في شهر شباط 1999، عقد في مدينة قرطاجنة الكولومبية مؤتمر دولي للأمن البيولوجي (Biosalety)، برعاية الامم المتحدة، وضم خبراء من 174 دولة. سعى المؤتمر الى التوصل الى صياغة اتفاق حول موضوع التنوع البيولوجي والتجارة المتصلة به؛ خصوصا في مجال المنتجات النباتية مثل البندورة والقطن والحبوب والاشجار. لكن احداث المؤتمر شهدت تطورا »دراماتيكيا«. وتحولت المحادثات حول الامن البيولوجي، الى »صراع امم حول التجارة العالمية«، بحسب تعبير ماريو رودريغيز، مدير احدى شركات البذور المعدلة جينيا في الارجنتين. دارت المفاوضات بين اختصاصيين في البيولوجيا؛ وجاءت امتدادا للاتفاقية الدولية حول التنوع البيولوجي (Biodiversity) التي صيغت في »قمة الأرض« التي انعقدت في مدينة الريو البرازيلية العام 1992. قرطاجنة: الامبريالية الجينية! تحول المؤتمر الى ما يشبه المواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها (كندا واستراليا ونيوزيلندة والاوروغواي والتشيلي والارجنتين) من جهة وبين معسكر واسع ضم بقية دول العالم مثل الهند والصين والدول الافريقية ومعظم دول اوروبا الغربية والمنطقة العربية وآسيا. وبدا الاستقطاب الحاد وكأنه تحقيق »لنبوءة« متشائمة أطلقها بعض الايكولوجيين؛ مثل اندرو كيمبريل والذي يترأس مركزا دوليا لتقييم التقنية في واشنطن. تقول النبوءة بإمكانية ان تكون الحرب العالمية المقبلة هي »حرب جينات« بين الدول الصناعية التي تستخدم العلم والتقنية لامتلاك الجينات وقدراتها، وبين الدول النامية التي تحتوي اراضيها على ثمانين بالمائة من الانواع الحية اي معظم الكم الجيني المكون لظاهرة الحياة على الأرض. وفي هذا العمق، لم تقتصر اجواء المجابهة على قاعة المحادثات الجينية. نظم انصار الطبيعة والبيئة وحركة »غرينبيس« مظاهرات صاخبة. دوت في هدوء قرطاجنة المطلة على البحر الكاريبي، شعارات مثل »الامبريالية الجينية« (Genetic Imperialism)، وقصد بها التنديد بالموقف الاميركي الذي حال دون التوصل الى بروتوكول حول الامن البيولوجي. دافعت مليندا كامبل، رئيسة الوفد الاميركي، بأن بلادها تسعى الى الموازنة بين الخطر على صحة الكائنات الحية وبين حرية التجارة والاستثمار. لكن ناشطي حركة »غرينبيس«، مثل لويس غايل، فندوا الذرائع الاميركية ونبهوا الى ان الكونغرس لم يقرأ أبدا اتفاقية الريو حول التنوع البيولوجي على الرغم من مرور سبع سنوات عليها. انتهى مؤتمر قرطاجنة الى تسوية قلقة، اذ أقر مندوبو كل الدول صيغة بروتوكول اولي حول الامن البيولوجي؛ لكن الولايات المتحدة وقفت وحيدة في امتناعها عن اقراره (...). الأرجح ان الموقف الاميركي في مؤتمر قرطاجنة عبر عن وقائع الاقتصاد في سوق الاطعمة المعدلة جينيا. وتقدر القيمة الاجمالية لتلك المنتجات المعدلة يصل الى مائة مليار دولار؛ وان السوق المتوسعة ربما وصلت الى نحو ثلاثمئة مليار دولار قبل حلول العام 2005. هذه السوق المهولة هي في قبضة حفنة صغيرة جدا من الشركات الغربية العملاقة، وفي مقدمتها شركة »مونسانتو« الاميركية؛ و»نوفارتيس« السويسرية (التي نتجت عن اندماج شركتي »سيباجيجي« مع »ساندوز« للأدوية ومستحضرات التجميل)؛ و»أغريفو« الألمانية. كذلك فإن الولايات المتحدة هي أكبر مصنع ومنتج لهذه الاطعمة. ويقدر ان 32 في المئة من الذرة و38 في المئة من فول الصويا تنتجها السوق الاميركية من بذور معدلة جينيا. تقف القارة الاوروبية وكأنها على طرف نقيض مع دول شمالي اميركا؛ في موضوع الاطعمة المعدلة. يبدي المستهلك الاوروبي العادي حذرا كبيرا تجاه المنتجات المعدلة جينيا، لكن حفنة منها نجحت في »التسلل« الى الاسواق. يزيد الحذر حوادث مثل مرض جنون البقر وفضيحة البيض والدجاج البلجيكي وغيرها، على الرغم من انها ناجمة عن اسباب اخرى غير التعديل الجيني. وفي الموقف التشريعي، يظهر التناقض عينه. ففيما لم تقر المفوضية الاوروبية سوى ثلاثة منتجات معدلة، شرع الكونغرس لعشرات منها. واستطرادا، فإن ذلك هو عكس الموقف من البيئة وحمايتها، حيث اوروبا متحمسة لقوانين حماية التنوع البيولوجي في الأرض، والكونغرس ممتنع عن إقرار الاتفاقيات بصددها. لكن موضوعي التنوع البيولوجي والمنتجات المعدلة جينيا، ليسا منفصلين، والاحرى انها على شدة من تداخل فكأنهما وجهان لعملة واحدة. قرصنة الطبيعة وملكيتها »من يسطو على الكائن الحي؟«، تحت هذا العنوان المرعب عالجت صحيفة »لوموند ديبلوماتيك« الفرنسية موضوع براءة اختراع بذور »تيرميناتور« والتي حازت عليها شركة »مونسانتو« الاميركية. (أنظر الرسم: حبوب الانتحار، تيرميناتور). قصدت الصحيفة بكلمة »الكائن الحي« كل ما هو ذي حياة على سطح الأرض. ولعل واحدة من أعمق المخاوف حول المنتجات المعدلة تتصل مع التهديد الذي تحمله بعضها، كمثل بذور تيرميناتور؛ الى ظاهرة التنوع البيولوجي، وهي في اصل استمرار الحياة بكافة اشكالها وانواعها على سطح الأرض. لذا لم يكن غريبا ان يشهد مؤتمر قرطاجنة؛ في مستعر نقاشاته، سيلا من اوصاف مثل »القرصنة الجينية« او »سرقة الطبيعة«، في الاشارة الى افعال شركات المنتجات المعدلة جينيا مثل »مونسانتو« و»نوفارتيس« وغيرها. تعد تلك الشركات ب »منتجات سحرية« مثل حبوب ذرة فيها أدوية وقرون موز تضم لقاحات وتفاح لعلاج الأمراض العصبية ... الخ. الأرجح ان احدا لا يعترض على وعود كهذه؛ لكن هنالك من ينبه الى ضرورة تتبع الوقائع التي تتحقق على الأرض. وكذلك ملاحظة ان الحوافز الفعلية هي الربح والاحتكار. أول الاعتراضات هو حول الطابع »التجريبي« للمنتجات المعدلة؛ لكنها تجارب تمارس على البشر والطبيعة. قامت احدى الشركات بنقل جين من السمك الذي يعيش بالقرب من القطب الشمالي، وزرعتها في حبوب البندورة لإعطائها خاصية مقاومة البرد. وصف بيتر رايلي، الذي يعمل في الفرع الانكليزي »أصدقاء اللأرض«؛ هذه الفعلة ب »فرانكنشتاين« الأغذية. ومن بديهيات البيولوجيا، ان كل الكائنات الحية، تتشارك في وجود سلاسل ال »د.ن.أ.« (DNA) اي »الحامض الريبوزي النووي الناقص الاوكسجين« في بنية كروموزماتها وتركيبها الوراثي. الوضع الحالي للأنواع الحية؛ ويقدر عدد المكتشف منها بحوالى مليون ونصف نوع؛ هو نتيجة تداخل وتفاعل تم عبر آلاف بل ومئات آلاف السنوات. حتى الانواع الهجينة ليست شأنا سهلا. فكلاب »البوديل« المهجنة يرجع عمرها الى مائة ألف سنة؛ اي ما يقارب عمر الجنس البشري نفسه!! الأمر نفسه ينطبق على عدد كبير من الحيوانات والنباتات. لكن من يضمن ان التهجين المفاجئ يناسب الانواع الحية؟ من يضمن ان استهلاك الأطعمة المعدلة جينيا، في الوضع الراهن، لن يولد امراضا او سرطانات؟ يعبر هيربرت كيرش، من نقابات المزارعين في سويسرا، عن الأمر بقوله: »لطالما قال لنا العلماء ان استعمال الأعلاف ذات المصدر الحيواني ليس ضارا«، ثم تبين انها تنقل مرض جنون البقر. أما ما تفعله شركة »مونسانتو«، مع حبوب »تيرميناتور«، فإنه نقل التهجين الى حدود الفناء. ويرسم بعض العلماء سيناريو ابوكاليسبي الطابع، حيث تنقل الريح موجة من طلع نباتات معدلة استنبتت من حبوب »تيرميناتور«، وتختلط مع ما يجاورها من سهول لتموت عند نهاية الموسم؟ الأنكى ان مونسانتو، التي لا تنفي هذه الامكانية؛ تفرض حبوبها عبر حقوق الملكية الفكرية وبإصدار براءة اختراع للحبوب. فهل يتحول الانسان، بل والطبيعة نفسها، الى موضع لحيازات ملكية فكرية ولاحتكار براءات الاختراع؟ من أعطى »مونسانتو«، او غيرها، كل هذه السطوة، وعبر علوم ما زالت ناقصة وبعيدة عن حل كافة مسائل وألغاز الجينات؟ أحمد مغربي