As Safir Logo
المصدر:

دانيل كوهين بنديت: من اليسار إلى اليمين والاستعراض واحد

مشهد تصويري لدانيل كوهين بنديت في مواجهةالشرطة الفرنسية
المؤلف: الاتاسي محمد علي/منيف ياسر التاريخ: 1999-06-03 رقم العدد:8311

لا شيء يشبه الحي اللاتيني أكثر من دانيل كوهين بنديت. فكما بدل الأول شكله وسكانه ودلالاته وأبقى على بعض الحنين الرومانسي للبدايات، تشجيعا للاستهلاك السياحي الذي لا يرى في الحدث المؤسس الا قشوره، كذلك فعل الثاني بما ورثه من رصيد يفترضه البعض ثوريا. فدانيل العائد الى عالم السياسة الفرنسية من بابه الواسع بترؤسه لقائمة حزب الخضر الفرنسي للانتخابات البرلمانية الأوروبية، لا يملك من جديد يطرحه في سوق المزايدات السياسية غير شخصيته الاستعراضية. اما الخطاب السياسي المغاير والبرامج الانتخابية البديلة للمشروع النيوليبرالي السائد، فلا تدخل في دائرة اهتمامات »الثورجي العجوز«. يتساءل الكثيرون اليوم كيف انتهى من اعتبره البعض »رمزا« لأيار 1968 بأن يكون احد اشرس المدافعين عن اليوتوبيا النيوليبرالية الجديدة الداعية لتفكيك دولة المصلحة العامة وتقليص الخدمات الاجتماعية التي تقدمها وتخصيص معظم شركاتها الوطنية؟ والاجابة عن هكذا سؤال تقتضي العودة قليلا الى الوراء ومحاولة إعادة طرحه بأسلوب مغاير. كأن نسأل مثلا ما الذي حصل كي يصبح ذلك الشاب، من دون غيره، في نظر العديد من الناس ممثلا لثورة العام 1968؟ وما هي حقيقة دوره ومشاركته في احداث ايار من ذلك العام؟ الثورة وصناعة النجوم وراء مسلسل الاحداث التي توالت تباعا وباتت معروفة بمعظمها، ابتداء من القلاقل في جامعة »نانتير« التي تسببت بإغلاقها، الى ليلة المتاريس في الحي اللاتيني، الى احتلال السوربون من قبل الطلبة، الى الاضراب العمالي الشامل واحتلال المصانع، الى المسيرات الطلابية والعمالية الضخمة، الى منع كوهين بنديت من دخول الأراضي الفرنسية وعودته اليها سرا، الى سفر الجنرال ديغول الى المانيا مترددا وعودته منها عاقدا العزم على البقاء في السلطة، الى مفاوضات النقابات العمالية مع الحكومة وصولا لاتفاق »غرونيل«. وراء هذا كله، يبقى هناك تاريخ مغاير ومعقد لبنى اجتماعية راحت تشيخ ولأفكار جديدة بدأت تتبلور ولجهود مضنية ونضالات يومية كانت تبذلها مجموعات طلابية وثورية لتبديل الاوضاع وتهيئة المناخ لما سيكون عليه شهر أيار. إذا كانت القصة الحقيقية (ان وجدت) لأحداث أيار 1968 تظل متروكة لكتب التاريخ وأبحاثه، فإننا سنحاول هنا ان نركز على احد جوانبها المنسية، لكونه يعنينا في فهم كيفية صناعة نجم »داني الأحمر« في ذلك الزمن، بل وما يجري له حاليا من إعادة تأهيل وتلميع ليسطع من جديد. لكن في سماء النيوليبرالية. لا يمكن ان نعي المكانة الحقيقية لدانيل كوهين بنديت خلال احداث أيار، بمعزل عن الدور الذي لعبته صورته الاعلامية. تلك الصورة التي ولدت من التقاء عاملين اثنين: شخصيته الاستعراضية بسعيها نحو الإثارة والشهرة، وبحث وسائل الاعلام في ذلك الزمن (وفي كل زمن) عن »بطل« وهمي يكون قادرا على التجاوب مع رؤيتها الجزئية والمجتزئة لطبيعة الحدث. وحتى لا نبدو متحاملين على الشخصية فاننا سنورد بعض الوقائع المستندة الى كتابه »البازار الكبير« الصادر في العام 1975 والذي أراد له ان يكون نوعا من النقد الذاتي لقصته مع ثورة الطلاب. فالشاب اليافع الذي جاء من المانيا الى باريس لدراسة السوسيولوجيا، والبالغ من العمر 23 ربيعا في ذلك العام (1968)، لم يكن يملك من المتاع الفكري او التجربة النضالية ما يؤهله للعب دور قيادي في الحركة الطلابية ومنظماتها المنتشرة والمتفرعة في كل مكان. لكنه كان يتمتع بموهبة التمثيل ويحب المسرح الذي طالما مارسه خلال حياته المدرسية في المانيا، والذي من دونه، كما