كتب حسين ايوب: عندما نراقب خريطة المنطقة الجنوبية المحتلة، نلاحظ ان خريطة الاحتلال في جزين تتخذ شكل لسان يمتد من الحدود الشمالية لقضاء مرجعيون والحدود الغربية لقضاء البقاع الغربي والحدود الشرقية لقضاءي النبطية وصيدا وصولا الى ملامسة الاطراف الجنوبية لقضاء الشوف. هذا المدى يوحي بأن اسرائيل »تعمدت« في العام 1985 ابقاء جزين تحت سيطرتها كإضافة وحيدة للمنطقة التي وقعت في أسر الاحتلال منذ العام 1978، تستطيع من خلالها تخطي الطابع الدفاعي وتذكير من يهمهم الامر بأنها تمتلك آخر سلاح هجومي يوفر لها التماس المباشر مع مناطق طائفية التنوع فيها المسيحي (جزين) والسني (صيدا) والدرزي (الشوف) والشيعي (النبطية والبقاع الغربي) وبالتالي توفر لها امكانية تأجيج التناقضات الطائفية عندما تحتاج لذلك وتغذية الاحتياجات الأمنية في اللحظات المناسبة واطلاق البالونات الاختبارية في حالات التفاوض، وهي الامكانية التي طالما استخدمتها اسرائيل منذ انطلاق مفاوضات السلام في مدريد عام 1990 وحتى في مرحلة تجميدها خلال حقبة نتنياهو التي امتدت منذ ايار 1996 وحتى ايار 1999. تقع جزين على سفح جبل التومات في جنوبي سلسلة جبال لبنان الغربية وهو الموقع الذي يلتقي عنده جبلا صافي ونيحا. تزنرها التلال من كل صوب وتشرف من الناحية الشمالية على منحدر تتساقط فيه شلالات اقترنت باسمها فأصبحت جزين تسمى »عروس الشلال«، مياه عذبة تصب في واد سحيق وتقسِّم المدينة الى قسمين تجمع بينهما حكاية المقاهي المهجورة والمصطافين الغائبين والمطاحن المائية التي توقفت عن العمل واشجار الصفصاف والجوز والحور والدلب والسنديان والصنوبر والزيتون التي حولت المكان الى حضن طبيعي هجين. وتبعد جزين عن بيروت 71 كيلومتراً وتشكل نقطة التقاء بين صيدا السنية والشوف الدرزي والبقاع الغربي الشيعي المسيحي. ترتفع جزين عن سطح البحر حوالي 9500 متر وهي مركز لقضاء اداري تبلغ مساحته 223 كلم2، ويشكل نحو 8 في المئة من اصل مساحة المنطقة المحتلة البالغة حوالي 2010 كلم2. قرى ومزارع ويضم قضاء جزين القرى والبلدات والمزارع الآتية: جزين، دمشقية، جرمق، محمودية، وردية العيشية، زغرين، قروح، وزيه، خلة خازن، خلة شبيل، السريرة، القطراني، عاضور، سجد، الريحان، اللويزة، عرمتى، داريا، كفرحونة، مليخ، عين ابو ضهر، فريرعة، جبل طورا، رمانة، عين مجدلين، حيتورة، مكنونية، قيتولي، قبيع، الحمصية، بتدين اللقش، عارية، مشموشة، الميدان، بنواتي، حورانية، دلفانة، بحنين، بكاسين، وادي جزين، زحلتا، قطين، روم، عازور، صفارية، بارتي، لبعا، بيصور، الشواليق، عين بعنقودين، جنسنايا، كرخا، محاربية، حسانية، وادي الليمون، مراح الحباس، كفرفالوس، دير السيدة، ريمات، حرف الدقيق، حيداب، صيدون، تومات نيحا، صبّاح، انان، سني، ضهر الرملة، بسري، القرية، مزرعة المطحنة، كفرجرة، عين المير، جل