صبية قابعة في صدر المنزل تبكي زوجها الذي فقدته قبل الأوان وتندب مصابها الذي لم يكن بالحسبان، فالخبر وقع وقع الصاعقة عليها »هيدا اللي طلعلوا من التعب وسهر الليالي قتلوه بعز شبابو، ولادو بعدن صغار ومحتاجين له، وأنا...« تغص الكلمة في حلقها وتخنقها دموع لم تتوقف عن الانسياب لحظة واحدة. زوجة القاضي عماد شهاب التي لم تكن تعرف انها مع إطلالة هذا النهار ستفقد شريك حياتها دون أي إنذار. »راح غدر، وِرْمت إيدو من كِتر الكتابة والشغل وصارت ترجف وهلق وينو راح..«. الكلمات كانت تخرج من فمها صراخا يعبّر عن حسرتها ويختصر الكثير مما يختلج في قلبها المجروح ولم يفلح من حولها في التخفيف عنها. ضاق المنزل بالمعزين الذين أحاطوا بالزوجة المفجوعة والعائلة والأصدقاء، فالمأساة البشعة حوَّلت منزل القاضي المرحوم عماد شهاب في رأس النبع، مقصدا للمحبين والمعارف الذين تقاطروا من كل الجهات لمواساة العائلة بمصابها الأليم. ولم يتوقف الهاتف في المنزل عن الرنين »العوض بسلامتكن«، »العمر إلكن« وكلمات فيها من الإحساس والمشاركة بالمعاناة الكثير الكثير. الوالدة، الأختان شعاع ورندة والأولاد عمر وفؤاد والأقارب والأصدقاء كلهم لم يصدقوا الخبر، اهتزت العائلة كما اهتز البلد كله فبكى الجيران ومن لم يعرفه بكى أيضا، وفي الشارع عند السؤال عن منزله تجد صاحب الدكان حزينا كحزن العائلة »كان ابن حلال وآدمي«. منزل الفقيد في شارع عمر بن الخطاب مواجه لمنزل والده فؤاد شهاب والمصيبة التي ألمت بالعائلة أثرت في المحيط كله، وكما غص منزل الفقيد لم يتوقف المعزون عن التوافد الى منزل الوالد المفجوع بفقدان وحيده الذي كان مفخرته في حياته. »صعب عليّ أن أفقده وهو في عز شبابه« بهذه الكلمات يصف والده المصيبة. رجل جليل جفت دموعه عند سماع الخبر الفجيعة فوقف بصلابة برغم انحناء ظهره يتقبل التعازي ويحاول بلباقة الرد على كلمات المواساة. »الخسارة مش إلنا بس بل للدولة كلها«. هكذا قال لوزير العدل جوزف شاوول عندما سلمه وسام الأرز من رتبة ضابط منحه رئيس الجمهورية العماد إميل لحود لولده القاضي الشهيد. الوزير شاوول زار عند الثامنة مساء منزل والد الفقيد ممثلا رئيس الجمهورية لتقليده وسام الأرز، يرافقه رئيس محكمة التمييز الجزائية عفيف شمس الدين ورئيس معهد الدروس القضائية شبب مقلد. وتحدث الوزير شاوول فقال انه تفقد قصر العدل في صيدا »والحكي ليس كالشوف فوراء قصر العدل هناك موقف سيارات مفتوح دون حراسة، دخلوا منه بسهولة، وهناك نافذة في طرف المحكمة ونافذتان أخريان وراء منصة هيئة المحكمة اصطادوهم منها كأنهم عصافير، خسرنا أربعة من خيرة القضاة في لبنان«. وعن الجناة قال شاوول »يقولون انهم اثنان لكن نحن لن نقول شيئا قبل صدور نتائج التحقيق«. وأكد الوزير شاوول ان رئيس الجمهورية العماد إميل لحود اتصل به مستنكرا ومستفسرا عن تفاصيل ما جرى. وعما إذا كان هناك فارون من المحكمة أشار شاوول الى انه »لم يثبت لنا ذلك والمدعي العام جميل بيرم أجرى تفقدا للمساجين الذين تواجدوا أثناء انعقاد المحكمة ولم يسجل أية حالة هرب«. وعن أسباب الجريمة أشار الى انه لا يمكن تخمين أسبابها والتحقيقات جارية خاصة ان الجناة تركوا أسلحة عليها بصمات وهذا يشكل دليلا. بعد ذلك، قصد الوزير شاوول منزل الفقيد حيث قدم الوسام لزوجته التي لم تكف عن البكاء والصراخ مرددة »ما بدي استلم شي، هيدا إلو، كان لازم هوي يتكرم بحياته ومش بعد موته«، وكلامها ودموعها استفزا مشاعر الحاضرين فبكوا جميعا وترقرقت الدموع في عيني الوزير شاوول أيضا. والقاضي الفقيد عماد فؤاد شهاب من مواليد حاصبيا عام 1950، وحيد بين شقيقتين هما شعاع ورندة. متأهل من منى خالد شهاب وله ولدان فؤاد (17 سنة) وعمر (16 سنة)، مارس مهنة المحاماة قبل ان يتدرج ليصبح قاضيا عام 1992. } يشيع القاضي شهاب عند الواحدة من بعد ظهر اليوم في مسقط رأسه في حاصبيا، بعد أن ينقل جثمانه صباحا من مستشفى حمود في صيدا الى حاصبيا عبر معبر كفرتبنيت. وسيضع قائمقام حاصبيا وليد الغفير الوسام على نعش الفقيد باسم رئيس الجمهورية. عبير جابر