As Safir Logo
المصدر:

الملفات المفتوحة تطرح مجدداً مسألة تضارب التفسيرات حول المادتين 39 و40 دستور رفع الحصانة يعود إلى الواجهة مع نهاية أيار

المؤلف: زين احمد التاريخ: 1999-05-12 رقم العدد:8292

يعيد فتح الملفات التي وضع القضاء يده عليها في الأشهر والأسابيع الأخيرة مبدأ الحصانة النيابية وحدودها الى الواجهة من جديد باعتبار ان أكثر من وزير سابق من بين النواب الحاليين معني بشكل من الاشكال بهذه الملفات المرجّح ان يتزايد عددها مع الوقت لتشمل آخرين من غير الواردة اسماؤهم في الملفات المفتوحة حتى الآن. ولعل ما ساهم في إعادة الحديث عن حدود الحصانة النيابية ما تناقلته بعض الاوساط السياسية في مطلع الأسبوع الحالي من اشاعات تركزت في جوهرها حول الربط بين انتهاء الدورة العادية الأولى لمجلس النواب بنهاية شهر أيار الحالي وسقوط مبدأ الحصانة حتى افتتاح الدورة العادية الثانية للمجلس في التاسع عشر من تشرين الأول المقبل او حتى صدور مرسوم يقضي بافتتاح دورة استثنائية لمجلس النواب. وتطرح »هذه الاشاعات« التي يحرص البعض على اعطائها »شيئاً من الصحة« مسألة قديمة جديدة تتعلق بتضارب التفسيرات حول المادتين 39 و40 من الدستور إذ ان المادة الأولى حصرت الحصانة باستمرار مدة النيابة لجهة الدعاوى الجزائية »بسبب الآراء والافكار« التي يبديها النائب. اما المادة الثانية فنصّت على عدم جواز اتخاذ اجراءات جزائية بحق النائب »اثناء دور الانعقاد« إلا في حال توافر واحد من شرطين: التلبس بالجرم المشهود او اذن مجلس النواب. ورغم اعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري في مرات سابقة تفسيره القائل بأن انتهاء دورة الانعقاد لا يوقف استمرار الحصانة وتأييد الأكثرية النيابية لهذا التفسير فإن جهات حقوقية رأت العكس ومنها الدكتور بهيج طبارة اثناء توليه حقيبة وزارة العدل في حكومة الرئيس رفيق الحريري السابقة. وهذا ما يمكن ان يساهم في إعادة اثارة مسألة التنازع بين المادتين 39 و40 دستور مجدداً في وقت قريب وتحديداً مع انتهاء الدورة العادية الأولى لمجلس النواب. والحقيقة ان الذين يربطون بين استمرار الحصانة ودورة الانعقاد لمجلس النواب لا ينطلقون في رأيهم من دون اسناد فمعظم هؤلاء يستحضر ما في العالم على هذا الصعيد لينتقي ما يدعم موقفه منه ويتوقف عند محطة يعتبرها اساسية تتلخص في ان الدستور اللبناني استنبط احكامه من دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا والمادة 39 من الدستور اللبناني ليست إلا ترجمة حرفية للمادة 13 من دستور تلك الجمهورية الصادر سنة 1875 التي جاء نصها كالآتي: »لا تجوز اقامة دعوى جزائية على أي عضو من اعضاء المجلس بسبب الآراء والافكار التي يبديها اثناء ممارسته عمله. ويخلص هذا الفريق الى القول ان المادة 39 من الدستور اللبناني هي ترجمة حرفية لما جاء في نص المادة 13 من الدستور الفرنسي باستثناء كلمة واحدة هي الأخيرة إذ ان الدستور اللبناني أبدل كلمة »عمله« بكلمة »مدة نيابته« ويرى ان الكلمتين لا تختلفان في المعنى، وإذا ما اعتمدت الدقة المتناهية فيظهر من سياق تسلسل المادتين ان هناك خطأ في الترجمة ليس إلا. ويخلص هؤلاء الى القول إن »عمل النائب« لا يكون إلا اثناء دورات المجلس حتى ان بعضهم يتوسع في اجتهاده ليرى ان كل ما يقوم به النائب او يصدر عنه في خارج المجلس لا تشمله الحصانة معتبراً ان »عمل« النائب لا يكون إلا في حرم مجلس النواب. وبصرف النظر عن مناقشة الحيثيات التي يستند اليها دعاة الربط بين استمرار الحصانة النيابية والفترة التي يكون فيها المجلس في دور انعقاد يمكن القول إن الدستور اللبناني قد حسم هذه المسأة بجزم ووضوح مما يجعل حتى طرح الموضوع للمناقشة غير ذي جدوى. ففي جلسة العشرين من أيار سنة 1926، وكانت الجلسة الرابعة التي تمت فيها مناقشة الدستور اللبناني عند وضعه لأول مرة، طرحت المادة 39 وفق النص الآتي: »لا تجوز اقامة دعوى جزائية على أي عضو من اعضاء البرلمان بسبب الآراء والافكار التي يبديها اثناء قيامه بالوظيفة«. فسأل النائب يوسف الخازن: ماذا يقصد ب»أثناء قيامه بالوظيفة«؟ وردّ النائب شبل دموس بالقول: مثلاً لو رأى شركة مضرّة بمصالح البلاد وقال انها مغارة لصوص فلا يجوز لها مقاضاته. وهنا عاد الخازن ليسأل: هل ذلك وهو في المجلس او في خارجه أيضاً؟ فقال ممثل المندوب الفرنسي سوشييه: »المقصود مدة نيابته اينما كان« واقترح دموس ترك المادة لإعداد نص آخر لها وكذلك بالنسبة للمادة 40. وفي جلسة 22 أيار عاد المجلس لمناقشة »المواد التي كانت ما تزال معلقة« فأقرّ المادة 39 بعد تعديلها وفق ما اوضحه الممثل الفرنسي سوشييه وذلك بإبدال عبارة »اثناء قيامه بالوظيفة« بعبارة »مدة نيابته« أي كما اقترح وفسّر سوشييه في جلسة العشرين من أيار. وهذا ما هو مثبت في مناقشات الدستور اللبناني وتعديلاته الصادر عن المديرية العامة للدراسات والابحاث في مجلس النواب سنة 1993 وكذلك في محاضر مجلس النواب. وبهذا تصبح نية المشترع واضحة بالنسبة لشمول الحصانة النيابية »مدة النيابة« كلها بصرف النظر عن فترات انعقاد مجلس النواب وكذلك شمول هذه الحصانة النائب اينما يكون سيان في داخل حرم مجلس النواب أم في خارجه. والجدير بالذكر هنا ان المادة 40 دستور بنصها على التفريق في استمرار الحصانة في دورات الانعقاد وسقوط مبدأ الحصانة في حال عدم وجود دورة انعقاد يعود الى »اتخاذ إجراءات جزائية« والقبض على النائب فقط وهذا ما يتطلب »اقامة الدعوى« أولاً لاتخاذه أي تطبيق المادة 39 أولاً التي اوضحها الممثل الفرنسي جيداً وصادق عليها مجلس النواب وفق ذلك التوضيح وما يمكن قوله هنا ان سوشييه كان يدرك جيداً نص المادة 13 من دستور بلاده لذلك فان ما اوضحه لا بد من أن يكون قد أكد الرغبة وعن سابق تصور وتصميم بالتفريق بين شمولية الحصانة من حيث استمراريتها بالنسبة لدورات انعقاد المجلس في لبنان وعدم شموليتها في فرنسا. وهنا لا بد من اسقاط كل التفسيرات حول المادة 39 دستور التي تستند الى النصوص الفرنسية. لذلك فان النواب التي ترد اسماؤهم في الملفات المفتوحة يستفيدون من استمرار حصانتهم بعد انتهاء الدورة العادية الأولى للمجلس وان لم يتم فتح دورة استثنائية إلا في حال »التلبس بالجريمة أي الجرم المشهود«. ولكن استمرار الحصانة النيابية يطرح تساؤلاً آخر هو الآتي: هل سيكون المجلس مهيأ لإعطاء الاذن برفع الحصانة في حال طلب رفعها؟ على المستوى السياسي يمكن القول ان الموافقة على طلب رفع الحصانة في الهيئة العامة للمجلس متيسر جداً. فالموافقة تكون بالأكثرية النسبية والمجلس يمكن ان ينعقد في حضور 65 نائباً مثلاً لذلك فان تأييد 33 نائباً لطلب الرفع يكون كافياً لاتخاذ القرار. إلا ان المجلس كان وما زال يتعامل مع مسألة رفع الحصانة بمسؤولية كبرى لذلك فمن المرات النادرة التي يتناسى فيها النواب »مواقعهم السياسية« وثاراتهم تكون عند مناقشتهم طلب رفع الحصانة. لذلك عمد المجلس في حالات عديدة الى الاكتفاء بما تقرره »الهيئة المشتركة« التي تتشكل من هيئة مكتب المجلس ولجنة الإدارة والعدل إذا ما جاء القرار ضد إعطاء الاذن بالدفع. ومما لا شك فيه ان قرار الهيئة هذا يكون مبنياً على ما نصت عليه المادة 98 من النظام الداخلي التي تفرض على الهيئة »تقدير جدية الملاحقة« و»التأكد من ان الطلب بعيد عن الغايات الحزبية والسياسية« و»لا يستهدف حرمان النائب من ممارسة عمله النيابي«. لذلك فإن الحصانة التي من المتوقع ان تبرز الى واجهة الاحداث في الأسابيع القليلة المقبلة يمكن اعتبارها محسومة لجهة وجوب طلب رفعها أياً كان حجم الملفات المفتوحة والتي ستفتح. أما اعطاء المجلس الاذن برفعها او رفض الطلب فيبقى متوقفاً على ما يمكن ان يتضمنه لجهة الاقتناع بأن الطلب »بعيد عن الغايات الحزبية والسياسية« بالإضافة الى بقية ما تنص عنه المادة 98 من النظام الداخلي لمجلس النواب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة