As Safir Logo
المصدر:

ولادة بلا مفاجأة أم توطيد للرباط ؟ الصورة الصوتية وعلاقة الأم مع الجنين

لايكوغرافي علاقة شفهية
الصورة عن مجلة تايم
المؤلف: طفيلي فادي التاريخ: 1999-06-15 رقم العدد:8321

كنت في السابق أقول، انني احكي مع الجنين بطريقة ما، واقيم علاقة معه؛ الا ان الفكرة كانت مختلفة عما هي الآن. كانت اكثر ضبابية؛ تقول نور (حامل في شهرها السابع)؛ علاقة غير واضحة مع شيء مجهول تماما، وغير مفهوم. حياة في داخلي، أشعر بها، من دون ان أستطيع تركيب ملامح لها او منطق او اسم. علاقة جديدة الآن، تضيف نور، بعد صورة »الايكو« (Echographie) التي اجريتها، باتت العلاقة اكثر وضوحا وفهما. إنها علاقة حقيقية مع ابنتي »مرام« التي ستولد بعد شهرين والتي تتحرك وأشعر بحركتها وأفهمها. بت املك صورة اوضح لتلك الحركة في ذاكرتي، عاينت بعض ملامحها ولو بصورة ضبابية، على الشاشة. يبدو ان شيئا اضيف الى علاقة الام مع جنينها. كأن هناك صورة باتت تتبلور وتحضر بعد معرفة جنس الجنين. وتضفي الصورة بعدا جسديا وماديا ودمويا له، كونه ما زال فكرة؛ فيحضر بملامح اكثر حياة ربما. أحاسيس جديدة تداخلها الصورة التي تكونها الاجزاء المرتدة من الارسالات الصوتية عن مسطح جسم الانسان، والتي ترسم تلك الصورة. وبالرغم من التفسير العلمي الخالص، تبدو الصورة وكأنها سبر لعتمة الجسد، لدواخله، حيث يكون الجسد في ذلك الداخل، فكرة وعالما خاصا، ويضم حيوات اخرى في حال حمل المرأة. »هكذا اكتسب جسم الام استقلالية وسيادة مطلقتين« يقول ميلان كونديرا في روايته »الحياة هي في مكان آخر«. »لقد وفر له البطن، الذي يكبر ويتسع، ذخيرة فخر متزايد على الدوام«. المهمة الأصلية يقول د. وسيم محمود (المشرف على قسم الاشعة في مستشفى حيفا) ان التصوير الايكوغرافي هو علم حديث نسبيا، وجد لتشخيص امراض كثيرة. إلا انه مكن لمعرفة جنس الجنين ومراقبته. برز التصوير الايكوغرافي في العقدين الاخيرين وبات يؤدي دورا مساعدا ومهما في بعض المجالات الطبية، كالطب النسائي وجراحة الغدد والقلب وغيرها. يعطي الايكوغرافي معلومات عالية الدقة ويتيح امكانية التشخيص الدقيق لكثير من الامراض العضوية، كالاورام على انواعها والتكيسيات والحصوات المرارية والكلوية. ويعطي التصوير الايكوغرافي معلومات واسعة عن وضع الجنين، بما فيه اعضاؤه الداخلية ويمكن بواسطته تشخيص الكثير من الامراض الخلقية قبل الولادة. وبواسطة الايكوغراف يمكن تحديد: عدد الاجنة. عدد ضربات القلب ونشاطه ودراسة وضعه وحركة الجنين. الخلاصة (المشيمة) والتغيرات المختلفة فيها. تموضع الجنين. الكثير من الامراض الخلقية. قياس كمية السوائل داخل كيس الجنين. تخمين عمر الجنين داخل بطن امه... وغيرها. أما المعلومة الابرز للآباء والامهات فهي تلك التي تحدد الجنس. إنها المعلومة المرتبطة بعضو الجنين الجنسي، ذكرا ام انثى. وهي التي تمد خيوطا جديدة بين الام وبين جنينها وترسم ملامح علاقة جديدة بين الام وزوجها. ولادة بلا مفاجأة تقول مريم (حامل في شهرها الثالث) انها تنتظر بفارغ الصبر، الوقت الذي تستطيع فيه الصورة تحديد جنس مولودها الاول المنتظر، وانها بمثابة الولادة بالنسبة لها. بعدها يصبح جنينها موجودا وحاضرا باسمه وثيابه واغراضه، وتصبح الولادة امرا عاديا بلا مفاجأة. »مجرد بعض الألم ليخرج هاني الى الضوء«. ولا تخفي مريم توقها لإنجاب صبي، كونه كما تفترض، سيحمل صفات منها، انما بصورة معاكسة ومختلفة تماما، وهذا ما تحب ان تراه. صفات منها في قالب آخر، في طباع اخرى وفي جسد آخر. قد يكون في هذا بعض انانية تجاه زوجها الذي يفضل البنت للاسباب عينها، تقول مريم، لكنها لا تستطيع اخفاء مشاعرها الحقيقية. المشاعر المختلفة لاحتمالي الانثى والذكر، تبدو كأنها الغاية الاولى في اجراء صورة الايكوغرافي. »معظم الحوامل يرغبن في اجرائها« يقول د. وسيم محمود وهن مفرطي الحساسية تجاه الموضوع، مما يجعل الطبيب شبه عاجز عن اقناعهن في عدم اجرائها اذا لاحظ جوا معينا وغير مريح ينتج عن معرفة الجنس. الصورة الصوتية باتت متوفرة في كل مكان وفي متناول معظم الشرائح ولو لمرة واحدة على الأقل. فبدل اجراء الصورة في مستشفى حيفا شبه المجاني يتراوح بين 25 ألفا و30 ألفا، اما في مستشفيات اخرى فيتراوح بين 80 ألفا و200 ألف ليرة. ويتابع د. محمود ان الصورة، التي يتوجب اجراؤها ثلاث مرات لمتابعة وضع الجنين ووالدته الصحي، باتت تجرى مرة واحدة في الشهر السادس او السابع من الحمل حيث يمكن ملاحظة عضو الجنين الجنسي. تمييز جنسي خفي ينعكس تحديد جنس الجنين الأنثى سلبا عند بعض النساء، يقول د. محمود وهذا متفاوت ونسبي. فهناك طبائع معينة لبعض النساء خاضعة لمفاهيم تقليدية موروثة وتمييزية او انهن خاضعات لرغبات ازواجهن، ويخفن من عدم تحقيق تلك الرغبات. كما ان بعض الحوامل يتعرضن للاهمال المتعمد عندما يكتشف جنس حملهن الذي يعاكس رغبات ازواجهن الذكورية المفرطة. فيتعرضن لسوء الرعاية وتجبر بعضهن على التخلص من أجنتهن بسبب ذلك الحمل »المهين« (في بعض المناطق والبلدان). في ذلك مخاطر نفسية وجسدية كبيرة يقول د. محمود. اذ ان هناك علاقة بين الوضع النفسي والنظام الهرموني في الجسم. وللمرأة الحامل نظام هرموني يختلف عن المرأة غير الحامل. وحتى لو لم تظهر امرأة ما عدم رضاها عن جنس الجنين الذي تحمله، او حتى ان لم يظهر بعض الازواج ردات فعل معينة للعلن، فإن ذلك سيكون له تأثير على نظام الحامل الهرموني وسيظهر ذلك بطريقة او بأخرى. وهناك دراسات تجرى في معاهد اوروبية وعالمية حول الموضوع. حساسية الامومة، والعامل النفسي، وانتشار اجهزة الايكوغرافي وتداخل عمليات مراقبة الجنين وجسم الام بمعرفة جنسه، وغيرها من العوامل، تجتمع لتحول دون اقرار القانون المقترح بمنع تحديد الجنس قبل الولادة. أرى، يقول د. محمود، وفي حال لم يطبق القانون ابدا، انه يجب على الأطباء التوصل الى الفصل بين التركيز على الوضع الصحي للجنين والمرأة الحامل وبين الاعلان عن جنس الجنين وابقاء هذه المعلومات للطبيب، ريثما تتم الولادة. فالموضوع ما زال مرتبطا بكثير من التعقيدات الاجتماعية وبعض القيم التي ما زالت سائدة ولو في الخفاء. تعقيدات اساسية تبدأ من فكرة الانجاب نفسها التي ما زالت عند البعض ترتبط ببعض تعريفات »الرجولة« و»الفحولة« وتوحي بها. غرق عماد (متزوج منذ سبع سنوات) في ازمة نفسية حادة، حولت حياته الى قلق دائم بعد ان تزوج. بقي عماد لسنوات من دون ان ينجب طفلا. وعندما حبلت زوجته في العام الماضي وأنجبت تغير كل شيء، وانفرجت أساريره، حتى انه »احتفل بالبنت التي أنجبها« على حد تعبيره. تبقى فكرة معرفة جنس الجنين وما يرافقها من أحاسيس وكأنها على علاقة بالام اكثر منها بالأب. المرأة تحيا هذا الهاجس منذ البداية، منذ صغرها وهي في تمرن دائم على الامومة، حتى في اللعب الاول ومرورا بباقي مراحل حياتها. الأب البعيد الأب، والشاب خصوصا، يبقى بعيدا عن فكرة ان يكون أبا او حتى زوجا لفترة طويلة من الوقت، ريثما يتعود. فهو يتعلم هذا ويكتسبه اكتسابا. ولهذا يشعر جاك ان احساس الزوج بحمل زوجته يكون بعيدا. فهو لا يفهم العلاقة بينها وبين جنينها ولا يشاركها في احاسيسها الخاصة جدا. هنا يحضر كلام كونديرا مرة اخرى عن »الاستقلالية« و»السيادة« المطلقتين لجسد الام الحامل. يقول جاك ان صورة الايكوغرافي هي مجرد بث شفهي، غير مرئي لوضع الجنين في بطن امه. »إنك لا ترى شيئا او ملامح، انك فقط تسمع أقوال الطبيب وتبني عليها تصوراتك«. حياة الجنين بالنسبة للأب لا ترتبط الا بالام، انها تمر عبرها. »انك لا تشعر به تماما«، يقول جاك، »سوى ببطن الام التي تكبر«. الفرحة بصورة الايكوغراف التي اجرتها زوجتي، يقول جاك، كانت لأن نتيجتها فتاة، وكنت أنتظرها. لكن هذا، يضيف جاك، لم يقم علاقة حسية او صورية معها. ما أتخيله عنها ما زال كما كان قبل الصورة. وكنت اذا حلمت بموضوع احلم ببنت دائما. فادي طفيلي

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة