى، وما من أحد ينادي بعودتهم. اجعل الفقراء يبقون فقط فقراء. ليسوا فقراء أبداً، ليسوا سوى محرومين من أمور جوهرية مدفوعين إلى الصدفة، بلا حيل وبلا إرادة. موسومين بختم كآبة بلا اسم مجرّدين من كل شيء، حتى من معنى الفقر. يرتفع غبار المدن كي يلطخ وجوههم والقاذروات كلها تقترن بهم. سيرسبون في الانحراف كالضائعين، سيسببون الخوف كالمصابين بالطاعون لو أن العالم يشعر بثقل العذاب لكان جعل الفقراء تاجاً من ورد فوق جبينه. لأن الفقراء طهارة الحجر وبراءة البهيمة العمياء التي ولدت لتوها، وفي بساطتهم الممتلئة بك، لا يطالبون إلا ببقائهم فقراء كما هم في الحقيقة... لأن الفقر نور كبير في أعماق القلب... أنت الفقير المجرّد من كل شيء، أنت الحجر الذي يتدحرج من دون أن يجد الراحة، أنت الأجذم القبيح، الذي نشيح عنه والذي يطوف حول المدن بجلجله، كالريح لا تملك مكانا وجمالك... يخفي عريك بشكل رديء حتى الثياب التي يرتديها يتيم طوال الأسبوع، أكثربذخا لأنها ملكه، على الأقل... أنت فقير كحاجة طفل إلى أن يولد من فتاة خجلة من أن تصبح أماً تشد على بطنها بغية أن تخنق الحياة الأخرى التي تحملها والتي ترتعش فيها. أنت فقير كمطر ربيعي يهطل بنعومة على أسطح المدينة كأمنية وحيدة عزيزة على قلب سجين في عتمة زنزانته، لا خارج العالم أبداً. أنت فقير مثل المرضى الذين يستديرون في الليل بلا توقف، سعداء تقريباً كالورود بين سكة الحديد الحزينة جداً، في هواء السفريات الغامض وكاليد التي تصعد إلى العيون لتخفي الدموع الحزينة جداً... ما هذه العصافير التي ترتجف كلها امامك ما الكلب الجائع أمامك؟ ماذا يعني لك الحزن الطويل والصامت للبهائم الأسيرة المهجورة من الجميع، أمامك وأمام بؤسك من هم أولئك الفقراء في ملاجئ الليل؟ ان كانوا أحجارا حقيرة فهم كحجر رحى الطاحون، يعطون خبزاً قليلاً... لكنك حقاً، الفقير، المجرد من كل شيء، الشحاذ الذي يخفي وجهه، نور الفقر الكبير الذي يبدو الذهب كابياً بجانبه. أنت منفي، ليس لديك وطن ما من مكان، في الأسفل، هنا، مكانك. تسحقنا هامتك، و أنت كبير جداً علينا تنبح في الريح إنت مثل قيثار تُقصّف كل يد تمسّ أوتاره. أنت العارف كل شيء و منك العلم اللانهائي، يولد من وفرة الفقر، لا تجعل الفقراء مسحوقين دائماً، حرِّرهم من الاحتقار الثقيل المعلّق في خطواتهم. تتسكع حياة الآخرين هائمة وتطفو في جميع الاتجاهات؛ ووحدهم يتجذرون في التراب كالأشجار. انظر إليهم جيداً: مَن يستطيع أن يحاكيهم، تقودهم خطواتهم الى حيث تنبت الريح، يرتاحون كما لو أنهم يقفون في يد؛ وفي عيونهم، ينعكس ظل المراعي المقدس حيث يهطل مطر صيفي قليل. الفقراء صامتون كالأشياء أيضاً، وحين يستقبلهم ملاذ على صدفة الدروب يأخذون مكاناً بتواضع، مثل وجوه أليفة ويمتزجون بظلال الديكور الملتبس، وينتحون في النسيان مثل أدوات مهملة. يشبهون أولئك الذين يحفظون الخير الذي لم يشاهدوه قط بعيونهم، يهيمون، طوف تائه فوق لجج ومثل شراشف الكتان المنشورة في المراعي يرقدون بلا مقاومة، متروكين للريح يعانون من هذا الألم الوحيد والكبير الذي لم يصنع الإنسان منه سوى أوهام دنيئة؛ ويتقبّلون وجودهم بحب عظيم، أكان من نعومة العشب أم من استمرارية الحجر يذهبون في الفضاء الذي تحتضنه نظرتك مثلما تنتقل الأيدي على أوتار القيثار أنقذهم فقط من خطيئة المدن الكبرى حيث يثقل عليهم الكره والارتباك. لا تفكّر المدن الكبيرة إلا بنفسها وتقود الجميع في تهورها المفترس تقصف حياة البهائم مثل الحطب الميت، وتستهلك شعوباً كاملة عبر عذابهم حيث يتيه الرجال المسخرون للعلم الخاطئ بما أنهم أضاعوا إيقاع الحياة ولأنهم يذهبون بسرعة قصوى نحو صخب وهمي حاسبين أنهم يتقدمون رغمزحفهم كالبزاق يتباهون بوقاحتهم كفتيات ويسكرون على صوت المعدن والزجاج يلاحقون من دون توقف سراباً يهجسون به سرابا يدفعهم خارج أنفسهم يهيمن الذهب بطغيان ويستهلك قواهم كلها ولا يتمادون في اضطراربهم العقيم إلا تحت سوط الكحول والسموم الأخرى يتألم الفقراء، خاضعين لهذا النير يرهقهم كل ما يشاهدونه يشعرون على جلدهم برعشات الحرارة ويهيمون في الليل مثل أرواح متألمة. مرميون مع فضلات المدن كلها يثيرون الاشمئزاز كجيفة ممددة في الشمس في صدفة الشارع، يشتمهم الجميع وينفر منهم: خضاب الفتيات الصفيق وضجيج السيارات الباهر لئن كان لا يزال هناك صوت يدافع عنهم اجعله يصدح عالياً، يا إلهي، لنسمعه. أين هو إذاً ذلك الذي يعرف كيف يسحب قوته من الفقر الكبير لما بعد الزمن وبعيدا عن كل تملّك ذاك الذي يجرؤ على خلع ثيابه في الساحة العامة وعلى السير عارياً في حقارة الأسقف؟ أين المعشوق من بين الرجال الأخ، ذو القدمين العاريتين كبهائم الحقول، الذي يعرف كيف يرى الأبدية في كل شيء، ليس قط كهؤلاء الرجال المشلولين من التعب الذين يرون الأمل يبتعد عنهم تدريجاً يذهب في الحقول، متحدثاً عن الورود نتحدث إخوة يتحدث عنه وعما يراه كي يستطيع كل واحد مشاركته فرحته قلبه المضيء يسيل بلا حدود وما من شيء حقير في سبيل حبه يجيء من النور ويرحل صوب نور أكبر صومعته ملأى بالبهجة الى أين رحل كائن الضوء، هالة الحب؟ ولماذا ليس للفقراء سوى أملهم كي يقودهم ألم يعودوا يرون في البعيد، مصباحهم في الليل ألن ينهض هو في غسقهم نجمة المساء في الفقر الكبير. ترجمة / إسكندر حبش