As Safir Logo
المصدر:

آخر المرافعات عن جعجع في قضية كرامي والثلاثاء جلسة ما قبل الحكم كرم يصف موكله بالضحية وشهود الاثبات بالكتبة والفريسيين(صور)

المؤلف: خشان فارس التاريخ: 1999-04-21 رقم العدد:8277

آخر المرافعات عن جعجع في قضية كرامي والثلاثاء جلسة ما قبل الحكم كرم يصف موكله بالضحية وشهود الإثبات بالكتبة والفريسيين ****** كتب فارس خشان: ليل الثلاثاء المقبل يقفل »الارجوانيون الخمسة« أبوابهم وينكبون وهم الذين أمضوا أكثر من سنة ونصف السنة يستوضحون ويتحققون ويستمعون تحضيراً لاطلاق كلمتهم في ملف اغتيال الرئيس رشيد كرامي باحثين عن الحقيقة في ملف تخطت اوراقه العشرة آلاف صفحة. الثلاثاء المقبل ينعقد المجلس العدلي برئاسة القاضي منير حنين لسماع آخر الكلمات في هذا الملف للنائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم ووكيل الادعاء الشخصي بسام الداية اللذين يريدان التعقيب على مرافعات جهة الدفاع عن المتهمين... وتنفتح الكلمات على مداها أمام قائد »القوات اللبنانية« المحظورة الدكتور سمير جعجع الذي عبّد له وكلاؤه بمرافعاتهم طريق الجلوس في مقعد الضحية السياسية مستخدمين لذلك كل العلم وكل الوقائع وكل العواطف وكل الأسئلة، حتى ان النقيب عصام كرم، وكان آخر المحامين المترافعين، كاد للحظة ان يشبه جعجع بالمسيح وهو الذي خانه شهود »كذبة. كتبة. فريسيون«، بعدما كان المحامي كريم بقرادوني قد ألقى عليه عباءة روبن هود لمن يحب الابطال وحكمة سقراط لمن يحب الفلاسفة القديسين وبعدما كان الدكتور ادمون نعيم قد اجاد في وصف جعجع بأنه ضحية ساسة متآمرين. إذن، النقيب كرم ترافع، أمس، مستغلاً كل ما أعطي من مواهب الخطابة وسرعة الخاطر والظرف اللاذع وسعة الاطلاع فهاجم في السياسة وكرر مقولة طائفية لبنان حتى كاد يعتبر جعجع منقذ وطن رذلوه في السجن... وها هم في القانون ليسقط مقولة »الفاعل الذهني« و»الفاعل المعنوي« مستنداً الى روايات عن الاختراق. أراد كرم في الجزء الأكبر من مرافعته وقد خصصه لوقائع قرار الاتهام ان ينشر غيوم الشك فوق كل سماء قد تحرق شمسها جعجع... فهاجم الشهود وابرز تناقضاتهم... وهاجم المحققين العسكريين وشدد على ظلمهم... وهاجم المحقق العدلي جورج غنطوس غامزاً من موضوعيته... وهاجم المجلس العدلي ملمحاً الى عدم توفير ظروف ملائمة للدفاع... وهاجم »زملاءه« في الادعاء الشخصي ليسقط عنهم الاحتراف... وهاجم الادعاء العام بشقيه الناعم جداً (ربيعة عميش قدورة) والخشن جداً (عدنان عضوم)... لم يكتف بل شكك ببنية القرار الاتهامي لدرجة اعتبر فيها انه كتب ثم سعت التحقيقات الى تدعيم وقائعه. ووصل كرم الذي ركز على حياديته التاريخية تجاه »القوات اللبنانية« الى اعتبار وقائع الملف بالمفبركة.. هو هاجم الجميع إلا انه وفّر في مرافعته الى حد ظاهر جداً العميد خليل مطر حجر الزاوية في هذه القضية وقد يكون ادرك ما فعله فمهد لذلك بمقدمة ذكر فيها انه كان وكيل مطر في التحقيق الاستنطاقي وتركه حين برز تناقض بينه وبين موكله الاصلي الدكتور جعجع، وهو شاء من هذه الواقعة أيضاً أن يتبرأ من كل ما قيل عن دور له استعمل لتغطية ما قاله مطر ضد اسلوب المحقق العدلي في تدوين افادته او في استدراجه الى قول ما لا يريده لأنه لا ينطبق على الحقيقة. ويبقى هل نجح كرم؟ اثار نقاطاً في الملف، لم يثرها غيره من وكلاء جعجع... نقاط جمعها من التناقضات واستقاها من التفاصيل... بدا واضحاً انه لا يريد التذرع بالحرب وقوانينها ولا بالعفو العام وظلمه... بل بالبراءة الكاملة من دم الرشيد الذي حاز سيلاً من مدح كرم. وعلى الرغم من ذلك... يستحيل الجزم بأنه وصل الى النتيجة المتوخاة او قصّر... لأن الكلمة الفصل تبقى لذاك الحكم الذي سيصدر »باسم الشعب اللبناني« في مهلة يستحيل ان تتخطى أواخر حزيران المقبل. وكانت هيئة المجلس العدلي قد التأمت عند الساعة الرابعة والثلث برئاسة القاضي منير حنين وعضوية المستشارين أحمد المعلم، حسين زين، رالف رياشي وغسان ابو علوان بحضور النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم والمحامي العام التمييزي القاضية ربيعة عماش قدورة. حضرت جهة الادعاء الشخصي ممثلة بالرئيس عمر كرامي وشقيقه معن المحامون: بسام الداية، حسن قواس وخضر حركة. أحضر المتهمون ومثلوا مخفورين من دون قيد وهم: سمير جعجع، العميد خليل مطر، كيتل الحايك، عزيز صالح، انطوان الشدياق والرقيب في قوى الأمن كميل الرامي، وحضر وكلاء الدفاع عنهم. وترافع النقيب عصام كرم فقال: خمس سنين، ونحن أمام المجلس العدلي الكريم. خمس سنين.. ناس غابوا. وناس بقوا. كأن ساحة المجلس العدلي، في هذه القضية، كانت ساحة الموت والحياة. قضاة قضوا. صاروا في دنيا الحق. وقضاة تقاعدوا. نزلوا عن قوس الحق. وقضاة بقوا... يعتلون القوس ليقولوا الحق. أوليس من اجل هذا كان القضاء... من أجل قول الحق وإقامة العدل؟ ومحامون. منهم من سقط في ساحة الواجب. ومنهم من أدى قسطه من الواجب. ومنهم من لا يزال ماثلاً أمامكم لإكمال مسيرة القيام بالواجب. ومتهمون. يأتون ويذهبون. يتغيرون كلهم... لا يبقى إلا سمير جعجع... من خمس سنوات في قفص الاتهام. كأنه، سمير جعجع، مكتوب عليه أن يحمل خطايا العالم. مع أنه، في الملفات التي عرضت على المجلس العدلي، لا يتسربل بالخطايا ولا يرفل بالذنوب. السياسة قضت بأن يكون ههنا.. من خمس سنين... في قضايا لم يقل، مرة، انه مرتكبها... إلا بالجريرة. مع أن الانسان لا يؤخذ بالجريرة، كما قلنا دائماً، بل هو يؤخذ بالجريمة. جريمة سمير جعجع... ما هي؟ لا دليل عليها في الملفات إلا في منطق من نوع أن القوات اللبنانية ارتكبت. جهاز الأمن. جهاز الصدم. جهاز الحماية والتدخل. وما دام رؤساء الاجهزة مرتبطين، مباشرة، ب سمير جعجع... وما دامت جرائم في حجم هذه الجرائم... من قتل داني شمعون الى قتل رشيد كرامي مروراً بمحاولة قتل ميشال المر... هذا إذا استثنينا، موقتاً، جريمة نسف الكنيسة التي برأ المجلس منها، سمير جعجع، وجريمة قتل الياس الزايك... ما دامت جرائم بهذا الحجم لا ترتكب على يد »القوات« إلا بارادة قائد »القوات«... إذاً، فلنحكم على سمير جعجع. في كل مرة، كنا نقول »لا«. وكنا نقول إن لتصفيات الحسابات السياسية ساحات فسيحة. وسيعة. ساحات وأمداء. ووسائل قال بها مفهوم السجال السياسي... حتى أننا، مرة، تساءلنا: لو كان سمير جعجع قَبِل بالوزارة، التي عُرضت عليه بعد الطائف، هل كان يمثل أمام القضاء... أمام المجلس العدلي؟ ومرة بعد، نسأل: لو كان سمير جعجع دخل الوزارة، كما عَمِل سواه، ماذا كان صار بدم المرحوم المهندس داني شمعون، وبدم المرحوم الدكتور الياس الزايك، وبدم الوزير ميشال المر، ولو هو لم يهدر، والحمد لله، وبدم المرحوم الرئيس رشيد كرامي؟ هذا الدم كله كان انمسح. كان جُهِّل سافكه. كان بقي بقعة حمراء تندد بالفاعلين الآثمين على مدى التاريخ. وكلام آخر في هذا المجال. لو كان سمير جعجع قَبِل السفر، وقد عُرض عليه السفر وهو مازال في غدراس يقول ال»لا« وال»نعم« في منطقة من مناطق لبنان.. لو قَبِل بالسفر سمير جعجع، لما كان قطب تجاذب بين إدعاء ودفاع. من هنا، أن المحاكمات... كلها... محاكمات سمير جعجع... كانت محاكمات سياسية. ولا بدع. ما في لبنان وحده هذا السمت. في العالم كله هكذا. من العالم الثالث الى العالم الثاني وصولاً الى العالم الأول. وتحدث عن الاسئلة التي طرحت فقال: ما مرة كُثرتْ علينا الأسئلة مثلها في هذه المرة. كأن البراعة إنما كانت، او الدليل عليها، في الاكثار من الأسئلة. الدليل على البراعة وعلى اثبات الوجود. كأن لا يجوز أن يُطرح موضوع لا تُطرح في شأنه أسئلة. مع أن الأسئلة فن... كما المرافعة نفسها... فن. السؤال، في كل المرافعات وفي كل المحاكمات، شيئان: استراتيجية وتكتيك. هنا، لا بد من الكلام فلا يحق للدفاع، ولا، طبعاً، لفريق آخر، أن يعترض على طرح سؤال يكون، هو خائفاً من نتيجة الاجابة عنه. لأن في ذلك دلالة ضعف واقراراً بهذا الضعف. وقال: في جلسة 11 2 98، يبرز النائب العام مستندا تضمن اسقاط الحق العام عن يوسف البيطار، المعاون الاول الخبير في قصص المتفجرات، وذلك في معرض الادعاء عليه بالاشتراك في جرم متفجرات مع القوات. من حق النائب العام ان يبرز كل مستند يتعلق بالقضية ساعة يرى هو ذلك مناسبا. على ان يبقى من حقنا، نحن، ان نقول في المستند ما نراه مفيدا للدفاع. فنقول، في هذا الشأن: ترى، اين كان هذا المستند قبل ان يدلي يوسف البيطار بشهادته امام المجلس العدلي؟ هل كان معروفا وصار تستير عليه حتى قال يوسف البيطار ما قال... فسحب من المخبأ، المستند الاسقاط، للاقلال من قيمة شهادة مَن أدلى بالشهادة في ظل اليمين؟ اكثر بعد. اين كان هذا المستند قبل ان يسمي النائب العام، شهود الحق العام، شهود النائب العام، كما في التسمية القانونية؟ وأخيرا... لو كان يوسف البيطار قال غير ما قال، هل كان يشرع المستند الاسقاط (...) ليس كثيرا القول ان الضغط والكيفية رافقا التحقيق في بعض مراحله في هذه القضية. وعن الشهود قال: قلما توافر عدد من الشهود في قضايا كمثل عدد الشهود الذي توافر في هذه القضية. والشهود بشر. لذلك هم مبتلون بلوثة الكذب. لوثة؟ اكثر من لوثة بكثير. منهم مَن تعمّد الكذب. جيء بهم ليكذبوا. شهود المدعي العام حيروا المدعي العام. فاحتفظ بحقه في الادعاء عليهم بالشهادة الكاذبة. مع ان الجرم، في هذه الحالة، هو جرم الشهادة الزور. وقال: احتفظ النائب العام بحق الادعاء بالشهادة الكاذبة على كل من شهود الحق العام... شهود المدعي العام... الآتية اسماؤهم: شحادة شواح، روبير ابي صعب، بطرس الغزال. ولم أعلم كيف نجا من ادعائه، او من حفظ حقه في الادعاء عليه، المعاون اول يوسف البيطار. هو ربما فعل، لكن محاضر المجلس العدلي خلت من ذكر ذلك. ولم أفهم لماذا وفر خوسي ألبرتو هنري باخوس وامال عبود وطوني ابو جودة »زورو« وغيرهم. مع ان كل هؤلاء تساووا في العظمة والكرامة. لأنهم، هؤلاء، ليسوا شهود المدعي العام. ولا شهود الحق العام. انهم شهود السلطان. كان السلطان سمير جعجع. فشهدوا له. فانقلب به السلطان. فشهدوا عليه«. واشار الى ان هؤلاء كذبة. فريسيون .كتبة. وفي المسائل التقنية قال: المسائل التقنية التي أثيرت في هذه القضية كثيرة، ودقيقة، ومعقدة... واضاف الى مواصفاتها طول الشرح امام المجلس العدلي، صفة بعد. هي انها مملة. وعن السلكين قال: من اين جاء هذان السلكان حتى وصلا الرائد سيمون عقل من عنصرين من المخابرات؟ لا شيء يقول. سوى ان الرئيس الاول قال لنا، في جلسة من جلسات المجلس العدلي، في مطلع الجلسة، انه سأل المحقق العدلي غنطوس. فأفاد بأنهما كانا عنده. نحن نصدق المحقق العدلي، ونصدق الرئيس الاول. ولكن، ألم يكن اجدى، لراحة بالهما هما، بال الرئيس الاول والمحقق العدلي، ان تكون نظمت قائمة مفردات أرفقت بالمحضر التأسيسي، تشير الى مصدر هذين السلكين؟ لا الخبير يوسف البيطار عثر عليهما. ولا النقيب شربل برق. فمن اجل اطمئنان العدالة الى انها عادلة... اما ان يخرج السلكان، واما ان يقال لنا من اين جاءا... من اين جاء بهما عنصرا المخابرات الى الرائد سيمون عقل. وعن قاعدة أدما قال: أدما، في هذا الملف، ممنوعة من الصرف. ما احد يشير اليها. مع ان العبوة وضعت في ادما. ومع ان ادما كانت مؤتمنة على الغوالي... على ارواح الناس الذين كانوا يسافرون منها الى مناطق لبنان، والى قبرص... ومن قبرص الى ارجاء الدنيا. ادما كانت مؤتمنة على الغوالي. من هذه الغوالي، وفي صف الطليعة منها، عافية المرحوم الرئيس رشيد كرامي.. وما احد عرف مَن عيّن 906 لمهمة طرابلس. ولماذا رُُبطت 906 ب 908؟ وانتهى التحقيق. وظل السؤالان بلا جواب. ثم ركز على حيثيات قرار الاتهام وعدد التناقضات التي وقع فيها الشهود والمتهمون في الخلاف على عدد رحلات الاستطلاع وعلى الزورق وغرفته. وكذلك بالنسبة لوقائع الاغتيال. وانتهى الى القول: »في خاتمة ذاك النهار القاتم، مَن فعل الفعلة المنكرة؟ الجواب عند يوسف زخور: شباب القوات يومذاك قالوا: المخابرات او الفلسطينيون او الاسرائيليون. ووصف القرار الاتهامي في هذه القضية بأنه كأنه وضع قبل التحقيق. فصار على التحقيق ان يأتي على قياس القرار الاتهامي. وعن سمير جعجع والواقع اللبناني قال: لماذا لا نتصارح، نحن اللبنانيين؟ لو كنا تصارحنا من زمان، لما كنا نعايش انتكاسة كل خمس عشرة سنة... هذا بعد الاستقلال في سنة 1943. في 1958 كانت لنا انتكاسة... طلعنا منها بالتكاذب المأثور بيننا. لا غالب. ولا مغلوب. وفي سنة 1973، بعد خمس عشرة سنة، كانت لنا انتكاسة لما نطلع منها بعد. ولو نحن تصارحنا، صادقين، في سنة 1943، يوم حدث النفيين... حديث اللاءين، كما قيل يومذاك، لكنا ربما، استطعنا تدارك أشياء كثيرة حدثت مذّاك... حتى ربما ولا بد من هذه ال»ربما« الانتكاسة التي تسبب فيها الصراع العربي الإسرائيلي، صراع الشرق الأوسط على أرض لبنان... على الساحة اللبنانية... كما في التسمية التي درجت. يومذاك، في 1943، قال المسيحيون »لا« للغرب. وقال المسلمون »لا« للشرق... ليستطيعا، كلاهما، مسلمين ومسيحيين، أن يتعايشوا بكرامة في لبنان... وما كان للبنان يومذاك، أن يُنعت بالواحد الموحِّد. هذه من تقليعات ما بعد 1973. لبنان الأحداث الأخيرة، وهذه المحاكمات هي محاكمات حقبة من تاريخ لبنان في شخص سمير جعجع. لا محاكمة سمير جعجع... لبنان الأحداث الأخيرة... كان قسمين... لبنانين... تفصل بينهما خطوط التماس. لذلك كان يجب أن يحاكم الجميع... فلا يكون لنا من عجينة واحدة، ناس يحكمون وناس يحاكمون... أقول هذا، مع اقتناعي الراسخ بأن موكلي بريء. من هنا ان المساواة التي أطلب، أكبر بكثير من أن تعني التساوي في المحاكمات القضائية. وأكبر بكثير من أن تكون تعادلا بين الذين حملوا السلاح... في هذا الخندق كانوا، أو في ذاك، المساواة التي أطلب إنما هي المساواة التي يجب أن يقوم عليها الوفاق الوطني. أضحكني أمين محمد يونس، وهو المجهول لدى الجميع، إذ يقول ان رجلا في حجم كميل شمعون كلفه وضع صيغة وفاق. أمين محمد يونس ساعي بريد. وهيهات! فجاء أمام المجلس الكريم يقيم نفسه منظِّراً سياسياً أساسياً... مثل سوسلوف... كدنا نقول. لكن حكاية أمين محمد يونس كانت ضرورية. مثلما حكاية روبير أبي صعب عن التوزير، توزير سمير جعجع كانت ضرورية. وضرورية هي كانت في النصف الأول من سنة 1987... حتى يتبرر شحن الفكر عند سمير جعجع ضد رشيد كرامي... وحتى يتبرر التصميم على اغتياله... ويتبرر تنفيذ هذا الاغتيال. لبنان هكذا... من سنة 1842. على بروتوكول 1864 انقسم اللبنانيون. وانقسموا على دستور 1920. أهل الولاء للانتداب نسبوا امتناع السنّة عن المشاركة في الإجابة عن الأسئلة التي طُرحت، إلى أنهم لا يريدون أن تكون مشاركتهم بمثابة اعتراف باستقلال »لبنان الكبير«. ما يزال لبنان هكذا. لماذا نتكاذب، يا لبنانيون؟ بعد دستور 1926، انقسم الناس. ناس مع الدستور. هم المسيحيون. وناس ضد الدستور. هم المسلمون. المسلمون السنة خصيصا. لأنهم رفضوا أن يكون الدستور صناعة فرنسية. مرة على يد بول بونكور، النائب الفرنسي، رئيس اللجنة الخارجية في الجمعية الوطنية. ومرة على يد بول سوشيي، القاضي في مجلس شورى الدولة في فرنسا، كما صار التصحيح فيما بعد. مع أن اللجنة الاثنتي عشرية النيابية المؤلفة برئاسة موسى نمّور، وكان هو العضو الثالث عشر فيها، ومقررها شبل دموس، عملت على الدستور اللبناني. والأوراق التي وُجدت في ملفات ميشال شيحا بعد وفاته شاهد على ذلك. في الواحدة والنصف من بعد ظهر السبت 23 أيار 1926، اتصل موسى نمور بالمفوض السامي الفرنسي، وكان هنري دو جوفنيل، نائب كوريز، Sژnateur de Corrڈze وزوج الأديبة كوليت، يعلمه بأن اللجنة فرغت من أعمالها. فدعا المفوض السامي، المجلس، في اليوم التالي، وكان يوم أحد، الى الانعقاد لإقرار الدستور وللتمكن من أن يقول ل»عصبة الأمم« ان فرنسا الانتداب نفذت وعدها الذي أطلقته في 23 أيار 1923 بأنها ستزوِّد لبنان بدستور Statut Organique في خلال ثلاث سنوات. المسلمون لم يرضوا. مثلما هم لم يرضوا في أول أيلول 1920. لأنهم ما أرادوا »لبنان الكبير« صورة منقحة عن إمارة 1841. وعدم رضاهم ذهب بهم بعيدا يومذاك. فطالبوا بالانضمام الى سوريا، رافضين ضم الأقضية الأربعة الى لبنان وطريق الجنوب وبعض مدن الساحل. خصوصا انها سُلخت من سوريا بلا استفتاء... بإرادة الانتداب التي كانت لا ترد يومذاك. فهل نأخذ على سمير جعجع أن يكون قال ان عبد الحميد كرامي كان من دعاة الوحدة مع سوريا؟ الأزمة، يومذاك كانت مسألة »الوحدة السورية«. فقد حاول المفوضون السامون، من دوجوفيل الى بونسو الى دي مارتيل، أن يوجدوا صيغة تبقي على نظام الأقضية: حلب، اللاذقية، جبل الدروز، دير الزور، بلاد العلويين. فما أفلحوا... الى ان كانت المعاهدة السورية الفرنسية. في سنة 1933 في الأسابيع الأخيرة من تلك السنة اجتمع السنّة تحت مظلة »مؤتمر الساحل« يناصرون الوحدة العربية الشاملة. وفي أول تشرين الأول 1936، دُعي مؤتمر سمي »المؤتمر الوطني الاسلامي«. هو هو »مؤتمر الساحل«. لأن المتلاقين فيه توافدوا من الساحل يطالبون بالسيادة المطلقة في إطار الوحدة السورية على انها مدرجة الى الوحدة العربية. كأن شحادة شواح يعرف التاريخ... إذ قال ما قال عن مقال سمير جعجع في انتماء آل كرامي. الانتماء العربي، المطالب يومذاك، بالوحدة مع سوريا. كل هذا... لماذا؟ لماذا حمل المفتي، الشيخ توفيق خالد، مطالب المسلمين؟ لأن البطريرك الماروني، مار أنطون بطرس عريضة أعلن مطالب المسيحيين بتاريخ 6 شباط 1936. مع أن المطالب متشابهة... مطالب المسلمين ومطالب المسيحيين... لا فرق بينها إلا الموقف من الوحدة السورية. من الوحدة مع سوريا. لا من سوريا. هذا هو تاريخ لبنان. في سنة 1920، ما اعتبر المسلمون، لبنان وطنا لهم. فصاروا، للتعبير عن ذلك، يكسرون القطار الكهربائي. في سنة 1990، سبعون سنة من بعد، صار المسيحيون يعتبرون ان لبنان الطائف ليس وطنا لهم. فصاروا حائرين لا يدرون ماذا يفعلون. كلاهما مخطئ. مسلم 1920، ومسيحي 1990. لان لبنان لهما كلاهما. للنصارى