As Safir Logo
المصدر:

خمسينية الحزب التقدمي الاشتراكي

المؤلف: خليل خليل احمد التاريخ: 1999-05-10 رقم العدد:8290

لو كان الصحافي، طلال سلمان، الذي أحب كمال جنبلاط منذ المختارة، حاضرا في بيروت، يوم إعلان ولادة الحزب التقدمي الاشتراكي، في 1/5/1949، لسجّل سبقه الصحافي، واصفا حزب المعلم بأنه: »حزب الذين لا حزب لهم!«. ولكن مثل هذا السبق المنشود، سجّله آخرون: عبد الله العلايلي، المؤسس، مع رفاقه، حين وصفه بأنه »ضرورة وطنية«، وغسان تويني، الرفيق النهاري المناوئ، حين جاء في جريدته: »ولادة حزب اشتراكي في حفلة شاي بورجوازية«. آنذاك، عام إعدام الزعيم انطون سعادة، مؤسس أول حزب علماني قومي في الشرق، وعام إعدام فلسطين برصاص الانكليز والصهاينة، كان الشاي لا يزال مشروبا »بورجوازيا«، وكانت »الاشتراكية«، على ما يبدو، نقيضا وبديلا. في كل حال، أراده كمال جنبلاط وصحبه، حزبا من الأصفياء الى الفقراء، وصار الشاي مشروبا أسود، يتداوله أفقر الفقراء مع الترمس او البزورات، في كل أنحاء لبنان وعالمه الثالث المتمادي في نحر نفسه، لتجديدها، بالتبغ والقهوة والشاي، وبالبطالة والهجرة الى ما دون عتبة الرأسمالية الكبرى. هل كان في مستطاع هذا الحزب الضروري وطنيا ان يرث أحزابا مجايلة، او سابقة، اخرى، تمر بأزمات وصعوبات كالشيوعي والقومي المحظورين، او كالكتائبي الماروني اللبناني لا غير، او كالنجادة، الكشفي الاسلامي، او الطلائع والنهضة الشيعيين؟ ام كان في آفاقه، آنذاك، تحالفات وتواصلات مع احزاب قومية/ اشتراكية، ديموقراطية، متوالدة ما بين بيروت ودمشق، كالبعث العربي، (7/4/1947) او حركة القوميين العرب في الخمسينيات؟ هذه الآفاق، المسدودة الآن، كانت تجد تعابيرها في مناخات سياسية أشجع من حيث الرغبة في زرع مصطلحات سياسية جديدة وثورية في أرض او في ثقافة تقليدية، غير مزروعة أصلا... بما يلزمها من بذار التغيير. فالحزب الاشتراكي قدم نفسه منذ البداية، حزبا للتقدم كما جاء في رخصته الممنوحة يوم 17/3/1949، بتوقيع الوزير جبرائيل المر، بعدما تأكد من ان من أسباب الانحطاط العربي بعد 1258 (سقوط بغداد)، و1492 (سقوط غرناطة) و1948 (سقوط فلسطين)، هو فقدان العرب معنى التقدم، ومعرفة الواقع كما هو، بعلم، كشرط لتغييره بعلم. هنا شدد كمال جنبلاط، منذ 50 عاما، على ان يكون علمه ومثاليته في خدمة الواقع، المطلوب تغييره بوسائل لا عنفية، ديموقراطية مثلا (فيما الطائفية عنف وعرقية). وحين حمي وطيس الصراع على التسميات، اختير للحزب اسمه المطابق لكسمه السياسي، الضروري وطنيا، عربيا، وانسانيا. فلا هو لبناني بالمعنى الطائفي/ المحلي الضيق، كأحزاب اخرى، ولا هو عربي بالمعاني الانثروبولوجية حتى لا نقول (العرقية) المروجة حينذاك في أدبيات الحصري وعفلق وسواهما. انه لبناني/ عربي ضمنا في المساق الانساني. وهكذا، لم يتابع الحَرْفي سعيد عقل مسيرة التأسيس والانتماء الى هذا الحزب، بحجة »اللبنانية«، ولم يكمّل آخرون بحجة (العروبة الدفاقة) عشايا أحداث 1958. والحال، كيف تأتى لحزب، كهذا، ان يكون وطنيا وعربيا معا، وانسانيا ثوريا، وان يقود أهم محطات النضال الوطني في لبنان، منذ البيضاء سنة 1951، حتى الحمراء مع عبد الناصر سنة 1958، والسوداء ما بين 1975 و1985؟. أسئلة تستحق التأمل الموضوعي، والنقد العقلاني لمسار حزب تاريخي، وُلد في بيت كمال جنبلاط، وشهد في عصره يوبيله الفضي، وها هو يشهد في ظل وليده، يوبيله الذهبي. ولا جرم ان النظر النزيه في مآثر هذا الحزب ومثالبه، يستلزم، اولا، الترفع عن المآرب، والابتعاد من العنعنات الذاتية او الشخصية، المتعلقة طبعا بسلوك هذا المسؤول او ذاك العضو في هذا الحزب الكبير، تاريخا وفكرا ونوعا، وكادرا عمليا، لا سياسيا، بكل أسف! ذاك ان »فضائل حزب« لا يجوز قلبها، في حين من الارتداد او التعب او تبديل الجلود، الى »رذائل مؤجلة«، كما ادعى أحدهم يوما... كذلك لا يجوز التقليل من أهمية مئات، بل ألوف الكوادر العلمية التي رعاها الحزب، منذ السبعينيات وحتى التسعينيات وما يزال يرعى بعضها عبر مؤسسة وليد جنبلاط ، ولكنه لم يتمكن، بسبب ظروفه في الحروب، وفقدانه مساره السياسي الثقافي في خلالها، من إعداد البنى الاستقبالية المناسبة، لتحويل كادر علمي وعلماني بهذا الحجم الى كادر سياسي واحد، موحد، لا تتقاسمه طوائف هنا، او مَهاجر هناك، ومصالح هنا وهناك في كل حال. هذا النزف الكبير لجيل رعاه ورباه الحزب التقدمي الاشتراكي في غفلة من الموت والحرب، ولم تبخل قيادته على ما نعلم في تأهيله ومساعدته قدر المستطاع آنذاك، توقف ولكن عكس سير الحزب ذاته، مما جعل المئات منهم خارجه حتى الآن، فلا هم يدرون لماذا، ولا هو، الضروري وطنيا، بحث عنهم بوصفهم ملح الحزب الاشتراكي وشرطا من شروط نهضته المحتملة او المنشودة. الى ذلك، فرضت الحرب على هذا الحزب الوطني الكبير، ان يولي اهتماما بزعامته او بزعيمه، او حتى بقيادته العسكرية، اكثر من الاهتمام بالحزب نفسه وبكادره العلمي (غير المسيّس كفاية)، الذي اجتذبته انتهازيات الحرب وامتيازات الطوائف (المزعومة)... وعندنا ان معيار الحرب من داخل الرؤية الحزبية الذاتية، لا يعتبر منتميا لصالح السياسة، ما لم تول اهمية استثنائية للحزب نفسه، كواحد من احزاب الاعتراض الوطني الاكثر ديمومة وتضحية وفعالية في تاريخ لبنان المعاصر. وكان اعتراضنا دوما على هذا التخفيض للقيادة (التي بقينا في عدادها حتى العام 1996، وانسحبنا منها طوعا، تسهيلا لسوانا)، والتعويض بالزعامة الجنبلاطية، وهي آلة سياسية، اكثر مما هي شخص او فرد، رمزه الرئيس وليد جنبلاط. وعندنا ان المصالحة العضوية ما زالت ممكنة بين الحزب والزعامة، لكن بشروط جديدة، أبرزها التخفيف من ضغط الزعامة كغرضية سياسية (طائفية بتركيبها العضوي، اي ما دون الوطني وما دون الاشتراكي)، والتشديد على استقطاب الجيل العلمي (الاشتراكي اسما) المتروك على غاربه السياسي، وتاليا يمكن لهؤلاء ولسواهم من محبي الحزب او مؤيديه ان يقترحوا على زعيمه: الخروج من الوراثة التقليدية الى القيادة السياسية الديموقراطية، بعقد مؤتمر تأسيسي، للقرن المقبل، ينتخب، بكل حرية، كادره القيادية ممن تتراوح أعمارهم ما بين 25 و50 سنة، ويُستثنى من ذلك رئيس الحزب ونوابه الثلاثة، لا الاثنان، كما هو الحال اليوم... هذا المقترح ينطوي على أمل بتجديد الموروث السياسي، تنظيما وأشخاصا وأفكارا، وعلى حلم بأن يبقى هذا الحزب حيا، وصوتا للفقراء من كل الطوائف ومن كل المناطق، كما كان دوما. فهل يستطيع الرئيس وليد جنبلاط الرهان على هذا الأمل الحقيقي، الضروري فعلا للبنان ولمحيطه العربي، اكثر من كل أشكال الاعتراض السياسي الاخرى؟ ان تغييب الحزب كقوة سياسية فاعلة، هو بذاته تهرب من المعارضة، او تهريب لدوره من موقعه الوطني والعربي الطبيعي. وكلنا مسؤولون عما حدث لهذا الحزب منذ البداية حتى النهاية، أفرادا ومجموعات... كذلك هناك مسؤوليات لأحزاب اخرى، صديقة او حليفة، أهملت نفسها، ونسيت ان تتجدد، فظنت انها ترث السياسة وما فيها! فهل لذوي القمصان الممزقة وشاربي الشاي الأسود، وجيل العاطلين من العمل، برغم ما يحملون من أفكار جديدة ومن شهادات، ان يأملوا بولادة حزب تقدمي اشتراكي، في حفلة نقاش حر وديموقراطي، وانتخاب قاعدة لقيادة اكثر توغلا في واقع المستقبل؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة