محاكمة نزار قباني المرأة بوابة تاريخ وحضارة وعالم يومي **** يعانق الشرق أشعاري.. ويلعنها فألف شكر لمن أطرى، ومن لعنا فكل مذبوحة دافعتُ عن دمها وكل خائفة أهديتها وطنا وكل نهد أنا أيدت ثورته وما ترددت في أن أدفع الثمنا أنا مع الحب، حتى حين يقتلني إذا تخليت عن عشقي.. فلست أنا عنوان هذه القصيدة »المحاكمة«. وقد ظل نزار قباني خمسين عاما في قفص الاتهام. يحاكمه اليمين باسم الأخلاق والدين ويحاكمه اليسار باسم التقدم والعدالة الاجتماعية. أما هو، الشاعر، فقد خالف سنن العصر واعتمد الكلمة المنطوقة فسار شعره على لسان الجمهور على أنه شاعر الرغبة التي لم يجرؤ أحد على الافصاح عنها، وشاعر جمال لم يسمح الواقع العربي له بالظهور، وشاعر حرية لامرأة مقموعة مكبوتة. مثل هذا الشعر الذي يحمل رسالة الجمال والرغبة والحرية لا يمكن ان يلغز او يعمّي بل لا بد له من مقدرة فذة على التوصيل. فتوسل له بقرب المأخذ وعذوبة الألفاظ وخصوبة الخيال لكي يزيّن الحياة ويقدم عالما أجمل يرغب الانسان العربي في ان يستبدل به واقعه المأزوم على كل صعيد. يقول نزار وهو ينتظر حبيبته وقد لاحت لناظره: وأقبلت مسحوبة/ يخضر تحتها الحجر ملتفة بشالها/ لا يرتوي منها النظر أصبى من الضوء/ وأصفى من دميعات المطر هذا ليس غزلا بامرأة، هذا شعر يقدم رؤيا عن حياة جديدة، عن عالم بكر، عن صفاء روحي أثيري، لم يجد الشاعر سبيلا للتعبير عنه أفضل من تجسيده بشكل امرأة أنيقة منتظرة. فهو غزل يفيض أشواقا روحية وتطلعات حضارية، لذلك يتجلى في نفس القارئ فيعيش زمن الشعر وكأنه ينظم القصيدة ويعاني تجربتها.. وتلك هي بلاغة الوضوح. البلاغة التي تسمي الأشياء بأسمائها: تسمي الرغبة والوطن والنهد والساق والظلم والحرية، مثلما تسمي مشاعر الانسان نحو هذه العناصر الأولية. تسمي الاشتهاء وحب الوطن والافتتان والنفور فتجسدها بحالات تحيل القصيدة الى صيحة بدائية تنقل دهشة الانسان الأول وفرحه باللذة وإحجامه عن الألم وحزنه من الموت. حوار افتراضي وهذا هو عالم الحلم الذي تلبي فيه القصيدة جميع الرغبات فيتنبه القارئ الى المكبوت من عواطفه ويسعى الى تلبيته عن طريق تغيير الواقع. ففي كل حلم عنصر توعية او تذكير بشيء منسي. تتحدث القصيدة النزارية غالبا بضمير المتكلم »أنا« الذي يتحاور مع مخاطبة أنيقة جميلة هي »أنتِ« ولكن »أنا« الشاعر في القصيدة »أنا« افتراضية صنعتها مخيلة الشاعر كما يقبل بها المجتمع والأعراف الأدبية. يترتب على هذا ان »أنتِ« المخاطبة هي مخاطبة افتراضية. اي ان الشاعر يخلق شخصيتين وهميتين يتحاوران: الشاعر يمثل قيم الحداثة والتحرر، اما المخاطبة فامرأة خائفة مترددة. هي تعيش حسب تقاليد لم تعد تتمسك بها، والشاعر يقدم إليها نموذج المرأة الحرة المتجددة والقادرة على تجديد المجتمع العربي بأسره لينهض هذا المجتمع العربي على أسس من الثقافة والتنوير والحرية والديموقراطية، وهذه هي مبادئ عصر النهضة. وبالتالي فنزار قباني شاعر نهضوي يرى في كل امرأة إمكانا للنهضة: أريدك أنثى لتبقى الحياة على أرضنا ممكنة وتبقى القصائد في عصرنا ممكنة وتبقى الكواكب والأزمنة وتبقى المراكب والبحر والأحرف الأبجدية فما دمتِ أنثى فنحن بخير وما دمتِ أنثى فليس هنالك خوف على المدنية بالحب، أراد نزار قباني ان يغير النمط الموروث من العلاقات الاجتماعية. وبالحوار أراد ان يغير القناعات التقليدية عند أنماط النساء المستكينات. وكان الشعر الجميل وسيلته الى ذلك. ولعمق إيمانه برسالته أصبح أفضل شاعر للغزل في تاريخ الأدب العربي. ولا شك بأنه أضاف الى تراث شعر الحب الانساني في العالم. على ان هذه الاضافة لم تخل من تهجين وطعن. فتارة هو شاعر إباحي حتى قال عنه العقاد: »انه دخل مخدع المرأة ولم يخرج منه«، وتارة هو شاعر النهود، وتارة ثالثة هو شاعر سطحي يبتغي الإثارة. وشواهد شعره تكذّب هذه الادعاءات كلها. فأما عن دعوى العقاد بأن نزارا دخل مخدع المرأة ولم يخرج منه، فإننا بداية نقول ان الشاعر لا بد له من منطلق ونقطة ارتكاز يتكئ عليها وينطلق منها، ولا يعيبه ان تكون أي شيء. صحيح ان الشاعر في أول أمره جعل المرأة بداية ومنطلقا لكنه ظل يتوسع بها خلال خمسين عاما حتى جعل منها عالما وتاريخا وحضارة. لننظر في هذه المقطوعة القائمة على المفارقة الظاهرية بين سطحية الوقائع وعمق دلالتها لدى الشاعر: تكلمي عن أبسط الأشياء وأصغر الأشياء: عن ثوبك الجديد عن قبعة الشتاء عن الأزاهير التي اشتريتِها من شارع الحمراء تكلمي عما فعلتِ اليوم أي كتاب مثلا قرأت قبل النوم أين قضيتِ عطلة الأسبوع وما الذي شاهدتِ من أفلام بأي شطّ كنت تسبحين هل صرتِ لون التبغ والورد ككل عام؟ شعرية الحياة اليومية شعرية الحياة اليومية هي التي تضيء الحوادث والحوار والشخصية. فالمسألة ليست مغازلة امرأة بل خلق فضاء شعري من حولها تكون هي مركز الكون فيه. وشاعر هذا شأنه لا علاقة له بالمخدع او المقصورة او اي مكان محصور ضيق. فهو يحلق في منابع النور عند الأعالي ويمتد مع انبساط الحياة في الارض وما فوقها صعودا على الملأ الأعلى. كما ان مثل هذا الشاعر ليس موقوفا على مشاعر أو أحاسيس رجل او امرأة. فإذا وصمته بأنه شاعر المرأة بثيابها ومشاعرها وخواطرها هالتك صيحات الرجل وهتافات أعصابه وذوقه الجمالي الرجولي. واذا قلت انه شاعر الرجل هتفت بك الشكوى وناجاك الشجن وجاءتك من وراء التاريخ أصوات المكبوتات والمحرومات والعاشقات الوالهات اللواتي كُممت أفواههن واقتصرت حياتهن على إطلالة من الشرفة ترى إحداهن فيها أخاها وهو يعود من الملهى في الصباح الباكر. واكثر ما يلفت النظر في هذه الناحية ان صوت الرجل واحد فيما تتقدم المرأة بأصوات متعددة على مراحل متعددة. فشعر نزار بالصوت الأنثوي مرآة ترى المرأة فيها صورة أحاسيسها حيال الرجل مثلما ترى فيها صورة أحاسيسها حيال نفسها. أما شعر نزار بصوت الرجل فيريه نفسه من خلال تعلقه بالمرأة مثلما يريه نفسه من خلال تصوير مشاعر المرأة حياله. وبذلك يستوي شعره مرآة مركبة يستشف من ورائها الرجال والنساء صورة الانسان في تناقضاته الذاتية. وفي كل هذا ومنه تنبع حداثة نزار قباني، فهي حداثة مواقف وحداثة لغة محكية لا حداثة تصورات وقوالب مروية. وهذا سر جمهوره المتوسع والمتوزع على أعمار تبدأ في السادسة عشرة وتمتد ما طال بالإنسان العمر وهتفت به الصبوة وهزته الذكرى وراوده الشوق.. والفارق بين شعر الصورة وشعر التصور ان الاخير يأتي من الذهن فتسبق الفكرة الصورة. فأنت حين تتصور بيتا يأتيك إدراك البيت على هيأته المعهودة بحسب الفكرة المكونة عن البيوت، اي ان الادراك يسبق الاحساس. اما حين تصور البيت فانك تدخل فيه من تفصيلاته وتحس بزواياه ثم تتجول طويلا من دون ان تتكون لديك صورة كاملة. يقول نزار في قصيدته »مع جريدة«: أخرجَ من معطفه الجريدة وعلبة الثقابِ ودون ان يلاحظ اضطرابي ودونما اهتمام تناول السكر من أمامي ذوّب في الفنجان قطعتين ذوّبني.. ذوّب قطعتين ودون ان يراني ويعرف الشوق الذي اعتراني تناول المعطف من أمامي وغاب في الزحام مخلفا وراءه الجريدة وحيدة مثلي أنا.. وحيدة فها هنا تبدأ كل صورة بمفردها من دون ان نعرف او نحدس بالصورة التالية وراءها. كل شيء مفاجئ وكل حركة مدهشة والموقف ينبني من الداخل والخارج معا بعفوية الحكاية، والادراك يتفتح على الوضع شيئا فشيئا من دون ان يتم إنجازه أبدا. شعر الصورة سر شعبية نزار قباني، الى جانب اللغة طبعا. وهي لغة منتقاة مصوغة بعناية ودقة لكي تقترب من لغة الحديث اليومي المعتاد باللهجة الدمشقية المفصّحة: مضت قرون خمسة مذ رحل (الخليفة الصغير) عن اسبانيه ولم تزل أحقادنا الصغيره كما هيه ولم تزل عقلية العشيرة في دمنا كما هيه حوارنا اليومي بالخناجر أفكارنا أشبه بالأظافر مضت قرون خمسة ولا تزال لفظة العروبة كزهرة حزينة في آنيه كطفلة جائعة.. وعاريه نصلبها على جدار الحقد والكراهيه. الشعراء الذين لا يقرأهم أحد الشعراء الذين لا يقرأهم أحد، والنقاد الذين لا يفهمهم أحد، أخذوا على نزار قباني كثرة قراءته واتساع شعبيته. لقد عابوا ذلك عليه كأن الشاعر يكلم لفراغ ويتكلم في الفراغ. أما نزار فقد تفاعل مع الناس بتاريخهم ومراحل حياتهم وتقاليدهم وناقش ورفض وادعى وتحول وتحرر. فكان صورة نابضة بالحياة لعصره وتحولاته: يا وطني الحزين حولتَني بلحظة من شاعر يكتب شعر الحب والحنين لشاعر يكتب بالسكين!! محيي الدين صبحي