As Safir Logo
المصدر:

المتنفس الأخير في الجامعات والشوارع والمقاهي شعارات ترصف الأحلام على الجدران

شعارات على جدار في غرب بيروت
المؤلف: سعد الدين عمرو التاريخ: 1999-05-27 رقم العدد:8305

من بعد انقضاء مواسم الانتخابات وصورها، تعود جدران بيروت لتتكلم بهدوء عما تحمله غالبا هواجس الشباب. تشكو مي من تبييض بعض الجدان »التي لا تعود تشبهنا«. فقد كانت صورة جمال عبد الناصر، بالنسبة الى سليم، على حائط السفارة الفرنسية قديما في عين المريسة »مرسومة بحنان. لم تكن الوانها فاقعة بل متناسبة مع لون الجدار. لا بد أن الشخص الذي رسمها كان يحب الرسم ومتأثرا بالشخص، بعكس محترفي رسم الزعماء«. لكن الرسم تلاشى من بعد امتلاك معهد الاقتصاد والتجارة الفرنسي للجدار. نزولا من ذلك الشارع، ما زال شعار »أمل« يجدد نفسه مع علم الحاجز قبالته. وفي ما بينهما، تلاشى لفترة ما كان يقدمه مسرح »بيروت« من خلف الزجاج. ينتظرك في نهاية الشارع حرف (M) ضخم يرافقه تكرار خمسة حروف صغيرة. ولا يسعك، في نهاية الشارع، إلا أن تشعر بصغر حجمك وسط ضخامة تمثال عبد الناصر وحرف مطعم »ماكدونالدز« وغيتار ال(Hard Rock). في داخل ال(Hard Rock) تستقبلك جملة »الحرب انتهت! إذا كنت تريدها« باللغة الانكليزية، وبمحاذاتها »عيد ميلاد سعيد من جون ويوكو«. حرية داخل الجدران تنتشر على الجدران الداخلية للمقهى صور وسير فرقة »البيتلز«، وأغنية جون لينون (Imagine)بخط يده، ومغنّي الجاز السود وغيرهم من العازفين الغربيين المتمردين. يستطيع الشبان البيض الاغنياء هناك ان يحلموا مع جون لينون، الذي اغتالته الاستخبارات الأميركية، بعالم »خال من الحدود.. القمع.. الدين..«. على الالواح المخصصة للنشاطات في الجامعة الأميركية تتراكم الملصقات فوق بعضها. حفلات موسيقية.. نشاطات ثقافية ورياضية.. عاشوراء.. المطالبة بفتح منامات الطالبات اربعا وعشرين ساعة.. دعايات تخفيض الوزن، الخ.. فهي تسمح بهذا القدر من التنوع والحرية المتواجدتين داخل اسوار الجامعة، فيما يأتي من الخارج نداء معلق لفتاة عمرها واحد وعشرون عاما تعاني من سرطان »اللوكيميا« قائلة »نحن عائلة فقيرة وأتوسل اليكم المساعدة بإنقاذ حياتي..«. رسميات ورسائل غير مفهومة في كلية الآداب (الفرع الأول) تطل بعض النشاطات والشعارات الطلابية بخجل من بين اللوحات المخصصة لكافة الاحزاب والجمعيات الاسلامية فقط! بينما تحتل »جماعة العمل الرعوي« و»نشيد المحبة« لوحتي الحائط في كلية العلوم (الفرع الثاني). ابتداء من السور الخارجي لكلية الآداب يتكشف عالم لا صلة له بشعارات الداخل، بالرغم من أن الشارع العام يمر بجانب الكليات. فتعلو السور »بوب مارلي لا امرأة.. لا بكاء«. وعلى بعد قليل منه، تجد كتابات رياضية وغرامية »تقليدية« وأخرى غير مفهومة. هذه الرسائل التي لا يفهمها سوى اصحاب العلاقة هي التي تؤجج الصراع بين إدارة المدرسة المحاذية وطلابها. فطلاء الحائط طقس شهري تقوم به الإدارة، فيعاود الطلاب الهجوم كل مرة عبر الجدار: »إنت والدوش«.. فعلى هذه الشعارات، كي تبدو مقبولة، الالتزام بالرزانة والرسمية المطلوبتين. »حلم يموت أمام الشعار« تعلن بداية المخيم عن نفسها من خلال شعارات الجدران. بدا منير سعيدا عندما دخل للمرة الأولى الى هناك ورأى ترامي هذه الشعارات التي تضيق بها الزواريب، لكنه كان يحمل ذاكرته الخاصة لزمن مضى. معظمها شعارات مطبوعة تحاول الاحتماء بشيء من الماضي: »ثلاثون عاما من النضال.. العيد السابع والثلاثون لانطلاق الثورة.. ذكرى استشهاد..«. كما تعبر صيغتها »الثورية« عن امتداد لماضٍ يحلق فوق واقع الحاضر وكأنه لا يتغير: »الكفاح المسلح هو طريقنا الوحيد.. فلسطين لنا الى الأبد.. لا صلح، لا مفاوضات، لا اعتراف..«. قد يكون الشعاران »نعم للدولة المستقلة وحق عودة اللاجئين« و»سنرجع يوما« باعترافيهما بالهزيمة، لكن ببعض التصميم، هما بداية الانطلاق من الواقع. »كان الشعار المقدس سيفا لنا وعلينا« كتب محمود درويش. ويبدو انه يميل حاليا لجهة »علينا«. فغياب تقبل المختلف هو ميزة هذه الشعارات. فترافق محو الشعارات »العرفاتية« مع تصفية أنصاره من بعض المخيمات. وتوحي كلمات »فتح ابو عمار« الباهتة على أحد الجدران بتمرد خائف، وذلك على الرغم من أن الشعار ذاته لا يتسامح مع غيره في مناطق نفوذه الأخرى. وكل فريق يستطيع تأكيد شعاره الراسخ برصاص البنادق على جدران المخيمات. تعكس هذه الشعارات التي لا تنتشر في الخارج تقوقع العمل الفلسطيني السياسي الى داخل المخيم، وتحوله الى مجرد صراع على الجدران، او على السلطة داخل المخيم. ويوحي تمدد الشعارات الإسلامية اللبنانية الى داخل المخيم خضوع الأخير لمنطق الطوائف مقابل خدماتها الهزيلة. وإن كان مخيما شاتيلا ومار الياس أكثر تنوعا، فإن مخيم برج البراجنة يشهد عملية تبييض تدريجية لجدران اصبحت موسومة بالتعابير الإسلامية. يسخر شعار »لا مال.. لا جنس.. لا ايدز« المكتوب بخط اليد من تلك الشعارات المطبوعة بمهارة والبعيدة عن الحياة اليومية لشباب المخيمات. يحد مخيم شاتيلا الدمار من جهتين واعلام الحواجز من ثلاث جهات، بالإضافة الى منظر اعمدة المدينة الرياضية. فيما ينتهي، من الجهة الأخيرة، بأول شعار لحركة أمل.. جزر وأشخاص في تلك المنطقة المحاذية، التي تتشابه معالمها مع المخيم، تشعر نفسك تدخل الى جزيرة أخرى، فتسيطر عليها شعارات »أمل« و»النجمة«. يقنع جدار منزل مهترئ بطبع سبعة شعارات خضراء متماثلة لا توحي بأمل تجدده. كما تبدو الرتابة بوضوح في تزايد عدد الشعارات المطبوعة والمكررة لتلك المخطوطة باليد والمتمايزة، فتوحي شعارات »النجمة« بتحمس أكبر من قبل الشباب. وبينما يبدو تجاور شعاري »أمل« و»حزب الله« حتميا على الجدار نفسه، فإن العلاقة تكتمل مع شعار »أمل«الدائري الذي تخترقه خطوط مرسومة تتقاطع في منتصفه محولة إياه الى مرمى تخط حروف »حزب الله« بأسفل »الهدف«. على جدران حي السلم، تعاود شعارات »حزب الله« الظهور بكثافة كمثيلاتها من »حركة أمل«، فيما يتقلص تواجد »إسرائيل« وسط التنافس على الجدران، التي قد تظهر في تخوين الطرف الآخر كشعار »الأنصار يهود«، حيث اكتساح لشعارات »النجمة حتما.. الى الأبد..«. التخوين والحتمية والكلمات المسبوقة بكلمة ».. بس«، في تفلتها من رسمية الشعارات المطبوعة، هي الأكثر تعبيرا عن طبيعة مشاعر التمرد. وتتبدى مدى العلاقة الشخصانية الحميمية بين العبد الذي خط ».. لم يكن عندنا رب لعبدناك يا بري« من بعد زوال »لو« اثر ترميم جزء من الجدار. فيلما لم يتبق اثر ل»ثورة الجياع« سوى »قائد ثورة الجياع الشيخ صبحي الطفيلي«. تخترق هذه الشعارات بعض »الزوابع« التي تسترجع »ذكرى اغتيال الزعيم«، فيما تهرب الى الامام مناجل ومطارق مضخم مساحتها على الجدار، او رافعة شعار »يا عمال العالم اتحدوا«. هيئات الصور غالبا ما يجاور موسى الصدر بهيئته الهادئة صورة نبيه بري التي تعلوها ابتسامة رضا ربما، في محاولة لإضفاء بعض »الطهرانية«. وعادة ما تكون صور زعماء »حزب الله« أقرب الى العبوس. فيما تتجاور صورتا الشيخين بيار وبشير الجميل على احد جدران فرن الشباك. يتجلى انطباع تامر عن صورة بشير الجميل بكونها »صورة أيقونية. اذكرها في صغري حين كنت أخاف منها. انها صورة محارية تستحضر الزمن«. ويتعدى انطباعه صورة بشير معمما اياه على »شعار »الشرقية« المحقون والقوي، بعكس شعار »الغربية« العادي والذي يفتقد الحذر والمفاجأة«. قد يظهر ذلك بوضوح عن معالم صورة وجه بيار الجميل المنتقاة أثناء لحظة غضب. أجواء الاحتقان هذه تجعلك تجد بعض نجوم داوود السداسية، او مثل ذلك الشعار على باب احد الحمامات »متى يعود الطلاب الصهاينة الى الجامعة«. ومن الملفت هناك كثرة الطلاء مخفيا شعارات لا بد أنها تعدت الخطوط الحمر اللبنانية. يتعدى الصليب المنتشر بكثرة كونه رمزا دينيا، ليعبر عن شارع يتلمس منه هوية غاضبة، فتعلو الصليب كلمات »يسوع الناصرة ملك الملوك« او »بدا تضل جراسنا تدق«. في الوقت الذي تحتمل احجية تحديد الهوية أكثر من معنى لشعار »أكبر من أن يُبلع.. أصغر من أن يقسَّم«. لكن الصراعات التي تتجاوز الصليب، حاضرة ايضا بغياب الزعماء المنفيين او المسجونين او المتوفين. لا تتمايز عن غيرها من الشعارات في شخصنة الافكار وعدم التسامح مثلما هو واضح في الأكثر انتشارا منها »أبناء الحكيم.. عون وبس.. الحكمة وبس«. مدينة المستقبل »بيروت مدينة عريقة للمستقبل« محفورة على باطون مستحدث. انه شعار الوسط التجاري الذي اضطر الساكنون هناك للرحيل في انتظار المستقبل الموعود. وفي بيت قديم اراد اصحابه اقامة بناية مكانه، دعى أحد الابناء المعارضين لهدمه اصحابه للعشاء الأخير. كتبوا على جدرانه احلامهم وخيباتهم وأشعارهم كي تبقى محفوظة وإن تناثرت مع قطع الجدران. في الوقت الذي ما زالت تنبض بخفوت جدران المدينة بقلوب حب وهواجس فردية لشباب يرسمون احاسيسهم عبرها، فإن الجدران ذاتها تئن من شعارات كُتبت معظمها بأيدي الشباب وبعقول »حكماء المناطق«. عمرو سعد الدين

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة