لا تختلف تقاليد العرس الكردي وطقوسه كثيرا عن تقاليد شعوب المنطقة المجاورة لكردستان تركيا، التي نزح منها أكراد لبنان. إذ يشترك غالبية رجالها في كونهم المرجعية التي تتخذ القرار في شأن تزويج بناتها، ان في تحديد شروط الزواج أو قيمة المهر أو في ترتيبات الزواج الأخرى التي تختلف عن شروط الزيجات الحالية. مراسيم الخطبة يتذكر محمد كيف شكلت عائلته وفدا من رجالها ووجهاء بلدته »معصرتي« لخطبة عروس ابنهم محمد منذ أكثر من خمسين عاما. لم ير محمد عروسه قبل الخطبة، لا سيما أنها من بلدة أخرى: »إذ حين ذهبنا الى بيتها رأيتها للحظات وهي تقدم القهوة جريا على العادة المتبعة في التعارف«. تضيف زوجته مريم (65 عاما) المتشحة بالحياء كمن تُخطَب للتو: »لم أكن أعرفه، إذ كان يتم تدبير الزواج بين نساء العائلتين وغالبا ما يؤثر اتفاقهن على مجريات الأمور«. يلتفت محمد، الذي يؤكد وقوعه في حب عروسه منذ اللحظة الأولى وتحمس لخطبتها، الى زوجته كمن يطلب اعترافا مماثلا، لكن، من دون جدوى!! إذ بقيت مريم على حيائها كمن يحفظ عذرية دائمة. لكن حين تتذكر مريم تفاصيل العرس يشرق وجهها، ثم تقول: »ثياب العروس من مسؤولية أهلها عند الخطبة، فيما يحضر أهل العريس »التلبيسة« وهي مصاغ مؤلف من عقد ذهبي وأقراط يتشابه تصميمها عند جميع العرائس وتتميز بطابع كردي صرف«. الأفضلية لابن العم تختلف حكاية الحاجة بسنة حسين (80 عاما) التي تسكن حاليا في بيروت عن حكاية مريم. فبسنة تزوجت من الشخص الذي أحبته: »كان ابن عمي، وكنا نتبادل النظرات قبل الخطبة، لكن لا نجرؤ على التحدث مع بعضنا، فهذا عيب ومناف لتقاليدنا. من حسن الحظ ان عاداتنا تعطي أفضلية لابن العم على سواه في الزواج من ابنة عمه«. لكن حين رفضت الحاجة مجيدة (70 عاما) الزواج من ابن عمها لأنها لا تحبه، خطفها. شدني من شعري فتقطعت جدائل شعري بين يديه، ما لبث أن أفلتني بعد أيام بعدما اشتكى أهلي عليه. »بقيت لسنوات طويلة من دون زواج، لكن ما لبثت ان تزوجت من ابن عمي على مضض إذ لم يكن لديّ خيار آخر«. لم تغفر الحاجة مجيدة لزوجها أبدا، وبقيت صورة جدائل شعرها المتقطعة بين يديه تثير في نفسها الحزن، »فالجرح لم يندمل بعد«!! تقاليد العرس تختلط ذكرى »العرس الكردي« مع ذاكرة المجازر والاضطهاد عند الحاجة بسنة، مما يجعل صور العرس باهتة ومترجرجة أحيانا. إذ غالبا ما كانت تتوقف عن الحديث عن العرس لتروي حكاية القمع اليومية التي عاشتها وأبناء بلدتها على يد العسكر التركي. »يستمر العرس سبعة أيام بلياليها« تقول بسنة، ثم تسهب في الحديث عن بلدتها »مرجة« الواقعة جنوبي شرقي تركيا حين تتذكر ساحة البلدة حيث تقام الأعراس وتُذبح الخرفان والعجول التي كان »يطبخ لحمها مع البرغل والشعيرية، وهو الصنف الشائع في الأعراس«. ثم تصف بسنة »الحبال التي تعلق قبل يومين من ليلة الدخلة متشابكة في بيت العروس وينشر »جهاز العروس« عليها لتراه نساء البلدة. يسمى هذا اليوم ب»يوم رْحَّل«، وتوزع العروس فيه »صررا صغيرة تحوي علكة المسك ودزينة من ابر الخياطة« لكل متفرجة. فيما »تنقّط« المتفرجات العروس ببعض الهدايا كقطعة قماش مثلا أو مبلغ من المال. يُشترى »الجهاز« بجزء من المهر ويحتفظ الأب بالجزء الأكبر منه«. تصف مريم ثوب الزفاف وعيناها تتلألآن فيما تستخدم يديها في شرح أدق تفاصيل الثوب: »يكون ثوب العرس ملونا بألوان فاقعة، وهو عبارة عن فستان طويل من الحرير أو الساتان. أما خصرها فيُلَف بكمر يوضع تحته »بشت عجمي« يشبه سجادة صغيرة مثلثة من الصوف، وتضع العروس على رأسها منديلا ملونا حوله »لفاحة استانبولي« مزينة بالأزهار أو بعقد ذهبي يتدلى على جبينها. عادة ما ترتدي العروس تحت ثوبها سروالاً مزموماً عند الكاحل، وتنتعل حذاءً أسود مطرزا بخيوط بنية أو زرقاء يسمونه »دفادرزي«. في ليلة الدخلة، يضعون منديلا شفافا على وجه العروس قبل أن تركب »الفرس المزينة التي تدور بها في أطراف البلدة قبل انتقالها الى منزل عريسها«. »البشت« و»اللفاحة الاستانبولي« و»الحذاء« هدية ملزمة يقدمها العريس لعروسه. أحيانا يركّب أهل العريس سنَّيْن من الذهب للعروس كتكريم أكبر لها. في هذه الحالة، يذهب العريس مع عروسه بصحبة أهله لتركيب السنَّيْن في »معصرتي«. في ليلة الحنّاء، التي تسبق ليلة الدخلة، وتسمى بالكردي »شْفا حني« تقول بسنة: »يحضر أهل العريس عجينة الحنّاء في »طشت« كبير مزين بالشموع المضاءة. توزع عجينة الحنّاء قطعا صغيرة على الحاضرات اللواتي يكنّ عادة من أقرب الأقرباء والصديقات، فيما تحنَّى قدما العروس وكفاها وشعرها، يصاحب هذا الطقس »نقوط« يُقدَّم للعروس. ماذا يحدث ليلة الدخلة؟ »كانت العادة حين يحضر أهل العريس لأخذ العروس الى عريسها أن يقف أخو العروس الأكبر بالباب ويرفض إخراجها«؛ تقول مريم، ثم تضيف شارحة: »كان يتحتم على أهل العريس أن يقدموا هدية للأخ لاسترضائه وتسمى »هدية الباب«، وغالبا ما تكون »مسدسا« أو »رشاشا« وأحيانا مبلغا من المال«. حين تؤخذ العروس إلى منزل عريسها، تصدح أم العريس أو إحدى قريباته بالزغاريد، تسبقها مواويل كردية تلازم لحظة الانتقال؛ كأن تقول مثلاً لأهل العروس: »مْداواه بوش وبلاش مابر بوكا بلاش«، أي: أعطيناكم »مصاري مثل قش وأخذنا العروس »ببلاش«. أو »مداواه حريا جالا وما برجنا مالا«، أي: أعطيناكم وحل (وحلاً) وأخذنا سيدة منزل محترمة«. في هذه الأثناء تكون العروس غارقة في البكاء على فراق أهلها!! حدثتنا الحاجة مجيدة عن عادة يحرص أهل العريس بموجبها »على سرقة شيء من بيت أهل العروس حين يذهبون لأخذها كالملاعق أو فناجين القهوة، يرمونها في طريقهم، الى منزل العريس كدلالة على تفوق العريس على عروسه. لذا، يحرص أهل العروس على إقفال المطبخ وغرف المنزل، ويُعتبر هذا الطقس نوعا من »التزريك« يمارسه عن محبة وبمرح أهل العريس على أهل العروس!! »حين تصبح العروس في منزل عريسها«، تشرح بسنة، »تنتظر والدة العروس والعريس بالباب الى حين يدخل العريس على عروسه ثم يخرج بقطعة قماش ملوثة بالدم يطلق عليها اسم »بياض الوجه«. ثم تستدرك قائلة: »يلي هذا التقليد إطلاق الرصاص في الهواء ابتهاجا مصحوبا بزغاريد النساء«، ثم تضيف بسنة: »تُعرض »بياض الوجه« في اليوم التالي على المهنئين، وتحتفظ بها العروس طيلة حياتها بوصفها دلالة على شرفها المصان«!! بخلاف أعراس الأكراد التي تقام حاليا تبعا لمراسيم زواج مستحدثة، يتميز العرس الكردي القديم بالدبكات والرقصات التي تقام طيلة الأيام السبعة، والتي ما زال بعضها معمولاً به حتى الآن. تعتبر »الدبكة الكورمانجية« الأكثر شيوعا في الماضي وفي الحاضر، وتستمر لأكثر من ثلاث ساعات متواصلة حيث تتشابك الأيدي وتتلاصق أكتاف الصبايا والفتيان وتهتز على إيقاع »الدف الكبير« أو »الداهول« وموسيقى الطمبور وهو آلة وترية تشبه البزق. أما »البلور« والذي يشبه »الزمور« ويسمى أحيانا »الزرناية« فيعطي للنغمات حنينها ورهافتها. ما تزال الأعراس الكردية في كردستان تركيا تضفي على القرى الكردية أجواء فرح، ما تلبث ان تبددها بين الحين والآخر اعتقالات هنا ومجازر هناك، ينتقل معها الأكراد من أنغام الموسيقى وإيقاع الدبكات الى أزيز الرصاص وهدير للدبابات يقتحم هناءهم. لذا، غالبا ما يختلط في أغانيهم الحزن بالفرح، والدمع بالضحكات، ويتطاير من وقع أقدامهم غضب عتيق.