As Safir Logo
المصدر:

المحامي الفرنسي جاك فيرجيس ل»السفير«: الجزائر قضيتي من بوحيرد إلى الإنقاذ أحيي العرب القادرين على تحدي أميركا

المحامي جاك فيرجيس
المؤلف: كليب سامي التاريخ: 1999-05-06 رقم العدد:8288

باريس قلّما عرفت فرنسا محاميا أثار ضجة كتلك التي أحاطت بجاك فيرجيس. فهو منذ شبابه جذف بعكس التيار فذهب إلى الجزائر يدافع عن جبهة التحرير فيما كانت معظم الأحزاب الفرنسية مع سياسة الحديد والنار، وتزوج من المناضلة جميلة بوحيرد بعد أن تولى الدفاع عنها. وما ان هدأت النقمة عليه بسبب هذا الخروج عن السرب، حتى علت أصوات أخرى ضده حين تولى الدفاع عن أنيس نقاش وجورج ابراهيم عبد الله المتهمين بالقيام بتفجيرات في فرنسا لصالح القضية الفلسطينية. ووصلت هذه الأصوات الى ذروة شجبها حين وقف إلى جانب موريس بابون المتهم بالتعامل مع النازية، قبل أن يتولى الدفاع عن كارلوس وقادة الجبهة الاسلامية للإنقاذ في الجزائر. وإذا صدقت اتهامات هذا المحامي السبعيني العمر ذي الأب الفرنسي والأم الفيتنامية، فإنه كاد يُقتل مرتين؛ الأولى في الجزائر خلال حرب التحرير، والثانية بطلب من الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، لكنه لا يزال حتى اليوم بصحة ممتازة يتمتع بتدخين السيجار ويزور المطاعم الفخمة ويكتب تارة عن الأدب وأخرى عن المحاماة ويبقى وفيا لقضايا العرب، لا بل يبقى أوفى من الكثير منهم لهذه القضايا. ألم يتولَّ الدفاع عن المهاجر المغاربي عمر رداد المتهم بقتل السيدة التي كان يعمل عندها، حين كانت قبضات العنصرية تطرق على معظم الأبواب في فرنسا. »السفير« زارت المحامي الشهير في مكتبه الأنيق والفخم في آن. وكان حديث فيه من الذكريات بقدر ما فيه من ملفات الحاضر. وكان طبيعيا السؤال عن سبب ذهابه إلى الجزائر وتعلقه بقضيتها؟ إن كل تاريخي ووجودي قادني للذهاب الى الجزائر، فأنا كنت بداية في صفوف قوى فرنسا الحرة. كان عمري آنذاك سبعة عشر عاما، وحاربت ثلاث سنوات تحت إمرة الجنرال ديغول وكان هدفي هو محاربة العنصرية والنازية. وكنت في البداية قد انخرطت في النضال في الحي اللاتيني في باريس مع جمعيات مختلفة، وكان هناك المغاربة وكان القادمون من الهند الصينية وأفريقيا السوداء ومدغشقر، والمستعمرات الفرنسية القديمة. حينها تعرفت إلى عدد من الطلاب الذين عدت والتقيت بهم عند اندلاع الثورة الجزائرية، حينما اعتبروني كواحد منهم. { أنت ناضلت لاستقلال الجزائر ووقفت الى جانب الجنرال شارل ديغول بالرغم من أن هذا الأخير لم يكن يريد الاستقلال في بداية الأمر؟ أنا لم أكن في الحزب الديغولي، ولكني أعتقد ان الجنرال كان ولا يزال مثالا للكثير من الدول. فهو كان قادرا على معارضة المنتصر، وهذا نادر عند السياسيين، فقال لا للألمان ولا لخونة فيشي. وقال لا لحلفائه الأميركيين المتكبرين. إذاً هو مثال لفرنسا، وأنا أحيي اليوم من هم في العالم العربي قادرون على قول الشيء نفسه ولهم القدرة على الثقة بالمستقبل. { كيف تعرّفت إلى المناضلة جميلة بوحيرد؟ حين ذهبت الى الجزائر، استقبلت فتاة يانعة قالت لي إنها تأتي لمقابلتي باسم المنطقة المحررة لأتولى الدفاع عن رفيقة لها تم توقيفها وهي حاليا في قبضة المظليين الفرنسيين. وأخبرتني ان اعتقالها تم بعد إصابتها برصاصة اخترقت صدرها، وانهم قلقون جدا على مصيرها وعلى مصير شقيقها الذي تم توقيفه أيضا بالرغم من انه في الثانية عشرة من عمره. وبعدها تعرفت إلى جميلة بوحيرد في مكتب قاضي التحقيق، وما كنا التقينا قبل ذلك. { كيف وجدتها؟ كانت واثقة من نفسها، غير خائفة، ولكنها في الوقت نفسه مريضة وجريحة، والتهب جرحها لأنهم ضربوها عليه، وكانت حرارتها مرتفعة. إذاً بهذه الشروط التقيتها عند القاضي، بعدها رأيتها في السجن وأصبحت أزورها باستمرار فيه. { هل فعلاً كنت تشكل خطرا في الجزائر على فرنسا، الأمر الذي دفع الى محاولة اغتيالك؟ قصة الاغتيال وردت في مذكرات مسؤول الاستخبارات الذي كان سيتولى اغتيالي واسمه قسطنطين مالميك، ويقول ان الوزير ميشال دوبريه قال في خلال اجتماع مع جهاز التدخل ان عمل هؤلاء المحامين مع جبهة التحرير هو أخطر من عمل فرقة عسكرية، فهم بصدد دفعنا الى خسارة الحرب، وينبغي قتلهم، واقتلوا الأكثر تمثيلا بينهم. وهو لذلك أعطى خمسة أسماء بينهم اسمي. { هل تذكر الأسماء لأن ثمة من يتحدث فقط عن أربعة؟ عبد الله، أوصديق، ميرسييه، وأنا، كنا أربعة، لا بل خمسة مع ولد ودية، وتم نقل الأمر باغتيالنا الى جهاز التدخل. وكان الكولونيل مويال يقود ذاك الجهاز، وهو نشر لاحقا كتابا بعنوان »حرب جبهة التحرير في فرنسا«، ويروي كيف اغتال ولد ودية، وكيف وضعوا حراسا في المرحاض أمام مكتبه وقتلوه في الممر أثناء خروجه وفروا. وكان الأمر قد أعطي لقتلنا في حالة وجود واحدنا بمفرده، أي من دون وجود شهود، وأنا كنت دائما بصحبة الناس، فأضحى الأمر أكثر صعوبة. { آنذاك، كان المناضلون الجزائريون يخشون الشيوعيين، فكيف تمّ قبولك إذاً، أنت الذي كنت آنذاك شيوعيا؟ كان الحذر من الشيوعيين محصورا ببعض قادة الجبهة، ولكن ما حصل آنذاك هو انه كان قد تم توقيف كل المحامين الجزائريين، فأنيط الدفاع فقط بمحامين فرنسيين، وكان هؤلاء ينتمون إما ليسار الحزب الاشتراكي أو للتروتسكيين أو الشيوعيين، ولم يكن بينهم أي محام من صفوف اليمين. وسرعان ما اندلع نزاع بيني وبين هؤلاء المحامين، في أعقاب أول زيارة لي إلى الجزائر، فهم كانوا يرافعون من خلال القانون الفرنسي، ويقولون مثلا انه لو طبقنا مبدأ الكيان الجزائري في المنظومة الفرنسية، لكنا تفادينا ما حصل. وكانوا يرفضون عنف جبهة التحرير بينما نحن كنا نبرر العنف بأنه نتيجة الغبن اللاحق بالجزائر. وبناء على ذلك قررت الجبهة تأسيس مجموعة جديدة من المحامين كنت أنا في عدادها، وعلى هذا الأساس تركت الحزب الشيوعي. ثم ان السيد دوبريه بعد عجزه عن قتلي طلب العام 1960 عقوبات ضدي من المجلس التأديبي، واكتفى المجلس بتوقيفي عن العمل عاما كاملا، على أساس اني كنت عنيفا في مرافعاتي، وحينها منحتني المملكة المغربية اللجوء السياسي. وعينت هناك العام 1961 مستشارا وزاريا للشؤون الأفريقية في الخارجية؛ آنذاك تعرفت إلى نلسون مانديلا الذي جاء طالبا المساعدة. { يبدو أنك كنت تعمل أيضا على تزوير الأوراق للمناضلين، وذلك حين انتقلت للعمل في المغرب؟ في الواقع كنت أعطي أوراقا حقيقية مزورة، كانت الرباط قد أصبحت في تلك الفترة عاصمة ثورية فعلية، وصارت معقلا لاتحاد المنظمات الوطنية للمستعمرات البرتغالية، وكان دوري إعطاء المسؤولين في هذا الاتحاد أوراقا لكي يستطيعوا السفر. وتوليت أيضا مسؤولية ربطهم بجيش التحرير الجزائري الذي كان في منطقة وجدة بين المغرب والجزائر حيث كان بعضهم يذهب الى هناك للتدرب على عمليات التخريب والعصابات. وكان دورنا أيضا تمرير السلاح الى بعض تلك الدول. { تعرفت في فرنسا إلى محمد بوضياف الذي أصبح لاحقا رئيسا للجزائر قبل اغتياله على يد ضابط جزائري، هل بقيت على علاقة معه؟ تذكرون ان الفرنسيين كانوا خطفوا طائرة كانت متجهة من المغرب الى تونس وكان على متنها قادة الثورة بن بلة وآيت أحمد ومحمد بوضياف ومصطفى الأشرف، احتجّت الحكومة المغربية على ما وصفته بالخطف. وكانوا على حق لأن ذلك كان معارضا للقوانين الدولية وكان ينبغي إطلاق سراحهم. الفرنسيون امتنعوا عن ذلك لكنهم منحوهم صفة السجناء السياسيين. وهكذا تعرفت إلى بن بلة في سجن La Santژ وبوضياف في سجن فرين. { ما هي الصفات المميزة التي وجدتها ب بوضياف؟ في تلك الفترة كانت تبدو عليه صفات الزعيم، وكان الأكثر لفتا للانتباه في شخصيته هو الإخلاص والتمسك بالاستقلال والعزيمة الصلبة، ولكن القادة الخمسة كانوا منقسمين في ما بينهم، فبعضهم كان يدعم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وكان على رأسهم بن خدة، وآخرون وقفوا الى جانب الجيش بقيادة بومدين. { نذكر أنك كنت مع رئيس الوزراء الجزائري سيد أحمد غزالي يوم اغتيال بوضياف، ماذا قال لك غزالي؟ لم يكن يعلم بما حصل، كان رئيسا للوزراء ولم يعرف ما الذي يجري، وحين غادر فطورنا عند العاشرة، اعلموني ان بوضياف قُتل في اعتداء. { من قتل بوضياف؟ كما تعلمون الغموض الكبير يحيط بالعدالة في الجزائر، رأيت مثلا أرملة بوضياف تقول إنها لا تعتقد بأن ما حصل هو عمل رجل واحد وان مؤامرة وقعت. بينما تقول السلطات ان الرجل تصرف بمفرده. ومن هم في المعارضة يقولون إنها مؤامرة، لأن بوضياف كان ينوي إنشاء تجمع مدني ليصبح رئيسه وانه سيترشح للرئاسة لاكتساب شرعية شعبية، وانه سيحارب الفساد. فهو أخذ إذاً رهاناً كبير الخطورة. { هل من قاتل في الثورة هو المتربع اليوم على عرش السلطة؟ لا ليسوا هم أنفسهم. ان من يحكم الجزائر اليوم جاؤوا من الجيش وبعضهم عمل في الثورة، والآخرون كانوا في الجيش الفرنسي وانضموا الى الثورة في اللحظة الأخيرة. { مع بداية الأزمة الأخيرة دافعت عن الاسلاميين، لماذا؟ أنا لست إسلاميا. أنا مسلم ولست إسلاميا. فكرت بأنه ليس منطقيا ان يتم تنظيم انتخابات، وانه بعد ان تكشف النتائج عن ان الذي نظمها خسرها، يصار الى توقيف كل المنتخبين، فقد تم توقيف أكثر من ألف منتخب ومسؤول بعضهم كان في البيجاما والبابوج، أرسلوا الى الصحراء حيث الحرارة تنزل الى ما دون العشرين درجة، وحصل تعذيب في السجون وأنا ضد التعذيب. لا أعتقد ان تلك وسيلة فضلى للحكم. أنا أدافع عن حالات قليلة في الجزائر، لأني أشعر بنفسي قريبا من هذا البلد، لكن أعتقد انه ينبغي معرفة انه في هذا النقاش أسعى الى ان أبقى معتدلا وحذرا الى أقصى حد لأني أعتبر ان الجزائر بلد مستقل وليس لي أن أعطي دروسا. وأسعى الى ان أقيم مع السلطات الجزائرية التي أنتقد بعض عملها علاقات جيدة. { هل كنت تعرفت سابقا إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة حين كان في صفوف الثورة؟ نعم، وعرفته جيدا آنذاك وكان يدعى الضابط عبد القادر. وكان وقتها عند الحدود مع المغرب، أقمت معه علاقات لأكون وسيطا بين نظام الثورية الأفريقية وجبهة التحرير التي كانوا بحاجة إليها. { لكن الرئيس بومدين هو الذي ربطك بالفلسطينيين؟ طبعا هو بدون شك لأنه كان مسؤولا عن ذلك، ولكن بوتفليقة هو الذي التقاني لهذه الغاية وقال لي ان فدائيا فلسطينيا حكم عليه بالموت هو محمود حجازي، وقال ان محاكمته قد ألغيت ويجب أن تكون للمحاكمة المقبلة أصداء إعلامية. ولا يمكن أن يكون المسؤولون عن الدفاع عنه محامين إسرائيليين لا يستطيعون أن يكونوا الى جانب القضية الفلسطينية. وقال لي انه بما اني أملك جوازي سفر فرنسي وجزائري، فيمكنني أن أذهب الى إسرائيل من دون أن يكون في ذلك اعتراف عربي بالدولة العبرية، مع ضرورة ان يفهم حجازي ورفاقه طبعا اني هناك كمحام جزائري. { ثم ارتبطت بعلاقة مباشرة مع فتح؟ نعم، بعد ذلك، عيّنتني منظمة التحرير وفتح لكي أدافع في أثينا عن أولئك الذين خطفوا طائرة »العال«، وكذلك في زوريخ. { هل قبلت لأسباب مالية أم سياسية وايديولوجية؟ لا، كنت أعتقد ان حالة اضطهاد الفلسطينيين هي الأكثر وقاحة في التاريخ، فهناك أناس في أرضهم منذ قرون، وبما ان أوروبيين قتلوا أوروبيين آخرين أي اليهود، فإن الذي دفع الثمن لاحقا هم عرب فلسطين، ذهبوا الى هناك واحتلوا أراضيهم وطردوهم منها. أعتقد انه أكبر غبن تاريخي. { لماذا لم يتم الكشف في فرنسا عن الإسرائيليين الذين اغتالوا فلسطينيين على الأراضي الفرنسية؟ لأن الصهاينة تسللوا الى الكثير من المؤسسات الفرنسية. { حدِّثنا قليلاً عن جورج إبراهيم عبد الله الذي توليت الدفاع عنه بعد اتهامه بالقيام باعتداءات على الأراضي الفرنسية، وما الفرق بينه وبين أنيس نقاش؟ بالنسبة لجورج إبراهيم عبد الله كان متعاطفا مع القضية الفلسطينية، والمآخذ عليه والتي لم يتم التثبت منها، اعتداء ضد الملحقين العسكريين الإسرائيلي والأميركي. أما بالنسبة لنقاش فالحالة مختلفة قليلا ودافعت عنه كما الأول وفق ما ينبغي. في حالة عبد الله أو نقاش لم أتقاض أي مقابل، ولكن الأمر لم يكلفني كثيرا لأن المحاكمة جرت في فرنسا. دفعت فقط أجرة السيارة الى السجن. أما في العودة الى سؤالك فلم يتعلق الأمر بموازين قوى سياسية. فجورج إبراهيم عبد الله جاء الى فرنسا بأوراق جزائرية فكان ينبغي إذاً أن تدافع الجزائر عنه أو لبنان بلده الأم، لكن الخط الذي كان يدافع عنه لم يكن متوافقا مع خط الرئيس (اللبناني الاسبق) أمين الجميل. { ولماذا اختلف الأمر بالنسبة لإيران؟ إيران هي سوق كبير الأهمية للصادرات والواردات، أي للنفط والصناعات، وقد انتهز الرئيس ميتران آنذاك الصيف، أي موعد الفرص السنوية وكرة القدم وانتخاب ملكات الجمال، لإخراج أنيس نقاش. وهكذا لم ينتبه أحد لما جرى.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة