يركز رئيس تحرير مجلة »لوموند ديبلوماتيك« في كتابه »استبدادية الاعلام« "La Tyrannie de la Communicationس، في فصل كامل على نماذج رئيسية للمخادعة الاعلامية، اهمها بلا شك، قضية »محرقة الجثث المزيفة« في تيميشوارا، خلال الثورة الرومانية (1989 1990) وهنا مقتطفات مختارة من هذا الفصل: »لا شك ان السبق الصحفي المزيف للقرن العشرين، الذي بثه التلفزيون الايطالي في 5 شباط 1990، سيدخل تاريخ المخادعات الاعلامية في القرن العشرين، ففي ذلك اليوم، اعلن مقدم البرنامج الاخباري الاسبوعي »ميكسر« في التلفزيون الايطالي جياني مينولي، عن بث »وثيقة مهمة خطيرة«: هي اعتراف قاضي سانسوفينو بتزييف نتائج استفتاء 1946، الذي اتاح إلغاء الملكية الايطالية واقامة الجمهورية.. وذلك بالاتفاق مع الاعضاء الآخرين من المجلس الانتخابي. كان ذلك هو الخبر لا اكثر ولا اقل. وفي نهاية البرنامج ووسط ذهول المشاهدين، كشف مينولي عن »عملية فبركة الخبر«: فكان القاضي مجرد ممثل، و»الوثائق القديمة« التي بثها البرنامج بالابيض والاسود، مجرد مشاهد تم تحضيرها وتصويرها في الاستديو مع ممثلين صامتين، اي، وبإيجاز، كان كل شيء مفبركا ومخادعا باستثناء الصدمة الانفعالية التي اصابت ملايين المشاهدين. لقد اردنا اوضح جياني مينولي في النتيجة (متوجها الى المشاهدين) ان نظهر لكم كيف يمكن التلاعب بالخبر المتلفز، وانه يفترض ان نتعلم كيف نحذر من التلفزيون ومن الصور التي يقدمها لنا«. الأمثولة الاخلاقية هذه كانت بالفعل ضرورية بعد الكشف في نهاية كانون الثاني 1990 عن ان الصور المريعة لما سمي بمحرقة تيميشوارا، او »مجزرة تيميشوارا« في رومانيا، كانت نتيجة عملية اعلامية مفبركة، واخراج تصويري، اذ لم تكن الجثث المصطفة على شراشف بيضاء جثث ضحايا مجازر 17 كانون الاول 1989 بل جثث موتى تم نبشها من مدافن الفقراء وتقديمها وبكل مراعاة الى عدسات التلفزيون« (لوفيغارو 30/1/1990). كانت رومانيا في تلك المرحلة في ظل نظام ديكتاتوري، وكان نيقولاي تشاوشيسكو حاكما استبداديا، وانطلاقا من هذه المعطيات الصحيحة والاكيدة، ذهب التلفزيون مرة جديدة في تغطيته لاحداث بوخارست في كانون الاول 1989 الى حدود قصوى باتجاه ارضاء ميوله المرضية. وادى به السباق سعيا وراء الاثارة الى المخادعة والكذب، وجر معه وفي جوء من الهستيريا الجماعية، مجموع وسائل الاعلام بل حتى قسما من الطبقة السياسية، فكيف امكن حدوث ذلك في بلادنا التي تعرف عن نفسها ك »ديموقراطيات اعلام واتصال«. لا شك ان ابتداع »المجزرة« المزيفة لتيميشوارا هو احد اهم المخادعات والاكاذيب منذ ابتكار التلفزيون، فلقد كان لتلك المشاهد والصور الاثر الكبير اللامعقول على المشاهدين الذين كانوا يتابعون قبل بضعة ايام وبحماس واندفاع احداث »الثورة الرومانية« كانت حرب الشوارع مستمرة في ذلك الحين في بوخارست، وكان يبدو ان ذلك البلد، اي رومانيا، مهدد مرة جديدة بالوقوع في قبضة رجال الشرطة السرية المرعبة لنيقولاي تشاوشسكو، لاسكوريتات (La Securitate)، حين جاء الخبر عن »المجزرة« ليؤكد مدى فظاعة ووحشية القمع. وجاءت صور الاجساد الممزقة والمشوهة، لتضاف الى صور تلك الاجساد التي سبق ورأيناها مكدسة في معارض الجثث في المستشفيات، وليتجاوز عددها الاربعة آلاف ضحية لمجازر تشاوشسكو في تيميشوارا وحدها. بل ان مراسل »ليبراسيون« حدد عدد هذه الجثث ب 4630 جثة، وزادت بعض المقالات في الصحف المكتوبة من »مأساوية« الوضع، فهناك من تحدث عن »نقل الجثث المتعذر تعدادها في شاحنات النفايات الى اماكن سرية ليتم حرقها او دفنها« (لونوفل اوبسرفاتور 28/12/1989)، وهناك من كتب: »كيف يمكن معرفة عدد الجثث؟ فسائقو الشاحنات التي نقلت امتارا مكعبة من الاجساد تم قتلهم برصاصة من الخلف من قبل عناصر الشرطة السرية لاخفاء كل شاهد على المجزرة.. (وكالة الصحافة الفرنسية، في تقرير لمراسلها في رومانيا في ليبراسيون 23/12/1989). ومع رؤية جثث »مجرة« تيميشوارا على الشاشة الصغيرة، لم يكن بإمكان المشاهدين التشكيك بوجود 60 الف ضحية بل هناك من تحدث عن 70 الف ضحية في احداث بضعة ايام من الثورة الرومانية. بل ان صور المجزرة اضافت الى مصداقية التأكيدات الاكثر جموحا. ونعرف اليوم، ان عدد ضحايا احداث الثورة الرومانية وبما فيهم انصار »تشاوشسكو« لم يتجاوز الالف ضحية، وان عدد ضحايا منطقة تيميشوارا كان ادنى من مئة ضحية، (لوموند 14/2/1990). وعندما تم بث هذه الصور، صور مجزرة تيميشوارا على شاشات التلفزة في اوروبا الغربية ليلة السبت في 23 كانون الاول 1989 في الفترات الاخبارية للساعة الثامنة مساء، جاءت هذه الصور متناقضة تماما مع الاجواء السائدة تلك الليلة في منازل الاوروبيين الذين كانوا يستعدون لاحتفالات عيدي الميلاد ورأس السنة، فكيف كان بالامكان مثلا عدم التأثر والشعور بالصدمة من مشهد ذلك »الشاهد« على المجزرة وهو يحاول سحب احدى الجثث بقدميها بواسطة سلك حديدي، من الاكيد ان صاحبها تعرض لافظع انواع التعذيب؟.. وكانت الصورة في الواقع، لجثة رجل مجهول علقت في مجرور وكان رجال الاطفاء يحاولون سحبها من قدميها). لا سيما ان شهادات اخرى نقلتها الصحف جاءت لتؤكد حدوث مثل هذا الامر، مضيفة تفاصيل مروعة... امام صور تلك الصفوف من الجثث العارية المشوهة، وامام تلك العبارات والاوصاف المكتوبة مثل »امتار مكعبة من الجثث« و»شاحنات النفايات تنقل الجثث« و»جثث تم تشويهها بالاسيد« كانت صور مشاهد اخرى تعود الى الذاكرة، مثل صور فظائع النازيين في المعتقلات. صور كان لا بد من مشاهدتها وكأنه واجب علينا مشاهدتها، والا يصح ما قاله احد كبار مصوري الحرب روبرت كابا »ان اولئك القتلى لكانوا قضوا عبثا لو ان الاحياء رفضوا رؤيتهم«. لقد شعر المشاهدون بالشفقة العميقة الحقيقية تجاه هؤلاء القتلى »كثيرون بكوا« قال صحافي من النوفل اوبسرفاتور في 28/12/1989 واعترف صحافي آخر »انه شعر كما وان صدمة كهربائية اصابتني... وانتابني السخط والغضب فهل سنتخلى عن شعب كامل ونتركه ضحية الشرطة السرية؟ (نوفل اوبسرفاتور 11/1/1990). التهبت المشاعر والعقول، فدعا مقدم اخبار الساعة الثامنة مساء من القناة الاولى للتلفزيون الفرنسي جيرار كاريرو، وبعد رؤيته لصور المجزرة الى تشكيل فرق قتال دولية لتموت دفاعا عن بوخارست وكتب جان دانيال في النوفل اوبسرفاتور يستنتج »حدوث الطلاق بين القوة المأساوية للوقائع التي نقلها التلفزيون وبين لهجة الحكام« وتسأل »ان لم يكن للحكومات مصلحة بين الحين والآخر، في استيحاء مواقفها من الشارع«. حتى ان وزير الشؤون الخارجية حينها رولان دوما وافقه القول حين اعلن »انه لا يمكن لنا ان نكون مجرد مشاهدين لمثل هذه المجزرة«. على هذا النحو، وانطلاقا من صور ومشاهد لم يفكر احد في التحقق من صحتها، بلغ الحد بكثيرين الى الدعوة وباسم »حق التدخل« الى عمل قتالي ضد رومانيا بل الى »تدخل عسكري سوفياتي« لسحق انصار تشاوشيسكو.. من كتاب »استبدادية الاعلام«