جوزيف الرعيدي اسم لشخصية اقتصادية واسم لمؤسسة طباعية، مكانتها المرموقة تتعدى لبنان الى العالمين العربي والخارجي. هذه المؤسسة التي احتفلت العام الماضي بيوبيلها الفضي، أسسها جوزيف الرعيدي وفق منظور مستقبلي، بكثير من التعب والسهر والإتقان والجودة وبشيء من الإقدام والمغامرة. وشغل الرعيدي منصب نقيب لنقابة الطباعة في لبنان لأربع سنوات، وهو رئيس حالي لجمعية إنماء منطقة الجميزة بيروت، وعضو في مجلس إدارة جمعية الصناعيين اللبنانيين، ورئيس لجنة الاتصال بين رجال الأعمال اللبنانيين والمصريين، وعضو فاعل في العديد من الهيئات الاقتصادية والاجتماعية والخيرية. ناشط في كل الميادين، مما أكسبه خبرة ومكانة نادرتين في مجال الصناعة الطباعية والعمل الاجتماعي. وفي ما يأتي نظرة جوزيف الرعيدي الى هذا القطاع الواعد والعريق اقتصادياً. الطباعة اللبنانية تاريخ الطباعة في العالم بدأ في الشرق، ومرّ بالأندلس، قبل أن يصل العام 1450 ميلادية إلى ألمانيا ليصدر غوتنبرغ كتاب الثورة باللاتينية. فالأبجدية التي انطلقت من سواحل فينيقيا، مهدت الطريق لسكان مدينة بابل قبل ألف سنة على الميلاد، ليطبعوا القرارات الرسمية على قوالب من الآجر، وانتظر الصينيون ألفاً وستمئة سنة ليستبدلوا الآجر بالخشب. ولكن قبل حوالى مئة سنة على كتاب غوتنبرغ، عرف عرب الأندلس الطبع بواسطة قوالب حجرية. وإذا كان الشرق الأوسط مهد الطباعة، وسواحل فينيقيا أم الأبجديات، فإن جبال لبنان احتضنت أول مطبعة عربية في دير قزحيا في إهدن، شمال لبنان. هذه المطبعة طبعت اللغة العربية في البدء بحرف سرياني، لأن السلطة العثمانية منعت استعمال الحرف العربي لأسباب سياسية. وأول كتاب معروف صدر من قزحيا في العام 1610 هو كتاب المزامير. وبعد ذلك كرت سبحة المطابع في لبنان. ومنذ مطلع القرن الثامن عشر انتشرت المطابع في الشوير وبيت الدين وطرابلس وصيدا، وطبعا بيروت. ريادة لبنان في الطباعة الشرق أوسطية أسهمت أيضاً في ريادته الصحافية، فالشاعر خليل الخوري أنشأ »المطبعة السورية« في بيروت العام 1857، بهدف إصدار جريدة رسمية تنطق باسم ولاية سوريا العثمانية. هذه الجريدة الأسبوعية »حديقة الأخبار« هي أول جريدة عربية في السلطنة العثمانية وإن اعتمدت في العام 1870 اللغتين العربية والفرنسية. الازدهار الطباعي في لبنان له فضل كبير على عصر النهضة الذي بدأ مع القرن التاسع عشر، واستطاع أعلامه اللبنانيون إعادة الروح الى الآداب العربية وتدشين عهد انفتاح ثقافي ترك بصماته لاحقاً في الفكر والأدب والسياسة، على كل العرب. ساهمت الطباعة اللبنانية اقتصادياً في نشوء حركة اقتصادية مع بداية القرن التاسع عشر. فالمطبعة تحتاج الى عمال وإلى عمليات تجارية لاستيراد الورق والحبر والآلات والصيانة. وهذه العمليات تحتاج الى وكلاء وعملاء عبر الموانئ التجارية. الطباعة اللبنانية حاضراً ومستقبلاً تشهد الطباعة اليوم ثورة تكنولوجية متسارعة، أطاحت بالأساليب الطباعية القديمة ووضعتها أمام تحديات تحتاج الى تضافر الجهود وتحمل الدولة لمسؤولياتها. لقد بدأت الطباعة كحرفة أو كفن حرفي، وها هي اليوم صناعة مكتملة الشروط. لقد بدأت وفق تقنيات ميكانيكية على البخار ثم على النفط ثم على الكهرباء، وها هي اليوم في قلب الصناعة العصرية القائمة على الأنظمة المعلوماتية والكمبيوتر. وها هي اليوم »صناعة ثقيلة« تطبق أدق القواعد البيئية ومن »أنظف« الصناعات. إن طباعة الأمس لا تشبه طباعة اليوم إلا في ناحية الإبداع والخلق الفني، وحتى الناحية الإبداعية الفنية، دخلت في صميم الأداء التكنولوجي وأصبحت تشكل بحد ذاتها، مرحلة قائمة بذاتها ضمن المراحل الطباعية. لقد اختصرت التكنولوجيا المراحل الطباعية وحققتها دفعة واحدة. فما كان يستلزم في الماضي أياما أصبح اليوم متاحا بساعات. وما كان بالأمس مستحيلاً ومتعذراً إنتاجاً أصبح اليوم ممكنا. ولكن الصورة تبدو الآن كالآتي: التكنولوجيا تحاول اللحاق بمتطلبات الانتاج واتساع الأسواق، فيما العنصر البشري يحاول اللحاق بالتكنولوجيا. وللأسف طباعتنا اللبنانية لا تزال مقصرة في إعداد الطاقة البشرية المطلوبة لتشغيل صناعة طباعية حديثة. كلية الطباعة والتوجيه المهني ومن هنا، التشديد على تأسيس كلية للطباعة، كسبيل لا بد منه لإنقاذ أقدم صناعات لبنان، ولإنقاذ أجيال من طلاب يعانون تخمة الاختصاصات التقليدية وضيق فرص العمل بعدما عادت جامعاتنا ومعاهدنا تخرّج شبابا برسم الهجرة أو البطالة. إن التكنولوجيا الطباعية تحتاج اليوم الى جيل من مستوى جامعي وما فوق، وتحتاج الى اختصاصات ضمن الاختصاص الواحد. من هذه الاختصاصات: المعلوماتية، الإخراج الفني الطباعي (Graphic Design)، فرز الألوان، إدارة الأجهزة، إدارة العمل الطباعي برمجة الكمبيوتر، الصناعة الورقية، الصيانة، الادارة والتوثيق، الألكترونيات... الخ. وهذه الاختصاصات في معظمها أتاحت للفتيات أن يدخلن الى هذه المهنة التي كانت حكراً على الرجال. طباعة اليوم متشابكة عضويا مع عالم الاتصالات، والطبع عبر الأقمار الصناعية. كل ذلك يستدعي أيضا مهندسين واختصاصيين بكفاءات عالية للقيام بإدارة التمويل الباهظ ومواكبة الاتفاقات الدولية ودراسة الأسواق والتسويق بكل أشكاله، والشحن وإجراءاته المعقدة، والجدوى الاقتصادية في عمل المؤسسة ومتابعة معارض التحديث الطباعي... الخ. ولعل السبب الرئيسي في افتقادنا العنصر البشري للقيام بهذه الأعباء، الخلل في التوجيه المهني الذي على الدولة والجامعات المسارعة إلى إصلاحه. رؤية مستقبلية تجدر الإشارة الى ان لبنان الذي يفتقر الى متخصصين في التصميم الطباعي يشهد هذه السنوات فيضاً في مصممي الاعلانات، الذين أصبحوا أكثر من قدرة السوق على استيعابهم. وأشير هنا، إلى أن الصناعة الطباعية مرتبطة بشكل وثيق اليوم بعاملين: الثقافة، والتكنولوجيا. انها قطاع يشغل المثقفين في مجالات: الكتابة والتأليف، التحرير الصحافي، الإبداع الفني، التصميم الطباعي، التصحيح، أعمال المصورين الفنية، الرسامين، الخطاطين. وهذه المجالات تتجه أيضا نحو المثقفين، لأن القطاع الطباعي يتفاعل دائما مع الأحداث الثقافية التي يتحرك العصر على وقعها. ثم هناك ثورة المعلوماتية والكمبيوتر. هذه الثورة هي على اشتباك عضوي مع موضوعة الطباعة، لأنها أدخلت تقنيات هائلة، وهذه التقنيات على تطور مستمر وسريع، وبالتالي أهمية امتلاك هذه التكنولوجيا والتمكن منها، أنها تعطي لبنان ميزة تنافسية معاصرة، على مستوى عالمي، الأمر غير المتوافر مع قطاعات صناعية أخرى. إذاً الثقافة والتكنولوجيا من خصائص طباعة تفتح أمامنا فرصة مرافقة المسار العالمي للتقدم الايجابي في مجالات العلوم والأفكار. وهذا يقودنا الى تحد آخر هو الطباعة والأسواق المفتوحة. من المؤكد ان لبنان مضطر حكما في العام 2010 الى الدخول في إطار »منظمة التجارة العالمية« (WTO) التي كانت تُعرف سابقا »بالغات«. ويبدو أن لا خيار لنا وللدول النامية إلا في الدخول كي لا نصبح هامشيين. فدول هذه المنظمة مسؤولة عن 85 في المئة من الانتاج العالمي و87 في المئة من التجارة العالمية. والطباعة من الصناعات التي يمكنها أن تكون على مستوى هذا التحدي بشرط ان تتوافر لها كل التقنيات وأدوات الانتاج التي يتطلبها السوق العالمي. فحتى على الصعيد العربي الاقليمي، إذا ما تحققت مشاريع السلام في المستقبل القريب أو البعيد، سيصبح لبنان، بعد حرية التجارة، على مقربة ساعات من أية عاصمة عربية، وبالتالي من المفترض ان تصبح عقود العمل بين مطابع لبنان وشركات الاعلام والنشر العربية أضعاف ما هي عليه اليوم، علما بأنها حاليا آخذة في الاتساع. ومن المهم في هذا المجال الاشارة الى ان سعي بعض الدول العربية المنافسة الى امتلاك أحدث التكنولوجيات، لا يفقد لبنان أسبقيته، إذ ان احتساب الكلفة زائد النوعية سيبقي »لبنان مطبعة العرب«. وفي الأصل، العديد من الدول العربية التي دخلت الصناعة الطباعية، اعتمدت على لبنان في استيرادها الآلات الطباعية. وفي اشتراطها أن يرافق هذه الآلات، طباعي لبناني لإدارتها. لذلك مهما كانت تحديات المستقبل سيبقى لبنان عاصمة للطباعة والنشر في العالم العربي. قد يكون مكمن الخطر الوحيد، تأخرنا في إعداد الكادرات العالية في الاختصاصات، مما قد يضطرنا، أسوة بالدول العربية، الى الاستعانة بالاختصاصيين الأجانب وخاصة الآسيويين. وهذا ما نحاول تجنبه عبر إصرارنا على كلية الطباعة. وهذا ما دفع الاتحاد العربي للصناعات الورقية والطباعة والتغليف الى إنشاء كلية للطباعة للعالم العربي، يكون مركزها بيروت. اقتراحات وهناك تحد آخر يعني مباشرة أصحاب المطابع في لبنان. ان تعقّد الانتاج الطباعي واتساع أسواقه الخارجية يفرض التفكير ملياً في أمرين: الأمر الأول: قيام شركات مساهمة كبيرة بين المطابع اللبنانية، عبر اندماجها، كي لا تستفرد المطابع من الفئة الصغيرة، وتصبح خارج السوق والمنافسة. الأمر الثاني: ان اتساع عقود العمل بين الشركات العربية والمطابع اللبنانية، وفي سبيل مصلحة الطرفين، من المهم تحول هذه الشركات العربية أو الأجنبية من »الفريق الزبون« الى »الفريق الشريك«. وذلك بقيام شركات مساهمة كبيرة تعود بالفائدة التجارية والجدوى الاقتصادية على الطرفين، وتفتح أكثر إمكانات إنتاج بكميات كبيرة ومستمرة، كي لا تتحول الكلفة النقدية المباشرة الى عقبة تخفف إقبال هذه الشركات على المنتجات الطباعية، أو تجعلها تتردد، بدلاً من أن تسعى الى البحث الدائم عن إنتاج طباعي بصفتها صاحبة مصلحة في تعاظم سوق الطلب الطباعي. فحتى اليوم، التمويل المحلي في الاستثمار الطباعي لا يزال محدودا، كما أن بعض إسهامات المصارف الوطنية والعالمية، لا توفر حوافز كبيرة، وهي مرتبطة بإجراءات وشروط معقدة. وكخلاصة أخيرة يمكنني القول، إن الطباعة هي إحدى ركائز احتلال لبنان مرتبة إقليمية مؤثرة في مستقبل الشرق الأوسط، حيث خيار المعلوماتية والتواصل والاتصالات بدأ يفرض نفسه في العالم كخيار مهم في تأمين مصالح الدول. وعلينا كدولة، كأصحاب قطاعات، وكجامعات وكطلاب، أن ندعم هذه القطاعات الصناعية التي تمكّننا من الدخول إلى المسرح العالمي، فلا نراهن على قطاعات غيرنا أقوى فيها، ونهمل قطاعات تفوّقنا فيها أكيد. كما علينا كعالم عربي في إطار المستقبل الاقتصادي الجديد، أن نسعى الى قاعدة »لكل عاصمة عربية صناعتها المتميزة« وبذلك يحل التكامل محل الهدر والفوضى.