د. إبراهيم بيضون ****** عبد الله الطوخي مع الحبيبة والحرب والأرض إلى أن تفترق الطرق ****** ليست كل المذكرات سيرة ذاتية بالمعنى الدقيق للأخيرة، فهذه تكتسب قيمتها بقدر ما تكون نابعة من تجربة مسكونة بالمعاناة، المتحركة على مساحة المجتمع وليس في قلوب أصحابها فقط. والتجربة لا يحسن كتابتها إلا من أوتوا الأدب وحلقوا فوق مراتب الغيم، وربما أكثرهم إبداعا، ممن أجاد فن الرواية وعرف كيف يتسلل الى مشاعر القارئ فيحبسها، ولا يطلق سراحها إلا إذا شاء الكاتب المسجون بدوره في بقعة الضوء، يلحق بها أو تلحق به حيث يكون ترحاله... وحله قد لا يكون. ليس بالضرورة إذاً، أن يكتب الناس مذكراتهم وينشروا أوراقهم »الداخلية«، لمجرد أنهم بلغوا سن التقاعد وخلا وفاضهم من دور. والمذكرات كتابة من الداخل، على أن أحداثها خارجية، وبالتالي فإن الإقدام عليها لا يخلو من خطر، أقله الانبهار بالذات، أو العبث بالتاريخ، أو التلفيق للدور، الى آخر ما تنطوي عليه المجازفة في هذا السبيل. والسيرة التي كانت أول »فنون« الكتابة التاريخية وحاول رواتها إضفاء ما ل»الأحاديث« من صدقية عليها، هذه السيرة، وإن كانت منطلقة من تجربة مهمة، فلن تكون مجدية بمعزل عن ذات كاتبها المرهفة وشفافية وعيه بالتاريخ. فالدور إذاً ما يسوّغ التدوين لأخبار الماضي، وليس مجرد البروز في الأخير، والقدرة على صياغته أي الدور كتابة، هو العنصر المتكامل معه وفيه. ولعل من أصدق الأمثلة على ذلك، ما سجله أسامة بن منقذ في كتاب »الاعتبار« من انطباعات عن المرحلة الصليبية، التي زامن جزءا منها فارسا ومثقفا وقريبا من الحدث السياسي. على أنها انطباعات ليست خاصة بصاحبها فحسب، ولكنها في الوقت عينه تعكس صورة ما لتاريخ تلك المرحلة، ولا سيما الجانب الاجتماعي فيه. يحضرني ذلك، وأنا أطوي آخر صفحة من سيرة الكاتب الروائي عبد الله الطوخي »عينان على الطريق«، الموزعة على جبهتين: »سنين الحب والسجن« و»دراما الحب والثورة«. يكفي العنوان لكي ندرك سريعاً ان ثمة تجربة تحمل العناصر الموائمة لسيرة ذاتية راقية. بهرني العنوان حقيقة واستدرجني الى قراءة الكتاب الذي أخذ مني القليل من الوقت، على الرغم من صفحاته التي تنوف على الستمئة، وتمنيت لو أفاض أكثر لأطلت المكوث معه.. لقد أفرغ الصديق الطوخي كل ما في جعبته في هذه السيرة، التي جاءت شاملة تنطوي على أدق التفاصيل، وربما المحظور منها أحيانا، وكأن ملحمة شعرية تأخذك بحلبة الحركة الساخنة، وليست مجرد ذكريات منطفئة، تم استردادها بصعوبة من دهاليز الذاكرة المتعبة. حبر القضية ان »عيني« الكاتب، المنتشرتين ضوءاً على الطريق، تختصران مناضلاً بالفطرة وفي التكوين، مناضلا في الجامعة، ومناضلا حين وقع الحب عليه، ومناضلا في سجنه، ومناضلا في علاقته بالزوجة التي أصبحت تحت رعايته »رفيقة« ثم ندم على ذلك من غير اعتراض، مناضلا كذلك أمام التحديات الكبيرة في مرحلة عاصفة