»كان غير شكل الزيتون، كان غير شكل الليمون، حتى حبك يا حبيبي مش كاين هيك يكون«... وما كان يمكن له ايضا ان يكون غير ذلك! صدر شريط فيروز الجديد، »مش كاين هيك تكون«، ولم يكن بوسع احد تخيّل جديد لفيروز يأخذ المستمع ابعد من »كيفك أنت«. لكن النقطة التي توقف عندها شباب الموسيقى وكهولها، وكادوا ان يوقفوا معها تطور وعي المتلقين، تخطاها زياد الرحباني متجرئا على كسر قيود الكلمة التي اضحت تقليدية، والخروج باللحن على حدود »عرض العضلات«، بالاضافة الى اقناع والدته مشاركته المغامرة!. عند الاستماع الى اغاني الشريط، تتنقل الاذن بين خطين ورؤيتين موسيقيتين: ألحان محمد محسن وألحان زياد الرحباني. ومحمد محسن هو موسيقار اشتهرت ألحانه في زمن الاربعينيات ، وتؤمن اليوم، في »مش كاين هيك تكون«، فسحة أمان لفيروز داخل العاصفة التي اوجدها زياد الرحباني. فأتت مجمل القصائد التي لحنها (»جاءت معذبتي«، »ولي فؤاد«، »لو تعلمين«، »احب من الاسماء«) »عادية«، بمعنى انها لا تقدم الجديد ولا تضيف على القديم علامة فارقة او رؤية مختلفة، وتقتصر مهمتها على توسيع ارشيف فيروز »الفصيح«. ولو اكتفت فيروز بهذه القصائد لوجدت نفسها في مأزق كبير، ولبدا للبعض انها تتكئ على ماضيها في حاضرها، ويأتي هنا دور زياد الرحباني الذي استفاد من اداء فيروز لاغانيه، بقدر لا يتخطى استفادتها هي منه... موسيقيا. فقد حدد المجتمع لزياد اطاراً معينا ينتج داخله، فلا يواجه برفض جذري او نقد مستشر. ولا تساهم اعماله، تاليا، بتطوير او توجيه الخط الموسيقي السائد والمكرس. اذ ان »زياد مختلف عن البقية، وفنه ضيف على هذه البقية«!. ولكن حين تغني فيروز، التي كرسها منظرو المجتمع نفسه سفيرة الى نجوم سمائه، مرددة كلمات زياد وألحانه، تمحو حنجرتها كل الاعتبارات لتدخل ابواب كل الناس مرسية قواعد ابنها الموسيقية الجديدة: فتكون حينها المواجهة وتكون معها الافادة. وفي المقابل، ربما من دون »كميون« الرحباني و»قمحه«، لكانت والدته مستقرة على احدى نجماتها بهدوء وصمت. فقد اوصل زياد الرحباني فيروز الى منطقة لم تكن في الحسبان على الخارطة الموسيقية، منطقة تزاوج عندها اللحن الذي تخطى مرحلة »التجربة« السائدة على نتاج اصدقائه الموسيقيين، مع الكلمة البسيطة والدلالة الممتنعة. فكلمات اغاني الرحباني في شريط فيروز الجديد تفتح حواراً مع الماضي واحداثه على اساس مناسب لاي زمان، خاصة المستقبل. فكلمته صادقة ومباشرة لصدورها من احساس الانسان، من دون تبرج ومغالاة، وتصل حينها الى باطن كل من يشاركه الانسانية: »اشتقتلك، اشتقتلي؟ بعرف مش رح بتقلي، لكن أنا عم قلك... اشتقتلك«. تحررت كلمة زياد في »مش كاين هيك تكون« من قيد آخر لتقارب، عملا بعد عمل، مرحلة الصدق المجرد من الاطار و»الثوابت« الاجتماعية. وبين الموسيقى والكلمات، يقف جزء من الجمهور مستغربا ومصدوما امام »العربي« الذي تغنيه فيروز وتتغنى به. وسيصرخ البعض، تماما كما كانت الحال مع »الخس«. وال»ملاّ إنتَ« السابقتين، متجهما، ورافضا »تدنيس« الاوتار الفيروزية ب»ريتو عمرو ما يكون«. ولكن، ألا يمكن لتلك السيدة ان تحن الى »بلكون اشرح« وهدير »كميون اروق«، وان »يضيق خلقها«؟!. أليس بمقدورها ان تشتاق من دون ان يشتاق إليها؟!. فترفّع فيروز، والاطار الذي حدد لها سابقا، سمحا طويلا للجمهور بأن يرى من خلالها صورة الكمال والمثالية. وحين يصغي هذا الجمهور لاغانيها ويردد معانيها، يتوهم ارتقاء النفس والتجرد من مادية حكم عليها اجتماعيا بالدناءة. وقد اضحت فيروز، من جراء »ترفعها التاريخي«(!) ضحية وجلادا، في الآن معا، يتماهى الشعب في شخصها ويحرمه... الانسانية. وحين تردد فيروز كلمات زياد ذات »الجذور البشرية«، يرى جمهورها صورة تخدش على يد زياد نفسه، فيهاجم الاخير ويعاتب الاولى، وتكون ردة فعله هذه خطوة اخرى الى »فوق« على كتف »الخائن«!. ولكن، الى ان يتقبّل كل منا ذاته بماديتها وحاجاتها، ويرى الآخر بالعين نفسها، ستحافظ فيروز على صورة سجنت نفسها داخلها طويلا، ويأبى اليوم جمهورها ان تتراجع عنها. »مش كاينة هيك تكون« الموسيقى، ولا يمكن لها، بعد الآن، على الصعيد العاطفي او الوطني، ان تكون بصيغة »كاينة« من قبل، شريط حقا جديد لآذان تحتاجه ووعي يوشك ان يصاب باغفاءة التكرار الطويلة الامد. س.م.