والمسلمين، مواطنين متساوين امام القانون في الحقوق والواجبات. والسنة... مثلما كانوا من دعاة الوحدة السورية في سنة 1920، وفي مؤتمري الساحل في سنة 1933 وفي سنة 1936، كانوا، في سنة 1943، وفي صف الطليعة منهم، عبد الحميد كرامي، من بناة الاستقلال اللبناني ومن ركائزه والدعامات. واذ تحدث عن ان القوات اللبنانية مخروقة قال: ترافعنا، دوما، في قضايا الدكتور جعجع، على ألا يجوز ان يؤخذ الرجل بالجريرة. لأن الانسان لا يؤخذ بالجريرة، بل بالجريمة. ... وكأن المشتغلين في القضية حفظوا الكلام. لذلك، كان على سمير جعجع ان يظهر على الساحة، هذه المرة. فلم يكتفوا به يقول، بلسان غسان توما، للعميد مطر على الزورق، كما في بعض الكلام: الحكيم يسلم عليك. وهو مسرور ان تكون معنا. مع ان العميد مطر نفى سماعه هذا الكلام. لم يكتفوا بذلك. ولا هم اكتفوا، كما في دعوى شمعون، بأن ينقل روبير أبي صعب، عنه، كلاما الى غسان توما: ما بدي سليمان فرنجية تاني بالمنطقة. لا! هذا بطل كافيا. لذلك، كان ظهور سمير جعجع في مبنى الامن. وكان كلام آمال عبود، مثلما كان كلام »زورو« عن كلام الشتم ضد كرامي...«. أضاف: »الفاعل الذهني حالة نادرة. نادرة جدا. غاندي كان فاعلا ذهنيا. كان يصوم. فيثور الشعب الهندي على بريطانيا، ويقاطع انتاج بريطانيا، والمهاتما في منزله نائم صائم. الامام الخميني فاعل ذهني. يغضب في نوفل لوشاتو، في فرنسا، فينزل ملايين الناس الى الشارع ويهزون العرش بالشاه. عبد الناصر فاعل ذهني، احمد سعيد يحكي، باسمه، في »صوت العرب«، فيحصل انقلاب في اليمن. ديغول فاعل ذهني. مع انه التزم أن يستعمل سلطته حتى صار اعتقال سالان وجوهو في الجزائر. هل سمير جعجع، من بعد، فاعل ذهني؟ لا! وهل سمير جعجع، من بعد، فاعل معنوي؟ لا! مقتل رئيس حكومة لا يصير من دون ارادته وموافقته. ومقتل رئيس جمهورية يجوز. حكم المحكمة العسكرية في قضية محاولة اغتيال الرئيس الهراوي قال بعدم معرفة سمير جعجع بفعلة شحادة شواح. وختم: سمير جعجع بريء من هذه الجريمة. صدقوني، يا أهلنا، يا آل كرامي، يا دوحة ركيزة في الواقع اللبناني وفي التكوين اللبناني. صدقوني اذا قلت لكم ان المطلوب في هذه الدعوى لم يكن دم رشيد كرامي بقدر ما كان رأس سمير جعجع. صدقوني، وقد سمعتم ما قلت، اخذا عن الملف، عن لعبة التوقيت... توقيت فتح الملفات. دم الرئيس رشيد كرامي، الزعيم الوطني، ورجل الدولة، ليس في عنق سمير جعجع، يداه بريئتان منه. مثلما ذهنه بريء. دمه أمامنا في عنقنا، جميعا. في عنق وطن بدا، في وقت من الاوقات، كأنه لا يستحق البررة من بنيه. كان دمه الطهور ركيزة أساس في بناء وحدة وطنية تقوم على الصدق والعقلانية والانفتاح لانها، اذ ذاك هي الوحدة الباقية. وليبرأ سمير جعجع مما نسب اليه. لانه لم يرتكب. لا بالذهن. ولا بالفعل. ان لفي هذا حقا وعدلا نطلبهما من اعلى هيئة قضائية في البلاد... حتى يقال ان القضاء اللبناني فوق كل اعتبار!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة