كتب حسين ايوب: لم يكن قيام أول »جدار طيب« على الحدود بين لبنان واسرائيل في العام 1976 حدثا جنوبيا، بل هو احد تداعيات الحروب الاهلية المستعرة في بيروت بين معسكرات اليمين واليسار وامتداداتهما الاقليمية، وهو ايضا نتاج تراكم متسارع للاحداث في الجنوب منذ اصبح »ساحة« في أعقاب حرب العام 1967 ونتاج خلل اقليمي عبر عنه في تلك اللحظة قرار الرئيس المصري انور السادات بزيارة القدس المحتلة وتفرد الليكوديين بزمام السلطة في اسرائيل وسيل التناقضات العربية العربية على أرض لبنان الذي تحول تدريجيا الى ساحة يحتل مساحتها لاعبون اقليميون يبحثون عن دور في سياسة المنطقة، ووجدوا بعد سنوات الحروب الطويلة في لبنان ان يحصروا لعبتهم في ساحة الجنوب الاقليمية. عبرت اسرائيل عن مبتغاها من قيام »الجدار الطيب« بلسان وزير دفاعها آنذاك شيمون بيريز: »المطلوب خلق وضع جديد في المنطقة الحدودية الفاصلة بين لبنان واسرائيل. الأسلوب السليم هو عدم السيطرة على مناطق بل اقامة شبكة علاقات مع الاهالي في لبنان«. في تلك اللحظة كان البيت اللبناني »بمنازل كثيرة«. لا عُقد نفسية تحول دون التوغل ما بعد جنوب الجنوب، والعناوين كثيرة: السلاح، الرواتب، شتلة التبغ، حبة الدواء، العمل »واستقبال اللاجئين المسيحيين الهاربين من جحيم الحرب في بيروت الشرقية«. غاب الاتفاق بين اللبنانيين حول عناوين كثيرة كالاصلاح والسيادة الوطنية والهوية. لم يتردد اليسار في رفع الشعار السياسي المعادي لإسرائيل، اما اليمين فيعبر عن موقفه بلسان شربل قسيس أحد قادة »الجبهة اللبنانية« آنذاك فيقول: »آمل ان يكون الاحتلال (الاسرائيلي) العابر خروجا للاحتلال (السوري) المستمر«. تصرفت اسرائيل على اساس ان المبادرة بيدها وتستطيع اقامة منطقة امنية في الجنوب اللبناني و»حسن جوار« مع اهله يحمي المستوطنات الشمالية من جهة ويوفر لها حضورا فاعلا في السياسة اللبنانية من جهة ثانية. وتجمع الروايات المختلفة ان الكتائبي نقولا حداد ابن بلدة »رميش« ولويس الحصروني ابن بلدة »عين ابل« هما الشخصان اللذان لعبا دورا محوريا في تأمين الاتصال بإسرائيل (الضابط »أبو يوسف«) في منتصف السبعينيات بأمر من قيادة حزب الكتائب في بيروت ونجحا في إقناع عدد من الشبان والشابات بالالتحاق بأحد المعسكرات داخل اسرائيل وانضم اليهم حوالى 20 مقاتلا من ميليشيات »القوات اللبنانية« في »بيروت الشرقية«، وسرعان ما اندمجوا بضباط وجنود الجيش اللبناني الذين كانوا قد احتموا ب »تجمعات عسكرية« حملت اسم القرى الحدودية المسيحية وذلك غداة انقسام المؤسسة العسكرية في العام 1976. ويقول عقل هاشم، وهو أحد رموز التعامل مع اسرائيل منذ تلك اللحظة حتى الآن، في معرض تذكره لتاريخ نشأة »جيش لبنان الجنوبي«: »ما زلنا نحتفظ بمذكرات الخدمة العسكرية الصادرة عن الرئيس الراحل سليمان فرنجية وقائد الجيش السابق العماد حنا سعيد«. أنتج الاندماج بين العناصر الميليشياوية والجنود النظاميين في القرى المسيحية الحدودية، تسميات وسطية عدة ابرزها »قوات الدفاع عن جنوب لبنان« وفيها شيء من »القوات« (الميليشيا) وشيء من »جيش الدفاع« (النظامي)، ولم يتجاوز عدد المنخرطين في تلك الصيغة مئتين وخمسين عنصرا وكان نقولا الحداد يتولى تأمين مخصصاتهم المالية من اسرائيل. سعد حداد ومع مجيء سعد حداد في نهاية العام 76 الى مسقط رأسه بلدة »القليعة« المارونية الحدودية، ارتبط اسم العسكريين الحدوديين باسمه: »قوات سعد حداد« وهي التسمية التي استخدمتها معظم وسائل الاعلام العالمية من دون ان تغفل صفة »الضابط السابق في الجيش اللبناني«. وعندما اجتاحت اسرائيل الجنوب اللبناني في اطار ما أسمته »عملية الليطاني« في الرابع عشر من آذار 1978 حصل تحول جذري في طبيعة المهمة المسندة الى الميليشيات الحدودية، اذ ان اعلان »دولة لبنان الحر المستقل« في الثامن عشر من نيسان 1979 من مستعمرة »المطلة« الحدودية، اعطى ل»ميليشيات سعد حداد« صفة بحجم »لبنان الحر المستقل«، اي تعدت حدود الجنوب اللبناني وحده. ويقدر حداد في تلك اللحظة عدد »جنوده« بنحو ثمانمئة ضابط وجندي كانوا ينتشرون في البقعة الحدودية التي ضمت آنذاك اكثر من ستين قرية وبلدة لبنانية ضمن حزام يبلغ طوله حوالى مئة وعشرين كيلومترا وعمقه يتراوح ما بين 5 كيلومترات عند معبر البياضة الناقورة (القطاع الغربي) و15 كيلومترا في القطاعين الاوسط والشرقي، ولاحقا يبلغ العمق ما يقارب ال 40 كلم في منطقة جزين (اثر اجتياح العام 82). أعطت اسرائيل اومرها بترحيل المجموعات »القواتية« في المنطقة الحدودية بحجة »اعادة التنظيم«، وعملت بالمقابل على اعطاء دور اساسي ل »ابناء المنطقة« وراحت تبحث عن »حوافز« تشجع العناصر الاسلامية على الانضمام الى »جيش لبنان الحر«. وتمكنت بسرعة من ضم نحو مئتي عنصر شيعي ومئة عنصر درزي وعشرات العناصر السنية وطلبت من هؤلاء تولي حماية بلداتهم من »تدخل الغريب (المسيحي طبعا)« وأعطت دورا قياديا واضحا للضباط »النظاميين« امثال سعد حداد وسامي الشدياق وعقل هاشم وشربل بركات. الحربة الإسرائيلية استطاع »جيش لبنان الحر« ان ينفذ الجزء الاكبر من المهام الامنية المسندة اليه ك »متراس رملي« من جهة وكأداة استطاعت ان تلم بالتفاصيل الامنية للقرى الحدودية من جهة ثانية، خاصة ان معظم المنتمين اليه هم من ابناء المنطقة الحدودية. وبلغت مهمته السياسية »الهجومية« ذروتها مع وصول اجتياح »سلامة الجليل« في العام 82 الى قلب العاصمة اللبنانية وايصال بشير الجميل الى سدة رئاسة الجمهورية في لحظة سياسية اتسمت باختلال موازين القوى محليا واقليميا ودوليا لمصلحة »المشروع الاسرائيلي« في لبنان. وغداة توقيع لبنان لاتفاق 17 أيار مع اسرائيل تضاعف عدد عناصر »جيش لبنان الحر« ووصل في لحظة استلام انطوان لحد زمام القيادة خلفا لسعد حداد في منتصف العام 1984، الى حوالى 2069 جنديا بينهم 1286 مسيحيا (67$) و322 شيعيا (16$) و276 درزيا (13$) و65 سنيا (3$)، فضلا عن المئات من المنضوين في »الحرس الوطني« واعمال الحراسة الالزامية اليومية داخل القرى وعند مشارفها والتي طالت الأعمار من 16 الى 60 سنة. أسست سلسلة أحداث عسكرية وسياسية محلية متتالية، بدءا ب »حرب الجبل« وانتهاء بالمقاومة المتصاعدة في الجنوب مرورا ب »انتفاضة 6 شباط« والغاء اتفاق 17 ايار والانسحاب الاسرائيلي الجزئي في نيسان 1985 من صيدا وشرقها وصور والنبطية والبقاع الغربي، لبروز وقائع لبنانية جديدة لغير مصلحة اسرائيل والمنخرطين في الميليشيات الحدودية المتعاملة معها. وفي سياق ذلك الانسحاب الجزئي تغيرت تسمية »جيش لبنان الحر« واصبح »جيش لبنان الجنوبي«، بقيادة انطوان لحد، وحملت التسمية الجديدة انكفاء للمشروع الاسرائيلي ودورا جديدا ل»الميليشيات الحدودية«. كانت الشهور الستة الاولى من العام 1985 »شهورا صعبة« بالنسبة ل »الجنوبي« حسب الإعلام الاسرائيلي نفسه، وتطلبت تدخلا من القائد الجديد لوحدة الارتباط في الجنوب دايفيد أعمون الذي عمل على قلب وضع الميليشيات الحدودية رأسا على عقب لمصلحة تحسين مستواها اللوجستي والعسكري بأسلحة متطورة وزيادة الرواتب، ووصل عدد عناصر »الجنوبي« في نهاية العام 1985 الى 2700 ضابط وجندي (بينهم مئات الملتحقين الجدد من عناصر »القوات« اثر احداث شرق صيدا)، وسرعان ما ارتفع هذا العدد الى ثلاثة آلاف في العام 1989 (ذروة الانقسام الداخلي اللبناني بالتزامن مع حروب الاخوة (»امل« و»حزب الله«) في اقليم التفاح). شكلت بداية مرحلة السلم الاهلي في لبنان في العام 1990 منعطفا سياسيا في حسم النظرة السياسية اللبنانية حول هوية لبنان ونظامه السياسي وبالتالي في ردم الشقوق السياسية التي جعلت العامل الاسرائيلي يتسلل بسهولة الى البنية الداخلية في لبنان. كما شكلت انطلاقة مؤتمر مدريد للسلام مؤشرا على طرح مصير مستقبل »الجنوبي« على بساط البحث السياسي بين لبنان واسرائيل. ولا شك في ان عودة المهجرين المسيحيين الى شرق صيدا أفقدت الميليشيا الحدودية مادة دسمة ل »التحريض« على حمل السلاح الذي يستطيع »وحده« ان يعيد الاهالي الى قراهم »وينزع السلاح غير الشرعي«. وفي مواجهة المتغير السياسي اللبناني وتعاظم دور المقاومة ونجاحها في انزال ضربات موجعة بالاحتلال والمتعاملين معه واعتماد الدولة اللبنانية »سياسة استيعابية« غير معلنة للفارين من الميليشيات الحدودية، اعتمدت اسرائيل سياسة زيادة المغريات المالية للعناصر والضباط مستفيدة من الاوضاع المعيشية المتردية وإهمال الدولة التاريخي للمنطقة الحدودية (أظهرت »خارطة الاحوال المعيشية في لبنان 1998« الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والامم المتحدة ان اكثر من 67$ من المقيمين في قضاء بنت جبيل تم تصنيفهم تحت خانة »متدنية«، اي دون عتبة إشباع الحد الادنى من الحاجات الاساسية، ويأتي قضاء مرجعيون في المرتبة الرابعة (60$) بعد عكار والهرمل). العفو! ويطرح »حزب الله« في موازاة اقتراح قانون العفو المقدم الى المجلس النيابي والموضوع في الأدراج حاليا، خطة تهدف الى تفكيك وانهيار »جيش لحد« خلال العام 1999، كما يقول نائب امين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم مستندا الى الكثير من الوقائع بينها الضربات النوعية التي تستهدف الرموز والمواقع اللحدية وآخرها عملية اقتحام موقع بيت ياحون والاستيلاء على ملالة من نوع »ام 113« وقبلها عملية تفجير موكب قائد الفوج العشرين جوزف كرم (»علوش«) وخليفته منح توما وتوجيه ضربة لبنية العملاء العسكرية والامنية في بلدة شبعا وازدياد حالات الاعتكاف والاستقالة في منطقة حاصبيا الدرزية بعد إشهار »الحرم الديني« بوجه المتعاملين مع اسرائيل، فضلا عن تعاظم ظاهرة فقدان ثقة الاحتلال بضباط وعناصر »الجنوبي« (نموذج الاعتقالات التي طالت هؤلاء بعد اغتيال ايريز غيرشتاين في القطاع الشرقي). وتقول قيادة »الجنوبي« ان عدد قتلى الميليشيات الحدودية منذ العام 1983 حتى الآن قد بلغ حوالى اربعمئة قتيل وتجاوز عدد الجرحى ألفا وخمسمئة جريح بينهم ما يزيد عن مئة حالة اعاقة دائمة، ولا تشمل هذه الاحصاءات خسائر ما قبل العام 83 ولا أعداد الفارين او الذين نجحت المقاومة بأسرهم من داخل المنطقة المحتلة. واذا كانت مسألة البدايات الاولى لنشوء »الجنوبي« قد تغذت من خصوصيات الاقضية الجنوبية الاربعة المحتلة (بنت جبيل: استقى »الجنوبي« حضوره من خلال الانقسامات السياسية التي شهدتها المنطقة عشية اجتياح العام 1978. مرجعيون: التماس المباشر مع اسرائيل خصوصا القرى المسيحية. حاصبيا: استقى »الجنوبي« حضوره على قاعدة رفض »الغريب« عن ابناء المنطقة. جزين: التهجير من شرق صيدا عام 1985 خلق توترا استفاد منه »الجنوبي« لحث الناس على حمل السلاح لتأمين الحماية وتحقيق العودة).. فإن هذه الخصوصيات قد تراجعت نسبيا وبات المعطى السياسي الامني هو الاساس بدليل اصرار اسرائيل على مد »الجنوبي« بمقومات الاستمرارية. النهاية؟ وتشير الاحصاءات الى ان عدد عناصر »الجنوبي« وصل في مطلع العام 1999 الى حوالى ثلاثة آلاف وخمسمئة ضابط وعنصر، ويصل راتب العنصر الواحد من هؤلاء الى حدود ثمانمئة دولار اميركي، بينما يصل راتب الضابط الى حوالى ألف ومئتي دولار اميركي على الأقل. والأسئلة المطروحة اليوم: هل تفكيك »الجنوبي« هو تفكيك امني ام هو تفكيك سياسي ام اقتصادي واجتماعي ونفسي وقانوني، وهل هو قرار تملكه المقاومة وحدها ام بيد الاطراف الاربعة: اسرائيل، سوريا، الدولة اللبنانية والمقاومة، وماذا يعني قرار تجميد اقتراح القانون المقدم من كتلة نواب »حزب الله« والقاضي بإضافة مادة الى قانون العقوبات يعفى بموجبها من العقوبة عناصر »الجنوبي« الذين يسلمون أنفسهم طوعا للدولة اللبنانية خلال ثلاثة اشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، ولماذا لا يحال للجان المشتركة لمناقشته ومن ثم الى الهيئة العامة للمجلس النيابي، وهل اصبح »الجنوبي« من »حواضر البيت« يستخدمه المقاومون في حالات »تقطيع الوقت والرسائل الاقليمية الداعية للتهدئة«.في هذا الملف تسلط »السفير« الضوء على »الجنوبي« من خلال حوارين مع نائب أمين عام »حزب الله« الشيخ نعيم قاسم والسفير السابق سيمون كرم، محاولةً عكس وجهة النظر الاسرائيلية ازاء »الجنوبي« حاضرا ومستقبلا.