As Safir Logo
المصدر:

مَن يحب »آخر الملائكة«؟

المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 1999-06-08 رقم العدد:8315

لم أجد في البدء سبباً قوياً لقراءة »آخر الملائكة« لفاضل عزاوي. فهو شاعر وأنا أتوجس من الشعراء الذين يتحولون الى روائيين ويخيل إليّ أن سكة الشعر لا تحسن الحرث في أرض الرواية. ما يهم الشعر قد يغدو في الرواية فائضا أو هوسا أو حتى حذلقة، ليس العزاوي من شعرائي المفضلين ولم يجعلني هذا بالطبع أحسن ظناً في روايته ولم ألق بالاً إلى مديح سمعته للرواية، ذلك بأن مَن أسرّوا إليّ به قالوه مساررة وهمسا ولم يكلفوا أنفسهم إعلانه أو كتابته وكأنه لا يعقل ولا يقال جهرا. تأخرت عن قراءة »آخر الملائكة« حتى أعوام قليلة قريبة وأعجبتني كثيرا، لكني أيضا لم أجهر برأيي وكأن حكما نفذ في الرواية وقضاء جرى عليها، ومالي لا أقبل الحكم وكيف لي أن أرد القضاء. هذه رواية لنحبها بالسر ولنعجب بها همسا، وليس عليّ أن أجرح قاعدة لا أعرف كيف وضعت وتفاهما لا أدري كيف تم. نعم رواية »آخر الملائكة« رواية جميلة، وربما جميلة جدا، لكن ما الداعي لقول ذلك. كأن هذه الرواية وحدها لا عنوان لها ولا تصلها رسائل. طلب مني ابني رواية يقرأها فنظرت في مكتبتي واخترت له »آخر الملائكة« ولولا أني وجدتها في طريقي ما كنت تذكرتها فهذه الرواية نظلمها أمام غيرنا ونظلمها في داخلنا وليست وحدها المسألة الوحيدة التي نحملها في ضميرنا كذنب مغفور دائما أو كذنب مباح. من حقنا أن نظلم »آخر الملائكة«، ربما لأن فاضل العزاوي عراقي طائر أو عراقي تائه. انه أيضا بلا عنوان ولا تصل إليه رسائل فلماذا نكلف أنفسنا أن نحب رواية جميلة لمجرد أنها جميلة، ولماذا نكلف أنفسنا ان نحفل بلقية لا ندري لها صاحبا. لو كانت ثمينة لما تركت في عرض الطريق، لو كانت تحفة لما ألقيت بدون اهتمام. أهذا اليوم مآل ما يصنعه العراقيون في المنفى نقرأ كتبهم وكأنها ألقيت من نوافذ القطارات، أو تركت على أبواب السعداء، نقرأهم أو نراهم وكأننا نقرأ ونرى لقطاء لا نعرف لهم أبا ولا اسما. مع ذلك ف »آخر الملائكة«، دون أن يقول أحد ذلك أو يرى نفسه ملزما بأن يقوله، من أجمل الروايات العربية اليوم. وقد قرأتها غير آبه إلا بأن أسرق ساعات من التسلية فأمتعتني فعلا. وردتني قارئا عاديا ينتقل من فصل الى فصل راغبا متشوقا منتظرا. وقد انتظرت بحق وضحكت بحق واندهشت بحق، والحقيقة انني قلما قرأت رواية فانتازيا عربية إلا وشعرت بثقلها وكثافتها، وأحسست انها مريضة المخيلة أو انها بنت المخيلة المتورمة المخنوقة أكثر منها بنت المخيلة الحرة الفسيحة، قلما قرأت رواية فانتازيا عربية وأحسست أن لها مقابلاً وعياراً، و»آخر الملائكة« قد تكون فريدة في كونها رواية فانتازيا ذات مقابل وعيار هو التاريخ العراقي الحديث برمته، والمخيلة تعيده في صور موزونة محسوبة معادلة حقا، وتعيده بسخرية حقيقية قدر ما هي غنية وعميقة. لست الآن في مجال النقد لكنني أخيرا فتحت فمي وقلت انني أستطيع أن أحب على الملأ رواية جميلة لا أعرف عنوان صاحبها. عباس بيضون

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة