صرح الرئيس الاريتري اسياس افورقي مؤخرا الى بعض الصحف الخليجية أثناء زيارة له لدولة قطر، بأن اريتريا تريد ان تكون عضوا في الجامعة العربية، لكنها تريد هذه العضوية لأسباب سياسية!! فماذا يعني الرئيس الاريتري بالعضوية السياسية وما هي الاسباب التي تجعل الحكومة الاريترية تطلب عضوية الجامعة العربية الآن وليس عام 1993 عندما نالت اريتريا استقلالها من أثيوبيا؟ وهل من مصلحة العرب ان تكون اريتريا عضوا في جامعتهم؟ بعد استقلال اريتريا واجه اسياس افورقي في أغلب زيارته للدول العربية سؤالا طالما أثار حفيظته، كان السؤال يدور حول احتمال انضمام اريتريا للجامعة العربية. وفي كل مرة وجه فيها اليه هذا السؤال كان الرئيس الاريتري يرد قائلا (ان اريتريا اذا طلبت عضوية الجامعة العربية فهي لن تفعل ذلك من اجل البحث عن هوية لأرتريا بل ستفعله لأسباب سياسية). وعندما يقول اسياس افورقي الآن بأن العضوية التي تريدها اريتريا في الجامعة العربية هي عضوية سياسية، فهو انما يردد موقفه القديم من دون ان يضيف اليه اي شيء جديد. تعود أصول أغلب الأرتريين الى مهاجرين جاءوا من جنوب الجزيرة العربية قبل الميلاد وقد أشتقت اللغتان التغرينية والتغري والتي يتحدث بهما أغلب السكان في اريتريا من لغة الجئز السبئية. ومنذ الاحتلال العثماني لميناء مصوع الأرتري في القرن السادس عشر ارتبطت اريتريا بروابط ادارية وتجارية وثقافية مع المنطقة العربية وكان الاريتريون يسافرون للدراسة في المدينة المنورة وزبيد وحضرموت والازهر الشريف وأم درمان. كما ادى التداخل السكاني بين اريتريا والسودان وارتباطهما الاداري لسنوات طويلة في ظل الاحتلال التركي الى تأثر الأرتريين بالثقافة العربية في السودان بشكل خاص. وفي العصر الحديث تعززت روابط اريتريا مع العرب الذين أيدوا نضالها الوطني وقدموا له مختلف أشكال الدعم واعتبروه جزءا من نضالهم القومي. لكن الجبهة الشعبية التي تسلمت السلطة بعد استقلال اريتريا تنكرت لتلك الروابط وذهبت بعيدا، عندما وثقت علاقاتها مع اسرائيل على حساب علاقاتها العربية. لقد احتاجت القيادة الأرترية من اجل ادراك اهمية روابط اريتريا العربية، الى ازمة بحجم النزاع مع اثيوبيا، إذ ان هذا النزاع هو الذي دفع بها مؤخرا لتصحيح علاقاتها العربية، وهو التصحيح الذي قد يتوج، كما يستدل من تصريحات الرئيس الأرتري مؤخرا، بانضمام اريتريا الى جامعة الدول العربية. واذا انضمت اريتريا الى الجامعة العربية، فان هذا الانضمام ستكون له تأثيرات ايجابية بالنسبة لأرتريا وللعرب، إذ سيتحول البحر الاحمر الى بحيرة عربية، لن تؤثر على ذلك الإطلالة الاسرائيلية الصغيرة في الجزء الشمالي الشرقي منه ما دامت اريتريا قد أدركت، ان علاقاتها مع اسرائيل لن توفر لها متطلبات أمنها الوطني. وسيعوض هذا الانضمام اريتريا عن الخسارة الاقتصادية التي تسبب فيها نزاعها مع أثيوبيا. يقال ان طلب العضوية في الجامعة العربية الذي تقدمت به اريتريا انما قدمته بنصيحة من بعض العرب المتعاطفين مع حكومتها، ويقال ايضا ان بعض الدول العربية تتحفظ على هذا الطلب، فأين هي المصلحة العربية؟ هل هي في قبول الطلب الأرتري أم في رفضه؟ تشكل اريتريا امتدادا جغرافيا وحضاريا للمنطقة العربية وهي تحتل موقعا استراتيجيا فريدا، فموقعها بالقرب من باب المندب يجعلها مهمة لتجارة دول الخليج مع أوروبا، كما ان محاذاة شواطئها للعربية السعودية واليمن يجعلها مهمة لأمن هذين البلدين العربيين، وهي ترتبط بحدود برية طويلة مع السودان وجيبوتي، ولأرتريا اهمية اخرى بالنسبة للعرب، تكتسبها من كونها احدى دول حوض النيل، ولكونها تمثل جسرا بينهم وبين جارتهم أثيوبيا وهي تعد نقطة التقاء حضاري بين الحضارة العربية الاسلامية والحضارة الحبشية المسيحية. المشكلة في طلب اريتريا الانضمام الى الجامعة العربية تكمن في نوعية العضوية التي تريدها القيادة الاريترية، فهي تريد ان تجعل من انضمامها للجامعة العربية مجرد التزام سياسي، لا تترتب عليه اي مراجعات لمشروعها الثقافي في الداخل والذي يقوم على أساس رفض الاعتراف باللغة العربية كلغة رسمية في الدولة الاريترية والإصرار على ان يكون التعليم باللغات المحلية غير المكتوبة وفقط، من دون العربية التي يرغبها أغلب السكان والتي تعبر عن انتماء الأريتريين للثقافة العربية. ان المصلحتين العربية والأريترية تستدعيان قبول الطلب الاريتري، لكن ومن أجل ان تكون عضوية اريتريا خطوة في اتجاه معالجة اسباب القطيعة التي افتعلتها القيادة الأرترية في الماضي مع العرب، فلا بد لهذه العضوية ان تعبر عن روابط الطرفين وان تخدم ترقيتها، لا ان تتأسس على الحساسيات التي لقيادة الجبهة الشعبية تجاه العرب والعروبة، فالجامعة العربية ليست رابطة سياسية وفقط، بل هي رابطة ثقافية ووجدانية ايضا، فاذا كانت اريتريا راغبة في الانضمام اليها، عليها ان تقر بانتمائها العربي وهو ما يتطلب اعتمادها للغة العربية، لغة رسمية لها من دون ان يعني هذا، مطالبتها بالتخلي عن لغاتها المحلية. اما اذا قبلت اريتريا في الجامعة العربية من دون ان تؤكد على انتمائها الثقافي العربي، فان الجامعة ستتحول الى منظمة اقليمية بالمعنى الجغرافي للكلمة، وستكون عضوية اريتريا فيها اول تطبيق عملي لنظرية الشرق اوسطية التي روج لها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيريز. ياسين محمد عبدالله