الناشي، خرفية، الغباطية، الهويتية، البابة، شقاديف، كروم الأرز، الشحّار، صاليما، تعيد والحرف. كان التعداد الاصلي للسكان في منطقة جزين قبل اجتياح العام 1982 حوالي 80 ألف نسمة وقد تناقص العدد تدريجيا وهو لا يتجاوز حالياً السبعة آلاف وخمسمائة نسمة بينهم نحو 10 في المئة من المقيمين في بلدة جزين. كانت جزين منذ مطلع القرن الحالي وحتى مطلع الاربعينيات من اوائل المصايف اللبنانية يأتيها على وجه الخصوص المصطافون من فلسطين ومصر عن طريق البر وينزلون في فنادقها الشهيرة: الشالوف، كنعان، مصر، فلسطين، الاهرام والاسمر. بعد نكسة 1948 خسرت جزين جزءا اساسيا من هذا الدور الاقتصادي لصالح بيروت ومناطق اخرى في جبل لبنان، وما لبثت مقاهيها ان خسرت جمهورها من الجوار السني والدرزي والشيعي عندما رفعت المتاريس بين جزين ومناطق صيدا والشوف والبقاع الغربي بعد العام 1985. واشتهرت المنطقة بالحرف والصناعات اليدوية كالسكاكين والملاعق والسيوف والخناجر المطعمة، لكنها تراجعت بفعل تراجع دور القطاع السياحي وظروف الحرب والنزوح، ولم يبق من اصل ثلاثمئة شخص يعملون في هذا المجال سوى حوالى ثلاثين شخصا. وبطبيعة الحال كان القطاع الزراعي قطاعا حيويا في منطقة جزين الغنية بالأشجار المثمرة، وتراجع عدد المزارعين في بلدة جزين وحدها من 250 مزارعا الى اقل من مئة مزارع، كما تراجعت مشاريع تربية الأسماك (الترويت) في السنوات الاخيرة وأصيب قطاع البناء بحالة جمود، وكذلك صناعات الصخور الحجرية (البلاط والرخام). ويقدر ابناء جزين مساحات الاراضي التي بيعت منذ مطلع التسعينيات حتى الآن بنحو 1200 عقار معظمها في محيط طريق جزين صيدا وفي عازور وروم والحمصية وكفرفالوس. وتعتمد منطقة جزين على ثانوية ومدرستين رسميتين ومدرستين خاصتين ومدرسة مهنية عالية، ولا يتجاوز عدد تلاميذ هذه المدارس ألفاً وخمسمئة طالب وطالبة، علما بأن عدد المدارس في المنطقة قبل العام 1982 تجاوز 24 مدرسة وكان عدد تلامذتها يفوق سبعة آلاف وخمسمئة طالب وطالبة. وفي مدينة جزين مستشفى حكومي واحد يوفر الاسعافات الاولية ويتجه المرضى في الحالات الصعبة الى مستشفيات مرجعيون وصيدا (بعد فتح معبر كفرفالوس). وتعتبر جزين مركزا للقائمقامية، وفيها محكمة وفصيلة للدرك ودائرة نفوس ودائرة مالية ومصلحة كهرباء. ويدفع أهالي المنطقة الضرائب بصورة عادية، وتعاني المنطقة من اوضاع خدماتية صعبة (طرقات محفورة، مياه نبع الطاسة مقطوعة عن المنطقة منذ العام 1982 وحلت محلها الآبار الارتوازية، الكهرباء متوفرة ولكنها تخضع لنظام تقنين مخفف، الهاتف الحكومي مقطوع وتعتمد المنطقة على السنترالات الخاصة والهواتف الخلوية). ويضم قضاء جزين 5 بلديات هي: جزين، روم، صيدون، بتدين اللقش وبكاسين. وقد حل مجلس بلدية جزين منذ العام 1966 بأمر من التفتيش المركزي وعهد بأعماله الى قائمقام جزين (حالياً القائم نبيه حمود). التغييرات السكانية آثارها تدل على انها كانت مأهولة منذ عصور قديمة، سكنها الشيعة قبل أكثر من ألف سنة وتركوها ليحل محلهم الدروز في القرن السادس عشر قبل ان يشجع الأمير فخر الدين المسيحيين على السكن فيها ليشكلوا منطقة عازلة بين الشيعة والدروز الذين كان بينهم تاريخ صراعي، غير ان المسيحيين لم يستجيبوا لدعوة فخر الدين بأعداد كبيرة إلا بعد معركة عين دارة سنة 1711 حين خرجت إقطاعية جزين من نصيب مشايخ آل القاضي الدروز ومن بعدهم ورثتهم آل جنبلاط، ومن أبرز آثار بلدة جزين مغارة فخر الدين ومغارة ام علي. اما ابرز العائلات في بلدة جزين فهي: مزهر، رزق، عزيز، كنعان، سرحال، ناصيف، معوشي، قطار، كريم، عون، الحلو، قمر، اسمر، رحيّم، حجار، عازار، سليم، بارتي، وهبه، زمار، ابو نادر، ابو صادر، ابو راشد، لبس، حرفوش، مدور، كسرواني، سكاف، عبد النور، قرداحي، عرية، روكز، اسود، شويري، الخوري، الغزال، نحاس، معلوف، حويك وشريم. وتعتبر منطقة جزين منطقة نموذجية للعيش المشترك منذ القرن التاسع عشر بفعل تنوعها الطائفي، وتكاد تكون من المناطق اللبنانية القليلة التي بقيت بمنأى عن تأثيرات الحرب الاهلية في العام 1975. وقد كان القرار السياسي بجزين منذ عهد المتصرفية قرارا بيد البيوتات التقليدية واستمرت زعامة المنطقة محصورة بآل ناصيف منذ أوائل عهد المتصرفية وحتى الثلاثينيات لكنها تقطعت في مراحلها الاخيرة مع بروز زعامة سليمان بك كنعان (الجد) الذي كان وكيل املاك آل جنبلاط في جزين. وأحد تعبيرات مناخ التعايش المشترك في المنطقة تمثل جزين في مجلس إدارة جبل لبنان في عهد المتصرفية بمقاعد موزعة على الموارنة والدروز. وقد سحب التنافس الكتلوي الدستوري نفسه على جزين قبل حوالى نصف قرن لكن الانقسامات العائلية كانت هي الأساس ومثل انتخاب النائب فريد سرحال في المجلس النيابي، امتدادا لزعامة آل كنعان التاريخية بالنظر الى صلة القرابة بين العائلتين، التي أدّت الى توارث الزعامة. ومن الزعامات التاريخية في جزين والد النائب الحالي سمير عازار المرحوم إبراهيم عازار الذي توفي شابا وورث عنه الزعامة شقيقه رشاد قبل ان يورثها للمرحوم جان عزيز (درجة قرابته لعازار شبيهة بقرابة فريد سرحال بآل كنعان). حصل اختراق للسقوف العائلية التقليدية من قبل الكتائبي باسيل عبود الذي ترشح عام 1959 في انتخابات فرعية بعد شغور مقعد فريد قوزما في مواجهة كنعان بالتحالف مع جان عزيز وحصد عبود الفوز آنذاك. وفي العام 1968 تكررت التجربة مع الكتائبي الشاب ادمون رزق الذي كسر اصول اللعبة التقليدية العائلية وعاد وكرر التجربة في العام 972 ليفوز ومعه لائحته الثلاثية كاملة: نديم سالم، فريد سرحال وادمون رزق. لا حضور تاريخيا بارزا للحزبيات السياسية في جزين مما ابعدها عن نار الحرب في العام 1975 وعندما شعرت بالخطر عام 1976 استنجدت بالسوريين لمواجهة احتمالات اقتحام المنطقة واختراقها من قبل »القوات المشتركة«. جزين منذ الاجتياح ومع الاجتياح الإسرائيلي لجزين في العام 1982 وانسحاب القوات السورية، دخلت المنطقة في مرحلة جديدة ولم تشعر بالخطر يهددها الا مع اندلاع »حرب الجبل« في نهاية صيف العام 1983. يومها عقد مؤتمر شعبي في منزل ادمون رزق دعا الى عودة الشرعية ورفض »الأمر الواقع« وسعى الى عزل تعايش جزين عن تأثيرات »حرب الجبل«. استمر الهدوء مخيما على جزين حتى اندلاع حوادث شرقي صيدا اثر الانسحاب الإسرائيلي في العام 1985. في ذلك التاريخ بدأ التوتر مع الجوار بفعل سيطرة فلول »القوات اللبنانية« الغريبة عن المنطقة على الشارع الجزيني. ويقول رئيس حركة »حراس الأرز« اتيان صقر (أبو أرز) في مقابلة معه: »لقد أصبحت جزين المعقل الأخير للمقاومة اللبنانية«. أحدث المعطى الأمني الجديد في منتصف الثمانينيات حالة من الاستنفار بين أبناء جزين أنفسهم أيضا، خاصة وانهم أصبحوا بعد الانسحاب الإسرائيلي على تماس مباشر مع »العدو« المتمثل بالوجود الفلسطيني المطعم بأحزاب اليسار اللبناني والجماعات الإسلامية المنتشرة في منطقة شرق صيدا، وأدى هذا المعطى الناشئ الى نزوح طاول بشكل اساسي ابناء القرى الشيعية الصرفة داخل منطقة جزين المحتلة بالإضافة الى عائلات مسيحية قررت الهرب من »الأمر الواقع« واحتمالات المستقبل غير المطمئنة. ومع انتشار الجيش اللبناني في منطقة صيدا وشرقها واقليم التفاح في العام 1991، ازاح »الكابوس« الفلسطيني عن جزين ودخلت المنطقة في ايقاع سياسي صار مرتبطا بمفاوضات السلام التي انطلقت في مؤتمر مدريد وفي إيقاع أمين اتسم بمحدودية العمل المقاوم في منطقة جزين، لكنه إيقاع تبدل منذ العام 1994 حيث بذل »حزب الله« جهدا استثنائيا لتفكيك »الفوج العشرين« واصبحت العين الأمنية الرسمية اللبنانية، خاصة بعد متفجرة الزوق وحل »القوات اللبنانية«، تولي مسألة الدخول الى جزين والخروج منها، رقابة استثنائية بالترافق مع بدء القضاء العسكري بإصدار احكامه بحق المتعاملين مع الاحتلال. وأنتج الضغط العسكري المقاوم والاستنفار القضائي والأمني على الصعيد الرسمي، حالة من الاحتقان في جزين عبَّرت عن نفسها مرارا في صيغ اللقاءات والبيانات التي كانت تتخذ احيانا شكل الدعوة الى »تحييد جزين« ورفض »الأمر الواقع« و»التمسك بالشرعية اللبنانية«. موضوع الانسحاب من جزين طرح مرارا وتكرارا كعنوان اختباري مشروط إسرائيليا بمستلزمات لاحقة من نوع تجريد »حزب الله« من سلاحه او تجميد عمليات المقاومة او »لبناء إجراءات ثقة« وكان الرد اللبناني رافضا بالمقابل لأي انسحاب مشروط وعلى قاعدة »لتنسحب إسرائيل وبعدها يكون لكل حادث حديث« وهو الخطاب نفسه الذي اكد عليه رئيس الوزراء سليم الحص في معرض تعليقه على اعطاء إسرائيل الضوء الآخضر لانسحاب الميليشيات المتعاملة معها من جزين في غضون الأيام والأسابيع القليلة المقبلة.