من تاريخ مصر المعاصر. هكذا سيرته، حركة قلقة، وهي ليست سوى جزء من حركة السياسة التي انخرط مبكراً فيها، بمثل ما اقتحم مبكرا »حصن« الزوجية الخطر. على أن أهميتها تكمن أساسا، في تداخل الخاص مع العام فيها، حيث لا يجد القارئ أي تمايز بين العالمين. وخلافا لذلك كان الكاتب يدوّن خصوصياته بحبر القضية التي ملأت حياته و»طريقه« ومنزله، ولم تنجُ منها الزوجة القادمة من غير هذا العالم. أقرأ إذاً »سيرة« الطوخي، بقلب شاعر وعقل مؤرخ، ولست هنا منحازاً إليه، وإنما رأيت التاريخ بتداعياته ينساب رقيقاً على »الطريق«، ذلك الذي عرفت قبلا بعض أخباره، ولكنني اكتشفت ضحالة معرفتي بعد الاطلاع على هذه »التجربة« الصاخبة المثيرة. كنت قد سمعت للمرة الأولى باسم عبد الله الطوخي أثناء زيارتي للقاهرة منذ عشر سنوات. ومما سمعته حينذاك عنه كان بالمصادفة، حين جمعتنا حلقة من مثقفين بينهم زوجته الكاتبة المسرحية فتحية العسال. تكرر اللقاء مع فتحية في بيروت، وهي المناضلة الشديدة المراس، فيما ظل عبد الله مجهول الوجه والدور. وذات ليلة حدثتنا الزوجة باقتضاب عن فصل من شريط الحياة مع الزوج... وكان شيقاً. بدأت حينذاك استذكر الاسم، كصحافي معروف في الستينيات، وفي مجلة كنت من قرائها وهي »صباح الخير«، شقيقة »روز اليوسف«، والتي كان أول رئيس تحرير لها الكاتب الشهير أحمد بهاء الدين، ثم الكاتب الروائي المبدع فتحي غانم. والبداية لم تكن من هناك، على أن المجلة اليسارية ظلت ملعبه »الأثير«، وهو الذي انتمى مبكرا الى الحزب الشيوعي المحظور.. كان الملعب يضيق أحياناً، فينكفئ خالي الوفاض، ولكن دون أن تنال منه عجاف الأيام. وفجأة ترتفع الستارة عن المشهد الأول، فإذا هو في الزنزانة »ممدداً على ظهره، معقود الكفين، والرأس مسند عليهما«. من هنا البداية وتحديدا غروب يوم من آب (أغسطس) سنة ثلاث وخمسين وتسعمئة وألف. ثم تنهال بسرعة أمامك الأحداث وبعضها معروف لديك، غير ان السياق هنا له لون آخر، وحركة الحدث مشحونة، كذلك التفاصيل أكثر جاذبية، فيكاد يلتبس عليك الأمر، إذا كنت أمام رواية محبوكة، أو سيرة ذاتية تبحر في أكثر من نصف قرن. ولولا معرفتك بالأسماء وشؤون أخرى، لوقعت فعلاً في اللبس. ولكن الكاتب الذي أتقن فن الرواية، وخياله ليست له حدود، قدم لنا سيرة في رواية، وكان مبدعا، سواء كانت هذه أو تلك. يتذكّر عبد الله في السجن، حيث الهروب الى الماضي مما يصرف عن اللحظة الثقيلة. يبدأ معها.. مع فتحية التي خلبت لبّ طالب الحقوق من النظرة الأولى، يطاردها، يرصد منزلها، ينتظرها عند »المكوجي«. تخرج متهادية في الصباح.. يتعارفان، يتجالسان على النيل.. الرواية تنطلق فعلاً، و»القدر« له كلمته أيضاً: »غمرني إحساس بأن فيها شيئا أليفا وقريبا مني«. فلتكن مغامرة إذاً، وليكن المضي بعيدا فيها، بمثل ما كان الانضواء في الحزب.. المغامرة التي يستطيع الإنسان من خلالها، ان يكون »كائنا جميلا... ويترك لخياله الحرية أن يطير به ويركب متن الرياح والأمواج دون خوف من عاصفة أو طوفان« على حد تعبيره. وهكذا السياسة تتداخل مع الحب، لتصبح هذه المعادلة أساس العمل الدرامي في السيرة الرواية، بكل ما يحمله من إيقاع ملتهب وحركة غير مستقرة.. إنها معادلة الزوجين عينها، حيث الحب العاصف المشترك والانتماء السياسي (المحظور) الواحد، لكن في المقابل يولد التناقض في عمق الالتحام، فإذا ما يصهر قد يصبح مفرِّقاً، وما يُبعد قد يقرِّب، عندما تكون الكلمة للواقع بشجونه وشؤونه. ينقلب حينذاك السحر على الساحر و»البطل« في صخب العاصفة أفلت منه الزمام، عندما هدأت الأخيرة وتجللت بالمعاناة العواطف.. والسياسة أخيرا لا ينطبق عليها قانون الحب... الجامعة، الحزب، فتحية وعندما يبدأ الطوخي حديثه من السجن، فإن المتحدث أيضاً هو الحزب (حدثو) الذي هو كل عالمه منذ أن دلف الى الشباب، تاركا وراءه القرية، حيث الأم القوية الشخصية، المتدفقة حبا صامتا والقابضة بأظافرها على تراب الأرض. وعلى الرغم من مروره العابر على مراتع الطفولة، وهو ما يشدك إليها، فإنه أصبح مرتبطا بالمدينة وجزءا من حركتها الصاخبة. وفوق ذلك ان ثلاثة أمور كانت كافية لتعميق ارتباطه بها، وفسخ علاقته بالقرية الى حد التخلي عن »الأرض«، وهي: الجامعة والحزب وفتحية. وهكذا فإن المسرح إلا قليلاً يدور أحداثاً على جبهة المدينة الواسعة، حيث المجال مفتوح على مداه للمغامرة، تلك التي وافقت مزاجه وتعايش معها، وصولا الى رحلة النيل المثيرة.. وفي كل ذلك كان ما يزال في دائرة الخطر. »عينان على الطريق«، لا ترمقان عن كثب الأحداث العادية أو الخاصة، لأن الشخصية التي قدم نفسه من خلالها الكاتب، هي شخصية المناضل، الممتدة مسافة على أربعة عقود كاملة (1953 1993)، أي منذ بدء التذكر في السجن حتى الانتهاء من كتابة »الرواية« الساخنة.. فلا وقت للحديث عن الطفولة الهادئة، واليفاعة ليس فيها مما يستذكر.. وليست سوى خاطرة سريعة تذهب به إلى القرية على جناح الشمس التي يخاطبها أيضا من وراء القضبان: »ينتابني الحنين ذات لحظة أن أرى قرص الشمس وهو يغرب خلف حقول وحدائق القناطر«. وهو باعترافه »لا يكتب تاريخ حياة، وإنما أيضا تاريخا لمصر«.. فكيف ينظر الى هذا التاريخ؟ ثمة عبارة لهيغل تختصر القضية كلها، وهي »ان تاريخ الإنسان الحقيقي هو تاريخ وعيه بحريته«. كان ذلك حاضرا في مسيرة »الأربعين« للكاتب، وفي تحولاته وتناقضاته، وكذلك في أوهامه التي تفجرت أزمات خاصة وعامة في آن. بيد أنه في كل التداعيات كان صادقا مع نفسه، ومع قضيته، ومع تاريخه، انطلاقا من النظرية السالفة حول اقتران التاريخ بالحرية. وفي السجن تترسب المعاناة، والروائي المرهف يصبح شاعرا في إحدى اللحظات، فإذا هو في شبه قصيدة يتفجر وجدا، ولكن من دون حقد على »السجان«. والقضية على الرغم من خصوصية الموقف، ينبض بها كلام حار: حبيبتي قد