لم يجد زاداً كثيراً في مناهج النقد عند العرب ولم يتعامل مع البنيوية وصيحات ما بعد الحداثة
آثرت أن أبقي النص الذي كتبه المعلم الدكتور إحسان عباس على حاله وألا أحشر الأسئلة التي أرسلتها إليه ضمن النص. وكنت قد وجهت إليه أسئلة تتعلق بمكانة النقد الأدبي في مجمل فعالياته الفكرية، والسبب الذي جعله يقتصر على نقد الشعر وسبب غياب التنظير في نقده التطبيقي، وهل يعود ذلك الى تأثره بالنقد الإنكليزي الذي يقل فيه التنظير إجمالا بخلاف النقد الفرنسي الذي يعتمد على الجدل النظري على حساب الإجراء التطبيقي. كما سألته عن المدرسة أو المدارس أو المذاهب الأثيرة لديه. وفي ما يلي نص إحسان عباس، فهو هكذا أقرب إلى سيرة أدبية ذاتية. إن قصر الدراسة على النقد المباشر لا يستطيع أن يكون منصفاً للدور الذي قام به إحسان عباس، بل لا بد من النظرة الشمولية التي ترى ان معظم ما قام به: في النقد المباشر، ودراسة التاريخ الأدبي، وتحقيق النصوص والترجمة... إنما كان يدور في فلك النقد. وسيأتي توضيح هذه النقطة في سياق هذه المقالة، ولكن قبل التوغل في شعاب الموضوع لا بد من وقفة عند النقد المباشر: 1 فهذا النقد يتعلق بالشعر دون سائر الفنون الأدبية، في معظمه. 2 وهو نقد انتقائي، إذ ان الشعر كثير، والناقد هنا يختار ما يرى فيه من خصائص تستحق أن تبرز، وتوضع في إطار. ولذلك فقد تجنب أن »يهاجم« الشعر الضعيف، لأنه لا يعده شعرا. 3 وهو نقد تطبيقي في مجمله، أي ليس هناك تنظير بالمعنى العام، وإنما النظرية »ذائبة« في تضاعيف التطبيق، والبحث عنها قد يعيي الدارس غير المطلع. الشعر يقود الناقد وفي سبيل معرفة المؤثرات النظرية التي عملت في تطبيق هذا النقد يمكن القول بأن الناقد في دور مبكر تأثر بنظرية يونغ في دراسة القصيدة، وأبعد كثيرا عن التأثر بفرويد، لأن أكثر أحكامه تنصب على الشاعر دون العمل الفني، على أنه لا ينكر انه يجنح أحيانا الى »الفرويدية« باعتدال ولو نشيط في الحكم، كما يبدو الحال عند نقاد آخرين. الى جانب الدراسات النفسية فقد تأثر بالنقد الانكليزي وبخاصة عند فراي (في نظرياته ونقده التطبيقي معاً) ومدرسة النقد الجديد، وقرأ كثيراً في كيفية تناول النص عند هؤلاء النقاد؛ ولم يكن يهمه تبنّي نظرية بعينها، إذ كان يرى بعد حصيلة دراسة طويلة متباينة المناحي (أحيانا) ان كل عمل فني هو قاعدة في ذاته، تنتزع من الناقد المنهج والأحكام التي تليق أن تطبق عليها، مع إخضاع كل ذلك لنظرة عامة وهي أن الشعر الجيد قديما كان أو حديثا يتحمل أن يرى بهذا المنظار، وأن يعامل على أنه شعر يَفرض على الناقد اكتشاف الطريقة التي تتمتع بوحدة موضوعية أو نفسية، وأحيانا تتمتع بوحدة عضوية. والاقتراب منها يجب أن يتم من الزاوية التي تسمح باكتشاف مكنوناتها الداخلية. عند هذا الحد لا يعود هذا الناقد ينتمي إلى مدرسة بعينها، وإنما يحاول أن يستمد من كل مدرسة ما يمكن أن تمده به في حال دون حال. (وهو على سبيل المثال قد أنفق وقتا طويلا في دراسة البنيوية وما بعدها، ولكنه لم يستطع أن يتعامل معها، وهو يسمع صيحات كثيرة حول الحداثة وما بعد الحداثة، ولكنه يرفض الخوض فيها لأن منهجه العام منذ البداية، كان هو التفتيش عن الحداثة/ في القديم والحديث على السواء). أما لماذا التأثر بنقد غريب وإغفال المناهج التي تبنّاها النقد العربي، ففي سبيل جلاء هذه الناحية، أنفق الناقد سنوات طويلة وهو يدرس هذا النقد من جميع جوانبه، وقد وضع في ذلك كتابه »تاريخ النقد عند العرب« وأبرز جميع الجوانب التي تلمَّسها هذا النقد، وكان الكتاب كله جوابا عن سؤال كبير: اين تأثرك بالنقد العربي؟ وفي تضاعيف ذلك كان يضع في الكتاب الى جانب التاريخ تصوراته النقدية وأحكامه التي تنتمي الى العصر الحديث. ان رؤيته للمقارنة بين شاعرين أو للوساطة بين اتجاهين أو لفكرة السرقات الشعرية أو حتى لفهم المحاكاة والتخييل كما تصورها النقاد القدماء، كانت كلها جوابا عن ذلك السؤال الكبير؛ لقد وجد في ذلك كثيرا من بذور نظريات كان من حقها أن تتابع، ولكن عدم متابعتها قد تركها تموت في مهدها؛ وقد توقف حائرا كيف يعلل فقدان »النص الشعري« من حيث هو كل في ذلك النقد، وأن هذا الناقد في تعلقه بالبحث المضني عن »الوحدة« في ذلك النص، لم يجد زادا كثيرا في مناهج النقد عند العرب ترضي تطلعه وتشبع فضوله. ونعود الى النظرة الشمولية التي ورد ذكرها في أول هذا الحديث: هناك جانب يعز تسجيله، وهو الدور الذي قام به إحسان عباس في تعليم: الشعر الجاهلي والأموي والأندلسي ودراسة شعر المتنبي وشعر المعري، وقد كان دائما معلما للنقد (وأذكر ان بعض التلامذة قد بلغ في تحليل القصيدة الواحدة ورؤية مكنوناتها، ما يعد في طليعة النقد التحليلي في أي أدب، وكان حسب المعلم أن يشير من بعيد الى »المفاتيح« التي تشتعل في مقاربة هذه القصيدة أو تلك ولكن كثيرا من هؤلاء الطلاب لم يتخصصوا في الأدب العربي، بل جذبهم التخصص الى حقول أخرى لم يعد للأدب والشعر فيها دور كبير)، أقول: هذه الناحية تعد جزءا من الذاكرة المفقودة، لا يمكن استعادتها؛ ومع ذلك فإن النظرة الشمولية قابلة للتطبيق في ما تبقى من جوانبها »المسجلة«. المعلم وفي هذا الصدد لا بد من القول ان مهمة »المعلم« بقيت مسيطرة على إحسان عباس في كل ما كتب، ومثل هذا القول لا يرسل هكذا إرسالا، فإنه لم يكتب كتابا واحدا لكي يصبح كتابا مقروءا يتداوله طلابه، لقد درس الأدب الجاهل والأموي ما لا يقل عن عشرين سنة، ولم يؤلف فيهما كتابا. وقد كتب كتابين في الأدب الأندلسي قبل أن يدرّس الأدب الأندلسي، وعندما وكل تدريس ذلك الأدب إليه ضاق ذرعاً به لأنه لا يريد أن يجعل ما ألّفه مقروءا على الطلاب، لقد كان ينفر من أن يضع أفكاره وتصوراته في قالب من أجل التعليم، لأنه كان يحب أن يرى المادة التي يدرسها كل عام في ضوء جديد، ويحس بالانتعاش الشديد والحماسة للموضوع إذا هو اهتدى لذلك الضوء الجديد، كان يكره الملل الذي يتسرب مع التكرار، وغايته في كل مجال هي الكشف والجدة؛ ولذلك كان معلما ناجحا بقدر محدد، إذ ان التعليم لا بد أن يقوم تقليديا على التكرار، كان يرضي نفسه أكثر مما يرضي الطلاب، ولكنه أيضا كان يحاول أن يبعث فيهم روح الاستقلال ووجدان الذات بأكثر مما يعدهم للنجاح في الامتحان ولن أتحدث هنا عن الرسائل التي أشرفت على إعدادها لأنها أصبحت تخص أصحابها. غير أنه في كل ما ألّف ظل يقوم بدور المعلم الذي يرسم الخطوط الأولى، ويترك بقية التصور للقارئ الطموح. كان حسن الظن في مستوى القارئ، وظل كذلك على الرغم من أنه اكتشف انه مخطئ، من أجل ذلك كتب فن الشعر وفن السيرة، وهما في نظره كتابان بسيطان للمبتدئين، نعم فيهما تحديد المعالم الأولى لكل موضوع، ولكنه لم يكن يتصور أن يغدوا مرجعين لدى الدارسين الأكاديميين في الدراسات العليا. لقد حزن كثيرا لهذه الظاهرة، ولكنه لم يحاول أن يتغير، لأن تغيره كان يعني إقرارا بانحدار المستوى الثقافي العام، ولذلك كتب اتجاهات الشعر العربي المعاصر وهو من آخر ما كتب على الطريقة نفسها أعني ملاحظات موجزة تهدي الدارس الى ما يجب أن يستوفيه. وإذا تقررت هذه المفهومات الأولية، فلنتقدم لنرسم منهجا أوليا أيضا لمن يريد أن يدرس الناقد لدى إحسان عباس، لا بد أولا من تقسيم الأعمال التي أصدرها تحت مقولات: 1 التاريخ الأدبي وهو يشمل كتابيه في الأدب الأندلسي ومقدمات الدواوين التي حققها مثل ديوان لبيد ديوان كثير ديوان الأعمى التطيلي ديوان ابن حمديس ديوان الرصافي البلنسي ديوان القتال الكلابي... ان كل ديوان هنا يمثل جانبا من العملية الشعرية ومستلزماتها النقدية، ولم يكن اختيار هذه الدواوين »اعتباطا«، ففي ديوان لبيد مقدمة اقتضت بذل جهد متواصل خلال 3 سنوات؛ وفيها من أسس الدراسة الأدبية ما يحمل ثمرة هذا الجهد، وكثيّر شيء آخر يستحق أن يدرس لإبراز جوانب لم تبرز لدى لبيد، والقتال نموذج للشعراء اللصوص، و... الخ. إن دراسة هذه المقدمات مع تاريخ الأدب الأندلسي تعطي صورة عن طريقة الناقد في تناول التاريخ الأدبي. 2 الشخصيات الأدبية: أبو حيان التوحيدي الشريف الرضي عبد الحميد الكاتب السياب البياتي ... الخ: ان كل دراسة هنا تشير الى منهج مختلف. (السياب، ابن خفاجة يخضعان للفهم النفسي وعلاقته بالفن. أبو حيان، البياتي، عبد الحميد يخضعون للنواحي الجمالية. وهي شواهد على محاولات لوضع مناهج جديدة). 3 الكتب التي قمت بتحقيقها: قد يظن الدارس انني قمت بتحقيقها تقديسا للتراث، لا. التراث فيه السمين وفيه الغث. والخطأ الذي يرتكبه الدارسون في هذه الأيام، اعتقادهم ان كل كتاب قديم يجب أن يبعث حياً، ولذلك ملأوا المكتبة العربية بكتب كان من حقها أن تظل مدفونة. القديم والحديث يخضع التراث الذي حققته لعاملين: 1 إحياء الجيد الضروري من التراث الأندلسي، لأني عندما كلفت بتدريس الأدب الأندلسي، وجدت المكتبة الأندلسية تشكو من الفقر، فبذلت جهدا مضنيا في بعث ما أعتقد انه ضروري للدارسين، ومن حسن الحظ ان الدراسات الأندلسية توسعت، وكثر الاهتمام بهذا الأدب، وهو جزء من الحضارة الأندلسية التي أعدها أغنى صور الحضارة العربية الاسلامية في نواحيها المختلفة. 2 توفير الكتب المهمة القائمة على نص صحيح في زاوية كتب التراجم، وذلك لأن هذه الكتب تمد الدارسين بالتاريخ وبصور من الحضارة، وبالمصطلح اللغوي المتطور. ان إخراج هذه الكتب للناس، علمني الدقة والاقتصاد في التعبير، وأغنى معرفتي التاريخية، وأشبع لديّ الرغبة في الكشف المتجدد. وجعل النظرة الى صحة النص قاعدة في عملي في اتجاهات غير التحقيق. وهناك زاوية لا يلتفت إليها في التحقيق، إذ يظنه بعض الناس إضاعة للوقت، وهربا من »الحداثة«، ولكن القيام بهذا العمل كان يحمل معنى التحدي، دون أن يكون ذلك مقصودا، فقد عشت مع القديم دون أن يفوتني قطار الأدب الحديث ومذاهبه ومحطاته النقدية، وكان في ذلك الرد على الزعم بأننا نلوذ بالقديم، لأن كل المجد فيه، ونهرب من التقدم، على أساس سلفية بليدة. 3 الكتب المترجمة: كل كتاب كان مختارا، لتوسيع الدائرة النقدية: بترجمة ستانلي هايمان وصفت للقارئ العربي أصول المذاهب النقدية، وأهم معالم كل مذهب (وتابعت بعد الترجمة قراءة الأصول التي يشير إليها المؤلف، وتأثر ما أنتجته من نقد مكتوب أو غير مكتوب بهذا الاطلاع) وفي ترجمة كاسيرر وجدت فهما جديدا للأصول الرمزية في الحضارة الإنسانية، أما ترجمة همنغواي لبيكر، فقد كانت درسا مقصودا في دراسة شخصية روائية بارزة، درساً لي ولغيري من الناس؛ وكذلك ترجمة ما كتبه ماتيسن عن إليوت أما ترجمة موبي ديك، فقد كانت نموذجا لفن الترجمة، في قالب عربي، يكاد لا يتأثر بلغة الأصل وتركيب جمله، و... الخ. ان كل كتاب من هذا كان مدرسة وحدها، ولكنها مجتمعا تصب في تيار النقد الأدبي. 4 دراسات مفردة: أ الشعر العربي في المهجر (كتب صديقي الدكتور نجم المقدمة، وكتبت أنا سائر فصول الكتاب) وكنا نريد أن يكون نموذجا لمعنى »المدرسة« في الشعر العربي، فقد كثر القول مدرسة الديوان مدرسة الإحياء مدرسة أوبولو الخ. دون أن تكون المعالم الضرورية للمدرسة حاضرة في أي منها. ولهذا حددنا المدرسة الرومنطيقية مجتمعة، ثم أبرزت في دراسة كل شاعر على حدة كيف يصنع »الناقد« مقالة نقدية (على الطريقة الانكليزية) عن كل ناقد بعنيه، دون أن يكون لديه سوى الديوان (نفس المحاولة في ما كتبته عن إبراهيم طوقان في مقالة موجزة في آخر ديوان الذي قمت بصنعه ونشره). ب ملامح يونانية في الأدب العربي: لقد قرأت كثيرا في الأدب المقارن، ولكني لم أقتحم لججه لأنه يتطلب الاطلاع الواسع على غير لغة واحدة، والانقطاع الكامل له دون غيره، ومع ذلك فقد جذبني الموضوع، وأسعفتني مكتبة جامعة برنستون على الخوض فيه (المكتبة الغنية مهمة جدا). ج العرب في صقلية (دراسة في التاريخ والأدب): كانت معالجة الموضوع كشفا جديدا، وهو رسالة جامعية مرتبطة بحدودها، (كانت استعادة المناطق الضائعة بعد ضياع فلسطين مهمة بالنسبة لي إذ لم أكن أستطيع أن أكتب عن فلسطين مباشرة، ومن أجل ذلك بكيت كثيرا عندما حققت ديوان ابن حمديس، لأنني كنت أردد كثيرا قصائده في الحنين الى صقلية هذا اعتراف، ولكن هذا التوجه نفسه لم يستطع أن يحيد بي قيد أنملة عن الموضوعية في ما أكتبه. 5 العملية التثقيفية تتناول هذه أهم المؤثرات في مرحلة الطلب، هنا تحتل الفترة التي قضيتها في الكلية العربية بالقدس أهم المراحل في هذه العملية، ففيها درست الأدب الانكليزي الأدب اللاتيني التاريخ اليوناني والروماني الفلسفة والمنطق، وأحسست أنني أستطيع أن أعمل في جميع هذه الاتجاهات غرور الصبا، ومع ذلك ظل التنوع في الاطلاع حقيقة مهمة في حياتي التثقيفية: لماذا قرأت انهيار الغرب لاشبنجلر في دور مبكر؟ وتأثرت به وبأفكاره، لماذا أدمنت كل ما وصل الى يدي من مؤلفات ماكس فيبر؟ لماذا أقرأ اليوم بختين بحماسة شديدة؟ لماذا قيض الله لي أستاذا انكليزيا وأنا أدرس العربية بجامعة القاهرة ليرتب لي منهجا لقراءة: جويس وفرجينيا وولف ود.ه. لورنس و... بنظام، وكأنه منهج مقرر عليّ... لماذا قرأت هاملت وأنا في الكلية العربية مرات ومرات؟ لماذا أغرمت بشعر وردزورث، وتوغلت في قراءته كثيرا، حتى حاولت محاكمته؟... الخ... الخ.. أين دور الأدب العربي في هذا التثقيف؟ لم أصدق نفسي حين اكتشفت أبا حيان أن في العربية أديبا بهذا المعيار، بعد أن عرفت الجاحظ. وكيف عرفت الجاحظ. أخذت طبعة سقيمة جدا من كتاب »الحيوان« وأخذت في قراءتها، وما لا أفهمه أقل بكثير مما كنت أفهمه، ومع ذلك فإنني كنت أقرأ لأصحح العبارة وأجعل منها شيئا مفهوما. هل تستغرب أن يكون تعلقي من بعد وقفاً على »النص الصحيح السليم«؟ ان قسمة الأعمال على هذا النحو لا تعني ان دارس النقد عند إحسان عباس لا يستطيع فهمه إلا أن يتقيد بها. أعتقد ان هناك نظرات يمكن أن تستمد من جميع الأعمال، وأن يقوم الدارس برسم منهج متكامل يفرغ فيه الحقائق أياً كان منتماها.