يقول، لا يمكن فهم دوره في أيار 1968. بل أن ظهوره على شاشة التلفزة كان بالنسبة اليه بمثابة الظهور على »خشبة المسرح من دون أن يضطر للعب دور محدد«(1). ويضيف تعقيبا على احد البرامج التلفزيونية التي استضافته في منتصف أيار من تلك السنة: »لقد كنت حقا محظوظا ان امثل شخصيتي ذاتها ولكن من خلال وسيلة اوسع انتشارا: التلفزة، المذياع، الصحف«. منذ بداية الاحداث في »نانتير« وإغلاق جامعتها وحتى وصولها الى السوربون وتفجرها في الحي اللاتيني، و»داني الأحمر« لا يقوم بشيء غير تمثيل دور القائد الثوري لصالح اجهزة الاعلام. لقد اصبح كما يقول هو عن ذاته »آلة للكلام« لا تقوم بشيء سوى توزيع الاحاديث والمقابلات على محطات الراديو والتلفزة، تلك التي لم تعد تريد هي الأخرى ان ترى او تسمع غير نجمها المفضل. والطريف في هذا السياق، انه في ليلة العاشر من أيار الشهيرة التي راحت تتساقط فيها المتاريس تباعا تحت وقع ضربات رجال الشرطة، وبينما كان الطلاب منهمكين بالدفاع عما تبقى منها، كان داني منهمكا هو الآخر اما بالكلام من خلال الميكروفون بجانب المتاريس او باعطاء مقابلات للصحافيين المتواجدين في المكان. خلافا لما يعتقد الكثيرون فإن كوهين بنديت لم يطرد من فرنسا في أواخر شهر أيار، وإنما منع من دخول الأراضي الفرنسية، لأنه كان بالأصل قد غادرها الى برلين لإلقاء محاضرة في جامعتها بعد أن مولت رحلته مجلة »باري ماتش« لقاء اجراء تحقيق مصور عنه في العاصمة الالمانية. اما كيف ترك وراءه رفاقه وهم في صلب المعركة و»السوربون« محتلة من قبلهم والبلاد مشلولة نتيجة الاضراب العام، فلهذا قصة أخرى تتعلق بشخصيته وعدم قدرته على مقاومة الإغراءات، وهذا ما عبر عنه صراحة في كتابه حين قال: »العودة الى برلين كقائد والتكلم في جامعتها... هذه الفكرة اغرتني كثيرا«. وفي ظل مظاهرات طلابية تطالب بعودته، سيدخل النجم الاعلامي فرنسا سرا في نهاية أيار، باحثا من جديد عن أضواء وعدسات بات لا يستطيع العيش بعيدا عنها. وسيظهر مجددا في الحي اللاتيني وعلى مدرجات جامعة »السوربون« المحتلة من الطلاب، لكن ليجد هذه المرة ان الاحزاب والمنظمات التي استخدمته كغطاء في بداية التحرك لم تعد بحاجة اليه الآن. حتى ان اصدقاءه في »حركة 22 آذار« طلبوا منه ان يدعو الاعلاميين الى مؤتمر صحافي يعقده في اليوم التالي، وفي الموعد المحدد حضر الصحافيون ليجدوا مكانه مجموعة من الطلاب تعقد المؤتمر وتقول لهم: »نحن كوهين بنديت«. بعد تجربة العودة الفاشلة هذه، وفي ظل اضمحلال تأثيره الاعلامي وغياب دوره السياسي، سيقرر النجم المهزوم العودة الى المانيا حيث سيوقع هناك على عقد مع دار نشر لتأليف كتاب عن الحركة الطلابية واليسار. كتاب سيستغرق منه اعداده ستة اسابيع وسيتقاضى عليه مبلغا خياليا سمح له بالعيش هنيئا لسنوات عدة. في فرانكفورت سيجرّب داني حياة أكثر تواضعا، وسينشط في اطار مجموعات الخضر الالمانية، لكنه سرعان ما يصبح نائبا لرئيس بلدية فرانكفورت في العام 1989، ومن ثم عضوا في البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر الالماني في العام 1994. مسارح باريس تستعيد نجمها في نهاية هذا القرن، لم يعد كوهين بنديت يرى من السياسة غير ما يسميه جانبها »الممتع«، »المثير« وحتى »الحسي«. وبالتالي فهو يعود لعالم السياسة الفرنسي من بوابة الانتخابات البرلمانية الأوروبية المقبلة، لا ليغير العالم بل ليزيده بشاعة! كيف لا وهو القائل لجنود التحالف إبان حرب الخليج الثانية انه: »يجب عدم استبعاد الموت في سبيل الكويت«. وكيف لا وهو اليوم فيما يخصه شخصيا »غير مستعد لأن يضحي في سبيل أوروبا او في سبيل الخضر الفرنسيين«، بل هو بكل بساطة يطرق باب السياسة لأنه »يحب ذلك«. وما العيب في هذا الأمر إذا كان هو نفسه يقر