تطول رحلتي بعيداً عنك يا حبيبتي وعنك يا طفلي الحبيب.. لكن لن أتوه عنكما في المجاهل... أنتم تعرفون من الذي وضع ركامات الحديد على القلوب وعلّق ستائر الدمع على العيون حين عوى الصمت الموحش داخل بيتنا الصغير ومات النور من لياليه تذكّرت ملايين البيوت الأخرى حيث وحشية الفناء تنشر الصمت ... لقد أحببتك يا فتحية ... وفكّرت بأن حبنا لكي يدوم لا بدّ له من فداء. وفي موقف آخر نراه أكثر تفاؤلا، وهو يردد شعرا لناظم حكمت: »أجمل الأيام التي لم تأت بعد...«، لعله بالغ في التفاؤل فلم يأت الزمن الجميل بعد، وأكاد أغبطه على أيام السجن، حيث الأحلام تتلاطم، والقلوب متوهجة بالآمال.. بالحب. وقد تكون الأجمل تلك الأيام التي مرت في هذا المكان، وأن السعادة كانت في الانتظار، أكثر مما هي بعده. والشاعر التركي الذي كتب قصيدته في موقف مماثل (من السجن الى الزوجة)، كان الطوخي يتماهى معه في التجربة والأمل، ولكن الشاعر لم يصدق حدسه.. و»الأيام« الجميلة ما زالت عازفة عن القدوم. ومرحلة السجن تأخذ حجما كبيرا في الكتاب، وهي تكاد تقارب النصف منه.. إنها تجربة تستحق رواية أو مسرحية على غرار ما حققته فتحية في »سجن النساء«. ويخرج من السجن أخيرا ليواجه المتاعب.. »أوراق الحب« تتناثر أمامه، كذلك »أوراق الشر«. ما أشق السير بعد ذلك في دروب الحياة، خصوصا إذا كان »الخارج« زنديقا، وهي تهمة ما انفكت تتجدد بتعبيرات مختلفة منذ زمن بعيد. الأبواب مغلقة، كما أبواب السجن، وقليلها الذي انفتح تكاد لا تعانقه الشمس. والصحافي الذي غادر المحاماة، لم يزل يتعثر، وينأى الموقع المناسب عنه. فصاحبنا، وإن كان »زنديقا« فقد جهل الوسائل التي مكنت بعض المنتمين الى سربه من الصعود. ومع ذلك لم يسؤه المكوث على المنبر الذي أصبح جزءا منه، ولم يجد في الوقت عينه، ودونما تناقض مع نفسه، ما يحول دن تصفيقه، وبحرارة، ل»سجانه« الذي أمّم القناة وهزم العدوان الثلاثي، وانحاز الى الفقراء وناصر قضايا الشعوب المقهورة في العالم. افتراق الطرق في كل ذلك كانت فتحية قدره، وهي قد اعترفت قبلاً بأنه قدرها في رسالة له الى السجن.. فلم يستطع الاثنان كبح جماحه، خصوصا على »جبهة الزوجة« المندفعة في التيار الى المدى الأقصى، أليس هو الذي كشف الستار حين قُبض عليه، ومعنى أن يُنتزع من يديها ومن عيني طفلها الصغير؟ أليس هو الذي خاطبها بكلام غير مفهوم عن الحرية، وعن هيغل وجبران وناظم حكمت، معتمدا على صعوبة فهمها لمثل هذه العناوين.. ثم أليس هو الذي أخذ بيدها لتصبح كاتبة مثله، وعلى خط قريب منه، إذ خاض هو في الرواية، فيما اتجهت هي الى المسرح كإطار أكثر مواءمة مع تكوينها الدينامي ومع لغتها المبسطة. ولكن الطوخي لا يتراجع، وتبقى فتحية في اندفاعها بطلة السيرة الرواية، وهو ما ينفك آخذا بيدها، مشجعا دونما تردد. المكان الوحيد الذي ربما آثر ألا تذهب إليه، هو الحزب، فقد تسللت إليه من غير علمه وأخذت تحفر خطها المستقل عنه. رفض ذلك كأب وزوج، على انه لم يشأ التناقض مع نفسه، مع خطابه، ومع قضيته التي بهرت فتحية وجعلتها تتمرد على الظلم الذي وقع فيه. أخذ يغض النظر على الأقل، تاركاً ذلك للقدر، يسير فيه كما يشاء.. ودورته حينئذ لم تكن ثقيلة. على العكس؛ كانت مرحلة الربيع في حياته، إذ »النشوة تملأ القلب بفرح الانتصار على المستوى الشخصي أنا وفتحية وعلى المستوى الوطني الثورة وعبد الناصر وكذلك على المستوى الأممي جبهة التحرر بين الاتحاد السوفياتي والشعوب المكافحة من أجل استقلالها« على حد تعبيره. وفجأة يستفيق من نشوته على خبر أصابه في العمق.. كانت الأم، البقية من الزمن الجميل، قد أسلمت الروح. أدرك فداحة الخسارة، أحس بأن الأرض التي استبدل بها صخب المدينة، افتقدها في تلك اللحظة. كانت جذوره التي انقطعت مع الماضي البعيد.. فتشاءم.. وما لبثت التداعيات أن أثبتت ذلك. حاول الهروب الى النيل، حيث الرحلة، على متن مركب شراعي الى أسوان، والتي تحولت الى تحقيق صحافي مثير في مجلة »صباح الخير«، قبل أن يصدر بعد ذلك في كتاب يحمل اسم »النهر«. ولكن فكرة الموت لم تغادره، فاستغرق في تحقيق آخر حوله تحت عنوان: »السؤال المثير«، على أن ذلك كله كان مجرد »زبد«، و»النشوة« التي أخذت به ذات وقت أصبحت من الماضي، حين توالت سريعا أعوام الحزن.. حملة على الشيوعيين في الداخل، وفي غمارها يلحقه شيء من رياحها في المجلة الى الكارثة حسب تعبيره التي وقعت في »اليوم المشؤوم« 5 يونيو 1967 ... الى موت الرئيس الذي بقي البطل »حبيب الملايين« في قلبه. في كل ذلك تشارك بطواعية الطوخي اكتئابه، وتنحاز بكاملك إليه.. هذا المناضل النقي الذي تسامى على الحزن وتجنب الأحقاد، الى ان يكون النموذج في عطائه وصدقه والتزامه بالقضية. وحتى هذا الوقت كان عبد الله الطوخي ما يزال صامدا.. ولكن متى حدث التحول في الموقف السياسي.. ولماذا؟ كان ذلك في العام 1973، حين »تحطمت الخرافة« حسب تعبيره، بإسقاط خط بارليف، الذي كان له دويه المصري، كما العربي. على أن السادات »البطل« الذي صادر النصر، سرعان ما أخذ في توظيفه على طريقته، وهو الذي كان من أمنياته في الأساس ان يكون ممثلاً، فانقلب على خط عبد الناصر وعلى الحلفاء السوفيات، وجنح كلياً نحو الغرب. وفي غمرة ذلك كان يجد تأييدا، بل حماسة، من كثيرين لسلوكه.. ومن هؤلاء كان الطوخي، الشيوعي العنيف المعاند، ممن أغراهم التوقف عن معاكسة التيار والانضمام الى حركة الأخير. فقد كان الطوخي يرى ان تغييرا حدث بالفعل، وأن زمنا بدأت ركائزه ترسخ في الأرض. أو لنقل فجر الزمن القادم، عنوان رواية أخذ يعدها في ذلك الوقت »رامزا حسب قوله الى عصر السلام المرتقب«. ولكن هذا التيار الذي دفع بنفسه صاغرا إليه، كان حسب اعترافه »لا يزال بعيدا، دونه معارك وأهوال، ليس على المستوى العام وحده، بل أيضا على المستوى الشخصي«.. ودائما المقصود في العبارة الأخيرة، العلاقة مع »فتحية« التي وصلت حينذاك الى المنعطف الخطير. ومن المثير، بل من فرادة الموقف الدرامي في السيرة الرواية، ان الخاص غير ملتحم بالمطلق مع العام، وها هو الطوفان الذي تفجر من خيمة داوود وغمر مصر وما حولها، يكون أول المتداعين أمامه البيت الجميل، الممتلئ وردا وحبا وربيعا. والخط الذي كان من قبل واحدا يعبر عليه العشق، خرج فرع منه، فيما الأخير طرأ عليه ركود شديد. السياسة خط والحب خط.. وعبد الله، كرجل، بات أقرب بينهما الى الاختناق، خلافا لفتحية التي ألقت العنان لنفسها على الخط الأول الصعب، ولكن دون أن تتخلى عن الثاني أو تتمرد عليه. وكقارئ، قبل أن تكون صديقا، فإنك تنحاز هنا الى فتحية التي تعلمت السياسة، وهي تهتف الى زوجها من فوق الربوة المطلة على السجن، وترسخت في عقلها مبادئ وقناعات وهواجس... بعبارة أخرى، وجدت نفسها أمام »الطوفان« ولا تستطيع الانحراف عنه. وتبقى منحازا كذلك الى عبد الله، ربما أكثر بقلبك، خصوصا بعد الانفصال بين الاثنين. جميل ذلك الطلاق الذي وقع وكأنه لم يقع، حيث الزوجان في شقتين، ولكن باباً يصل بينهما ظل مفتوحا.. وظل عبد الله يأكل من طعام الزوجة والأولاد. وعندما تم اعتقال فتحية، هب عبد الله كالمصعوق يحاول أن يقدم شيئاً مما قدمته له في سجنه. ولكن الحب »يُبعث في الجحيم«، كما ورد في العنوان الأخير لسيرة »عبد الله الكبير« الذي ما كان أحد يظن أن تنتهي الرواية وكأنها فيلم مصري قديم.. كيف يكون ذلك.. هل السياسة التي أبعدت عنها الحب، رجعت فاستعادته بعد انكفاء الطوفان واشتعال الجحيم؟ لقد أحدث »كامب ديفيد« انقساما بين العرب، أصابت سهاماً منه الزوجين العاشقين.. وإذا بالاجتياح الصهيوني لبيروت (1982) الذي أثار تعاطفا عميقا مع العاصمة المحاصرة، وكان ممن تسلل إليها مخترقا حزام النار، فتحية ثم عبد الله.. هذا الاجتياح الذي كان القصد منه إطفاء روح المقاومة، عادت هذه لتشع من بيروت، الى الجنوب فالبقاع الغربي.. وفرسانها المجاهدون استردوا الكبرياء المفقود وبعثوا الآمال المغمورة بالظلام. ذلك هو التحول الحقيقي الذي كان على عبد الله أن يدركه، وأن يستعيد في ظله فتحية.. الحبيبة، الزوجة، الأم، ولكن كان عليه أن يعترف بأن فتحية المناضلة، الشديدة المراس، يصعب ترويضها. ولا أعتقد ان عبد الله كان يريد ذلك لو استطاعه، لأن مثل هذه الشخصية التي انطلقت، على مساحة واسعة من الضوء، كمناضلة وكاتبة مسرحية مبدعة هي ممن يعتز بدوره وعطائه وتضحياته. وأنت يا عبد الله.. أيها الكاتب المثقف اللماح.. أيها المناضل المفعمة روحه بالحب والثورة، بعد مرور أكثر من شهور ثلاثة على التجوال في »عينيك« الهادئتين، وجدتني بعد في خضمّ تلك الذكريات الصاخبة، دون الذهاب مجدداً الى ذلك »الطريق«.. حيث سبق أن ملأت جعبتي بالورود المتناثرة على ضفافه. (*) قراءة في كتاب عبد الله الطوخي »عينان على الطريق«.