تبدأ يوم الجمعة المقبل فاعليات ثقافية خاصة بالاطفال، في النادي الثقافي العربي، الخامسة بعد الظهر، على ان تستمر على مدى أيام متتالية، في مناسبة 25 سنة على بداية انشطة الاطفال فيه. هنا تحقيق عن مسرح الأطفال في المناسبة. بدأت تجربة مسرح الاطفال في حقبتها الاخيرة، بين أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، من وضوح الرؤية بطريقة شبه تامة، في لحظة استثنائية. لقد علمت التجارب السابقة في مسرح الأطفال مع جوزف فاخوري تحديدا، لقد علمتنا ان نكون نقديين تجاهها وان نعمل في ظل النقد لها، ذلك الذي حصلناه خطوة خطوة. لم يبدأ المسرح من جراء ذلك، نشاطا ذا تكاليف باهظة ولا يمكن تحويله الى مصدر دخل للدولة مثل مصانع الانتاج. هذا هراء خالص، قالت تجربة مسرح الاطفال، من تمرد اصحابها على منطق الدولة وعلاقتها بالثقافة ومن تواصلهم مع فروع التجربة العالمية، وبالاخص البولونية والفرنسية، في طروحاتها المتنوعة. لم تظلل الاوهام الكبيرة التجربة. جاءت انطلاقتها حية وحيوية ومليئة بالاسئلة والخيال، الذي طالما أدى الى الوصول الى عروض جماهيرية، ولكنها على الرغم من ذلك لم تخل من اثر جمالي ترسخ و حلول تشكيلية ولا من تغليب منطق الوظيفية في المسرحيات، بدل التزيين. وبمستطاعنا القول بعد عشرات السنوات، على المرحلة الاخيرة في التجربة، انها انطلقت واثقة وحيية في آن، مع فرقة »السنابل« وفرقة صندوق الفرجة. ثم مع مجموعة من الفرق الاخرى، التي استدرجها وهج عروض الفرقتين الاولين للحضور في مساحات عروض الاطفال التي ازدهرت وشهدت نهضة لافتة في السبعينيات وبداية الثمانينيات. كأن مسرح الاطفال قطاع خدمات ثقافية. هكذا بدا، في تلك الحقبة اللاهبة بالاحداث الامنية والعسكرية والاسئلة والطروحات السياسية. قطاع يقترب من قطاع التعليم ويبتعد عنه في الوقت نفسه. ثم ان الواقع والحلم تآلفا لكي يشكلا طموحا بانتاج مسرحي راق ومشرف، ليس بهدف المفاخرة به، بل بهدف تثبيته كشكل تعبيري لا يعتبر في لحظة صنفا ساقطا او راسبا في امتحانات مسرح الكبار. ولكن وعلى الرغم من وعي هذه النقطة الحساسة، قدمت تجربة مسرح الاطفال في لبنان على مدى عشر سنوات تقريبا (1975 1983) إنتاجا مسرحيا راقيا ومشرفا، نقدر ان نفاخر به كلما تذكرناه. ليست هذه نقطة عابرة في سجلات مسرحنا، بل هي سند يمكن الركون اليه في كل حكاية تدوين جديدة. هكذا، تبدأ المغامرة من جديد، كلما بدأت، من نقطة متقدمة وليس من منطقة الصفر الجليدي المرعبة. حصاد لا يمكن انكاره، تجاورت فيه المعرفة المعمقة بالتنفيذ والهواية بالفطرية وبعض اللمسات البيروقراطية بهيجان حرية واسعة، طرقت كافة الابواب المتاحة وفتحتها على مصارعها، بكلام لا علاقة له بأي إنشاء دارج. أحسب ان نجلا جريصاتي خوري وغازي مكداشي، ساهما في إرساء أسس نهضة مسرحية بدت طيفا منذ آونة. وهي استدرجت آخرين الى مصهر التجربة الاكبر، الذي كاد يختنق في وقت من الأوقات بالعديد الكبير من الفرق التي عملت فيه. جرأة شاعت الجرأة في التعامل، مع ما شاع من ضرورة تقديم التعبير على الشكل. غير ان الاشكال المستخدمة جاءت في منحى تعبيري واضح في مجملها، مما حول اشكالها بطريقة آلية غير حسابية الى إشكال تعبير متقدمة. وأظن، ان التجربة تكونت بعيدا من المنطلقات الفاسدة، من التقاء لحظة التفكير بها بمشروع سياسي تغييري كبير، تمثل في تلك الآونة بما طرحته الحركة الوطنية اللبنانية. انهارت قوى الضبط الثقافي القديمة، التي قادت جماعة من المثقفين والفنانين اللبنانيين الى الخدمة الثقافية العسكرية، تجربة واجهتها فئات بالارتداد الى التراث الشعبي باعتباره مادة حيوية وحية، ولو حصرته القوى القديمة في »خانة التراث«. وهي خانة مخصصة بالفنون ذات المعدلات المنخفضة. وواجهتها فئات اخرى بالمنتج او المؤلف، الذي لم يجد مطرحه قبلا. دولة عالمثالثية، هي لبنان، يعمل مبدعوها في منأى عن اعتبارات الربح والخسارة، في منطق طالما رفض ضمنا، هو منطق المبادرة الفردية. لن يحرم المشاهد الطفل، بعد، من التمتع بعروض مسرحية كلاسيكية او حداثية او بين بين او بعروض تقع في منطق اقتصاد السوق او سوق الاستهلاك التي تجد دائما متسعا لها حتى في الغابات التجريبية الواسعة النطاق. وبأسعار في متناول اليد. احلام شباب وهواة ومحترفين وأشباه محترفين قائمة طويلة ألفت قطاعا حقيقيا لم تخلُ عروضه من القيم الادبية بغير معنى الأدب في الكتابة. ذلك ان الأدب المقصود، هو مزيج من مكتوب ومتصور. الذاكرة لعبت دورا، في استلهامها ونقضها. بلغ الاقبال الجماهيري حدا لم يتصوره احد من قبل. واشتغلت التغطيات الصحافية، التي تقصت جوانب التجربة النظرية والعملية والحلمية والبراغماتية. أقيمت مهرجانات ولجان خاصة بأنشطة الاطفال، لم تكن الا خطوة نحو عمل أكثر جدية. برز هنا اسم عمل في الظل دائما، هو مهى نعمة. وبدأ السعي الى إنشاء مسرح وطني دائم للاطفال في خطة غائمة الملامح الى هذا الحد او ذاك. ذاكرة لم ينسَ العاملون في تجربة مسرح الاطفال الجديدة، من سبقهم الى العمل فيها، من موريس معلوف الى كميل سلامة وشوشو في مسرحه الدائم الاول العام 1971، حيث قدم »الشاطر شوشو« و»العم شوشو« و»شوشو الساحر« مع برج فازليان وفارس يواكيم ومحمد شامل. و»فرقة فاخوري للدمى المتحركة، التي بدأت عملها في التلفزيون، حيث قدمت برامج اسبوعية، قبل ان تنصرف الى تقديم أعمالها على مسارح المدارس الخاصة والرسمية في بيروت وطرابلس وزحلة، آخر ما قامت به تسجيل 13 حلقة للمركز التربوي التلفزيون التربوي بعنوان »قرية الدمى«. جوزيف وكارولين فاخوري وأولادهما كفاح وجناح وفلاح وصلاح، الفوا فرقة طبعت أماسي اللبناني بأطباعها التعليمية. ثم »مسرح شكيب خوري«، حيث قدم خوري »الكوخ المسحور« عام 1973 على مسرح بعلبك القنطاري (تأليف مادج ميلر وليليان وروبرت ماسترز. ألحان بول مطر) و»علاء الدين والمصباح السحري« عام 1975 (لم تعرض المسرحية بسبب بداية الحرب الاهلية في لبنان). تجارب قليلة، اذا ما قورنت بالتجارب الكثيرة التي انطلقت إثر بداية الحرب الاهلية في لبنان، من فرقة »السنابل« الى »فرقة صندوق الفرجة« و»مسرح ميلاد داوود« و»فرقة المسرح الدائم« و»مسرح ناجي شامل« وعروض شادن فتح الله والمسرح الايمائي مع فائق حميصي وفرقة الغدير وفرقة الفراشة ومسرح بول مطر وفرقة اطفال النادي الثقافي العربي وفرقة الكتاكيت وفرقة العصرية وعشرات الفرق الهاوية الاخرى. لم يستصغر احد الدور المنوط به ولم يستهوله. كان لافتا ان احدا لم يرد البطولة المطلقة في المساحة التجريبية الجديدة. وقفت التجارب الجديدة كلها فوق منصة واحدة، قبل ان تفضي هذه التجارب الى مجموعة من المنصات الباحثة والحالمة. عرض واحد يكفي لإثبات ذلك. عرض واحد فقط، يثبت صحة ذلك، بل اننا ما نزال نعيش على انتاج الاعوام السابقة، ونتعثر حين نصر على استنهاض التجربة القديمة بالقسر. فجزء من اهمية التجربة الماضية، انها قامت من ظروفها المناسبة، حتى انها استدعت اليها كبار الكتاب والمخرجين والمهنيين في تجربة المسرح اللبناني. لقد حلم روجيه عساف، على سبيل المثال، بمسرحية رمضانية للأطفال. بيد ان حلمه لم يتحقق بسبب تسارع الاحداث وتطورها ومن انهماكه في تجربة فرقة الحكواتي اللبنانية. شيوخ المسرح أصبحوا أطفالا في ليلة قمرية مضيئة من ليالي التجربة الجديدة الممتازة. عبرت التجربة هنا، في تعددها، لمرة اخرى، عن التعدد والتنوع في لبنان. الا انها لم تكن موزايكية الحضور، بل شاشة عريضة تمر عليها الانتاجات المتصلة والمتقاطعة المستسلمة والمتبرمة. هل نحتاج هنا الى القول مجددا بأن جزءا أساسيا من أهمية التجربة، من زاوية اخرى، قام على تداخل المعرفة بالنشاط الجمالي الابداعي. ان ذلك يقع في خانة تحصيل الحاصل، من الاسماء العاملة في التجربة الجديدة من نجلا جريصاتي خوري الى غازي مكداشي وبول مطر وغازي قهوجي. لقد قدموا فنا يجمع بين الفنون، معليا شأن المشهد في تألفه من الكلمة التي لا غنى عنها للحركة ومن الحركة التي لا غنى عنها للكلمة. انشغالاتهم المتنوعة والمتطورة، شكلت بانوراماهم الاكيدة وطرحت اختلافاتهم على بساط توليد الاشكال والمتع. صحيح ان ثمة تفاوتا خلاقا بين تجربة واخرى. الا ان الصحيح ايضا، ان هذا التفاوت شكل جزءا من رأسمال التجربة. لأن الفرق قرأت تجارب بعضها نقديا، وهي تقف في المساحة عينها. »صندوق الفرجة« نجلا جريصاتي خوري وفرقة »صندوق الفرجة« قدمتا أول أعمالهما في إطار تجريبي بحثي حار. »مين سرق الحنطة« كسرت صندوق الدمى التقليدي (الكاستوليه) وحددت الفرق بين دمية الكف (غينيول) ودمية الخيطان (ماريونيت)، بعد ان شاع في مدد طويلة ان الدمية مهما كانت هي ماريونيت. ثم ان نجلا جريصاتي، اقترحت وقوف ممثل حكواتي، يتحول في لحظة من اللحظات الى جزء من العرض حين يتحول الى أداء هو صورة طبق الأصل عن آداء الدمية. استفادت نجلا جريصاتي خوري من التجربة البولونية. لم تخفِ ذلك واستفادت من تجربة الفرنسي دني بوردا، الذي زار لبنان والفرقة في فترة الحرب الاهلية اللبنانية. مهى نعمة، استلهمت تجربة كاترين داستي الفرنسية، التي اقترحت ان يبني الاطفال منصتهم. غادرت داستي قناعاتها، حين وصلت الى خلاصة دراماتيكية تقول بأن الاطفال هم أقل الاشخاص حيلة في العمل المسرحي، في حين استمرت مهى نعمة في العمل مع الاطفال في »عيد العصفورة« و»بدو يكبر سالم«. شاركتها نجلا جريصاتي التجربة الاولى، قبل ان تذهب في تجربتها الخاصة. أثمرت تجربة النادي الثقافي العربي مجموعة من الكفاءات في مقدمهم كريم دكروب وثلة عريضة تألفت من منى مهنا وندى سحاب وزويا غصن وعزة ضاوي وميا قباني وسلام الموسوي ومايا مكاوي ورنا الفتى وحماد وغياث السيوفي. بعضهم لم تعد له علاقة، والبعض الآخر لا يزال يعمل في تجربة المسرح. بول مطر، طرح مصوغ الحكواتي في »رحلة الاحلام«. وقدم فائق حيص في إيمائياته طروحاته العربية المتقدمة، في العمل على الكف وتراث الصفاعنة والميامس والاشاعبة والكرجيين. وغلبت فرقة »السنابل« الموضوعات الانسانية وحضور الاغنية المتقدمة في نبرتها الموسيقية، بعيدا من »اعادة انتاج الايديولوجيا السائدة«. حاجات مادية لم يطرح احد الحاجة المادية، ولم تقترح تعديلات على لوائح الاجور بطرق جذرية او بسيطة، لان اللوائح لم تكن موجودة في الأصل. فالتدريبات تصل الليل بالنهار في أحيان، من شغف حقيقي، ومن إيمان كبير. وحين يفرغ الفنانون من انشغالاتهم، يعودون اليها، لأنها ارتبطت بحياتهم اليومية ارتباطا وثيقا لا فكاك منه. لا مناص من الاستعانة بالشباب. هكذا تدفقت افواج الشباب الى التجربة محصلة خبرة، سوف تجدها غنية في سجلات ذكرياتها في ما بعد. وهكذا بدا مسرح الاطفال وكأنه مكتبة أسرة او مسرح الجميع. بنت التجربة قصرا على حافة الحقيقة، في ظل غياب قصور الثقافة وفق خطط دفعت بعض الفرق الى التمرد على مصوغاتها المكتشفة منذ عرض او عرضين، فمن الدمية الى خيال الظل ومن الاغنية الى الايماء، ومن التنشيط الابداعي الى الاعمال والورش الجماعية، ومن المساحة الصغرى الى الانفتاح على أوسع قطاع من الناس والمبدعين على حد سواء. كنا أمام ما يشبه روزنامة ملونة، تتعاقب فصولها بحركة طبيعية مغنية المشاهد بشكل أكيد. بلغت العروض ذروتها في فترة ما قبل الاجتياح الاسرائيلي للبنان العام 1982، ثم تلاشت قبل ان تنطفئ مع نتائج الاجتياح الاسرائيلي، تلك التي تمثلت في تأجيج النزوع الطائفي والمذهبة واستعار الحروب الصغيرة. مات كميل بركة مقتولا في مشغرة. مزقته الفراعات، قبل ان توضع قطع جسده الصغير في أكياس نايلون وترمى خارج المدينة، التي حاول ان يصلح بين اطرافها المتقاتلة مع جماعة اتسمت بالطوباوية. صورة مروعة، ساهمت مع صور اخرى، بهجرة البعض وانكفاء البعض او غيابه. لقد أخفت اصوات الاقتتال، اشكال التعبير. لم يعد ثمة من صوت الا صوت الموت. تلا ذلك، نهوض القوى الراديكالية، التي أنذرت بنهاية المرحلة الكوسموبوليتية في بيروت. المرحلة التي ساهمت وأعطت وأغنت التجربة الثقافية في لبنان. وفي ظل غياب التعدد والتنوع و القسمة والتناثر، لم يعد ثمة من مبرر لاستمرارها. اختفت التجربة وأبطالها في طرفة عين، ماتت العاصمة، وتدفقت الأقاليم والقرى اليها لتساهم في اسطورة الاحتراب اللبنانية المستمرة منذ بدايات التاريخ، على ما يقال مبالغة. اضحى اللبنانيون تحت سماء هشة، يخشون سقوطها على رؤوسهم في أية لحظة. فر من فر ومات من مات ونجا من نجا. بيد ان الخفايا المكبوتة لمّا تزل قادرة على رسم عالم من الدهشة ، اذا ما سلطت الاضواء عليها. باعتبار ان تجربة مسرح الاطفال المهمشة او المنطفئة ما زالت حاضرة في النفوس، اكثر بكثير من حضورها في ظلمات النفس. فهي إنجاز مستمر، لأنه تألف من غمار حال فوارة انضبطت في امتزاج التماهي بالواقع بالمباعدة او التغريب، وامتزج فيها الحياتي بالفني والثقافي والمعيوش والراهن بما ليس راهنا. حسب مسرح الاطفال انه بقي يبحث عن الحرية، حرية اشخاصه وحرية الناس الذين وجدوا فيه عقدة اضافية من عقد الانتاجات التي زادت معرفة النفس بالنفس وأفضت الى انواع من المتع المشوبة بالهواجس الفعلية. لحظاتها الاولى حملت وهجا ناريا، لم يلبث ان خبا قليلا قبل ان يخبو تماما بسبب انئسار بعض التجربة في قوالب شبه تقليدية، ومن الانقلاب السياسي العسكري الكبير، الذي جرت وقائعه العام 1982 في لبنان وبيروت تحديدا. لم تكتمل اللحظة العارمة. الا ان الكلام هذا سوف يبقى ممسوكا ومسبوقا بأفكار قيام التجربة: حرية التعبير والوصول من خلالها الى اشكال تعبيرية متقدمة. أضحت تجربة على الرغم من كل شيء. والتجارب كما هو معروف، صاحبة خلفيات وامتدادات وتركات وأصحاب وورثة وذكرى وذكريات وذاكرة. أي ما لا يمكن ان يمحى بسهولة. الأبرز: سقوط الرمز والدلالة الرمزية غالبا، بدون الوقوع في المباشرة الا في أوقات قليلة. كسر حال المركزية، بحيث قدمت الفرق في كافة المناطق اللبنانية، في الساحات العامة وفي قاعات النوادي والمستوصفات وفي البؤر الرملية وفي ظل أوضاع عسكرية معقدة في أوقات كثيرة. اختبار التراثي والشفاهي والحكاية الشعبية والنصوص المكتوبة. ربط اخراج بعض العروض بأمكنة عرضها. حضور الاختبارية. قصد الجمهور، بالتوجه الى شرائح اجتماعية معينة. اختلاف طبيعة العروض. مساءلة الدمية على صعيد الحجم والنوع والوظيفة. طرح اسئلة لغوية معقدة وصعبة بطريقة بسيطة. تشكيل بانوراما غير متواضعة لتاريخ غير بسيط من تاريخ لبنان في منأى عن مفاهيم الهيمنة والتسلط والانشطار والشيزوفرانيا. لأنها طمحت دائما الى حضور الآخر فيها والى انوجادها في الآخر، كائنا من يكون. بلورت كل ثنائيات التناقض، بعد ان أحيتها في حركة مرصودة. اليوم تقف تجربة مسرح الاطفال اليوم عند حدود الادوار الجديدة للدولة. ثمة فرق استمرت ك»السنابل« وفرقة »صندوق الفرجة« في ظلياتها وبول مطر ومهى نعمة. وثمة من أحال نفسه على التقاعد. غير ان قواها التعبيرية، لا تزال تخولها الثبات الاكيد في فيترينة الاشكال الثقافية الجديدة، التي تنتظر تبلور ظروف جديدة، لتعود. لم تكن خرافة ولم تضحٍ خرافة. أضحت هماً حقيقيا في مدى تعبيري لا يزال يهدر بغير ضجيج بعيدا من الضفاف التقليدية. جاءت تجربة مسرح الاطفال (فرقة السنابل قدمت وحدها: زنبق والجبل، الغراب الاسود، بدنا الشمس، السمكة الفضية، البيضة الذهبية، صابر والعيد، فراس والدولاب الفصيح. مع اسماء: أحمد قعبور وعبيدو باشا وحسن ضاهر.. ريبرتوار كبير لا يزال مستمرا حتى اليوم. قدمت صندوق الفرجة »مين سرق الحنطة« و»الديك والعروس« و»الحج برغوت«... وهي تحتفل اليوم بذكرى مرور عشرين سنة على بداياتها...) جاءت تجربة مسرح الاطفال كواحدة من تعابير لقاء مشروع سياسي تغييري كبير بطموح أفراد وجماعات جديدة او متخمرة في العمل السياسي. لقد خرقت مع تجربة الاغنية السياسية وتجربة المسرح الجديد والفن الشكيلي الجديد، انضباط الاسيجة التقليدية، تحت سقوف سياسة الدولة السياسية والاجتماعية. المعادلة الجديدة بسيطة: تفجر الصراع خلق هوامش اضافية وهزيمة القوى في مرحلة نهوض مسرح الاطفال ، عنى هزيمة التجربة. وما غيابها اليوم سوى نذير مؤسف. ذلك ان عودة تجربة مسرح الاطفال رهن بتغير الظروف.