ب»نرجسيته«! وكيف لا وهو يرى في العملية الانتخابية »مشروع إغراء«!. وإذا كان دانيل كوهين بنديت قد تخلص من إرث ماضيه »الثوري«، فهو لا يزال يطور شخصيته الاستعراضة ويعمق قصة حبه القديمة مع وسائل الاعلام. حيث انه كان السباق بين السياسيين الفرنسيين بمباشرة حملته الدعائية. فبالإضافة الى نشره كتابا جديدا عن حياته وأفكاره، نراه لا ينفك يتنقل بين صفحات الجرائد وشاشات التلفزة، ليردد لنا شعاره القديم الجديد: »كن واقعيا وأطلب المستحيل«. أما المستحيل فهو أن تكون مع »الناتو« والتدخل البري في كوسوفو. وأن تكون مع اقتصاد السوق والخصخصة وأجور أدنى للشباب وجامعات خاصة. »مستحيل« داني هذا، نراه حاضرا وقائما في كل مكان تحت اسم النيوليبرالية. حنكة »القائد الطلابي« السابق واندفاعه يجعلان منه شخصا استثنائيا للغاية وصاحب آراء خاصة. فهو يعتبر في مقابلة مع مجلة »أسبري« أن أكثر اللحظات أهمية في النقاشات البرلمانية الالمانية اليوم هي تلك التي لا يعود »يوجد فيها يسار او يمين، بل اغلبية متبدلة بتبدل المواضيع للنقاش.. عندها يصبح البرلمان انعكاسا لصورة المجتمع الالماني«. أما افكاره البيئية فهي الأخرى موضوعة في خدمة هذا المفهوم للسياسة والمجتمع، ف»داني الأخضر« يدعو مثلا لزيادة الضرائب على الوقود لكي تتمكن شركات السيارات من بيع موديلاتها الجديدة ذات الاستهلاك المتدني للطاقة، مما يعني اطلاق عجلة الانتاج. وإذا كان اصدقاء كوهين بنديت في فرنسا قد ارادوا دعم ترشيح صديقهم القديم، باصدار كتيب يباع حاليا في اكشاك الصحف، ويحوي نصوصا ل148 كاتبا وفنانا وسياسيا تدعو جميعها للتصويت لصالحه، فإن اجمل شهادة تحتويها هذه المجموعة هي من دون شك تلك التي كتبها »مارك جوليفي« وأكد فيها: »أن الجنرال ديغول نفسه كان سيصوت له في الانتخابات الأوروبية«. لكن الجنرال اصبح في عداد الموتى! أما حفيده شارل ديغول الصغير فهو اليوم مرشح على قائمة اليمين المتطرف برئاسة لوبين. واليوم إذ يتبوأ معظم رجالات العام 1968 ونجومه مراكز القرار في الدولة الفرنسية، فإن افكارا وأساليب تغيير وتمرد جديدة تولد هنا وهناك في فرنسا وغيرها من الدول، محاولة ايجاد خيارات أخرى غير »الليبرالية او البربرية«. وكما يقول »غي دوبور« فإن: »كل الثورات تنتهي الى التاريخ، والتاريخ لا يفيض أبدا. أنهر الثورات تعود دائما من حيث أتت، لتنبع من جديد«. في الختام، لا يمكن انهاء هذه المقالة عن كوهين بنديت وجيل العام 1968 في فرنسا، من دون التذكير بزملائهم العرب، هؤلاء الذين انتهوا بمعظمهم الى مواقع اصدقائهم الفرنسيين نفسها. انهم اليوم في مواقع القرار والرأي، يروجون لايديولوجيتهم الليبرالية الجديدة من دون حسيب او رقيب. انهم (إذا حورنا قليلا ما قاله سيرج حليمي(2) عن كوهين بنديت وصحبه) يرتدون مثلنا الجينز لا الطربوش ويقرأون محمود درويش ويسمعون فيروز ويحبون زياد ويأكلون الفلافل، لكنهم العالم الذي علينا تغييره. فسماحاتهم بحربهم وشراراتها يعتقدون أن الناس سيبقون لرأيهم صاغين، بحسناتهم متلطفين ومسلمين(3). محمد علي أتاسي ياسر منيف (1) جميع الكلمات والعبارات الموضوعة بين قوسين في هذه المقالة تعود لدانيل كوهين بنديت، فيما إذا لم نشر الى غير ذلك. وهي مأخوذة من احدى المقابلات التالية: Cohn - Bendit D., Le Grand Bazar, Paris, ed. Denoel, 5791. Les Inrockuptibles, Paris, n. 291, Avril 9991. Charlie Hebdo, Paris, 2 septembre 8991. Liberation, Paris, 8 decembre 7991. Esprit, Paris, Octobre 7991, P. 33-64. (2) انظر Les Inrockuptibles, n. 971, decembre 8991. (3) نترك للقارئ حرية اختيار الأسماء المطابقة للكلمات الموجودة في الجملة الأخيرة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة