As Safir Logo
المصدر:

مخطوطات قمران - البحر الميت هل خرج امسيح من طائفة الاسينيين؟

المؤلف: الانباري شاكر التاريخ: 1999-04-15 رقم العدد:8272

»مخطوطات قمران البحر الميت« هل خرج المسيح من طائفة الأسينيين؟ **** »مخطوطات قمران البحر الميت/جزءان«. أشرف على التحقيق: اندريه دوبون سومر/ مارك فيلوننكو. ترجمة وتقديم: موسى ديب الخوري. الناشر: دار الطليعة الجديدة، دمشق، 1998، 1046 صفحة من القطع الكبير. مخطوطات قمران التي صدرت عن دار الطليعة بدمشق لها قصة طريفة، تتعلق بكيفية اكتشافها والاعلام الذي رافق ذلك الاكتشاف ونوعية الكتب التي تضمنتها. واكتشاف المخطوطات شغل الباحثين في علوم الأديان والمنقبين الآثاريين، من الاوروبيين والاميركيين والاسرائيليين خاصة، عشرات السنين ولا يزال الجدل دائرا حتى الآن. وقمران خربة تقع في واد غرب البحر الميت، يبعد عشرة كيلومترات تقريبا عن مدينة اريحا. استوطنت تلك المنطقة، قبل ما يقرب الألفي سنة، طائفة يهودية تدعى الأسينيون، ولا احد يعرف بالضبط معنى هذه التسمية، سوى انها طائفة يهودية مثل الصدوقيين والفريسيين. تتكون خربة قمران، التي حفظت المخطوطات عبر الزمن، من قاعات اجتماعات وبرج ومطبخ وقاعة كتابة واسطبل وخزانات مياه وممرات ومداخل وغير ذلك من مرافق. أي كل ما يشير الى ان الخرابة كانت بناء لتجمع الطائفة لتلقي الدروس ربما او لممارسة العبادة، وليس مكان سكن. الاسينيون كما يقول عنهم بعض الباحثين طائفة تتوسط في تعاليمها المساحة بين اليهودية الرسمية والمسيحية. وربما هي الطائفة التي خرج منها المسيح ليؤسس دينا جديدا اكثر تسامحا من الاسينيين. وذلك على التضاد مع اليهودية، بعد ان اصبحت طقوسا كنسية وكهانة تنتمي الى طبقة الاثرياء والملوك، في مزجها الدين بالسلطة على وجه الخصوص. كما يعتقد ان يوحنا المعمدان ينتسب الى الاسينيين ايضا، فيما يذهب رأي اكثر تطرفا الى ان المسيح خرج من صلب الطائفة. فبعض الافكار والتقاليد المبثوثة في الكتب المكتشفة، مثل مفهوم الحب الإلهي والمخلص وابن الانسان ومحاربة الشريعة اليهودية الرسمية، كلها مفاهيم تتفق مع رسالة المسيح. والطائفة قضت، بعد ان ذابت في أديان المنطقة قبل ألفي سنة، او تشرذمت وتشردت بين دمشق والجزيرة العربية ومصر، حالها حال كثير من الديانات والطوائف السرانية الباطنية كالفيثاغورية والصابئة والمنجمين البابليين وغيرهم. فانقطعت أخبار الاسينيين ولم يعد يسمع بهم احد حتى وقت اكتشاف المخطوطات. اكتشاف قمران والقصة الطريفة لاكتشاف المخطوطات هي ان راعيا بدويا دخل خربة قمران للتفتيش عن معزاه الضائعة، واذا به يقع صدفة على جرار مليئة باللفافات الجلدية. غطيت الجرار بالقماش وغلفت بالقير الذي يعتقد انه مستخرج من البحر الميت. وفي ربيع عام 1947 جاء بائعان سوريان من المذهب الارثوذكسي الى مطرانهم مار اثناسوس صموئيل، يحملان أحد المدارج التي كان البدو يقولون انهم اكتشفوها. وعندما اكتشف المطران ان النصوص المدونة في المدرج مكتوبة بالعبرية وعد بشراء المخطوطات. وفي العام نفسه اقترح احد تجار الاثريات على استاذ من جامعة القدس العبرية اسمه سكنيك شراء بضعة مدارج جلدية. ثم توالت الاكتشافات، حيث استطاع ضابط بلجيكي تابع لعصبة الامم المتحدة من تحديد موقع قمران عام 1949، بمساعدة مجندين من الفيلق العربي الاردني. ثم سرعان ما بدأت تظهر مخطوطات جديدة في السوق، وعرف ان هناك مغائر كثيرة تحتوي على مخطوطات ذات مواضيع مختلفة، لكنها تستجلب نكهة تلك المرحلة الهامة من تاريخ البشرية. الا ان معظم القطع التي تم الحصول عليها مجزأة ومهلهلة ومعطوبة، وهذا ما حتم على الجهات التي اقتنت المخطوطات ترميمها والتنسيق في ما بينها وتأليف لجان نشر وتمحيص للمخطوطات، اشتركت فيها اكثر من دولة، كانت اسرائيل من بينها الجهة الأكثر فاعلية. تتكون المخطوطات التي ترجمها الى العربية وقدم لها موسى ديب الخوري عن الفرنسية، من جزئين، وتعد دار الطليعة الجديدة بإصدار جزء ثالث من المخطوطات. ضم الجزء الأول كتب الاسينيين التالية: دستور الجماعة، كتاب التبريكات، مدرج الهيكل، كتاب دمشق، تنظيم الحرب، الشروحات التوراتية، الأناشيد، مدرج المزامير المنحولة لداوود. ومتفرقات من اسطورة ملكيصادق العبرية والطقس الملائكي وأحابيل المرأة وكتاب الأسرار والتكوين المنحول. والكتب الاسينية المذكورة لا تعني انها كتب حقيقية من ناحية الحجم المتعارف عليه اليوم للكتاب. فبعضها رق واحد فقط، لا يتجاوز بضع صفحات، مثل كتاب التبريكات، وبعضها يمتد الى عشرات الصفحات مثل الأناشيد. أما الجزء الثاني المعنون التوراة المنحول، فيشتمل على كتاب أخنوخ الأول بأجزائه الخمسة، ثم كتاب الخمسينيات ثم وصايا الشيوخ الاثني عشر، اي شيوخ بني اسرائيل، ومزامير سليمان ووصية موسى واستشهاد اشعيا. ولغة المخطوطات هي اللغة العبرية القديمة او الآرامية احيانا، ويظن ان تلك المخطوطات كتبت او جمعت في الحقبة الزمنية الواقعة بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول بعده. كما يشك بأن هناك اكثر من مؤلف او كاتب للمخطوطات، فالأساليب البيانية تختلف من رق الى آخر والمواضيع أيضاً. اليهودية والمسيحية كانت أحوال المخطوطات الجلدية بائدة في أغلبها، لذلك تم ترميمها وتصويرها على مايكروفيلمات، طبع قسم منها وظل القسم الآخر تحت يد المحققين. ومن خلال متابعة قصة اكتشاف مخطوطات قمران تبيّن ان المؤسسات الاسرائيلية كان لها يد طولى في ترميم المخطوطات وتدقيقها ونشرها. سواء عبر الباحثين اليهود او المؤسسات الاجنبية التي تؤثر عليها. وقد أثيرت كثير من التساؤلات والشكوك حول حجب بعض المخطوطات او حتى تحريفها من قبل الأصابع اليهودية. باعتبارها تمس الديانة اليهودية الرسمية، او تشكك بالتاريخ اليهودي حسب زعم تلك التساؤلات. وهذا ما لمس في الحادثة المريبة التالية التي جرت مع واحد من محققي مخطوطات قمران. ففي عام 1987 دعا البروفسور فيرم من اكسفورد الى مؤتمر دولي حول مخطوطات قمران. عيّن اثره الباحث سترنجل على رأس فريق لإنجاز عملية النشر. الا انه في خريف عام 1990 اصبح سترنجل مركز اتهام يمسه شخصيا، فقد جرت حادثة غريبة معه، من الواضح انها مدبرة بشكل ما. ذلك ان صحافيا اسرائيلياً أجرى لقاءً معه وهو في حالة سكر تقريبا كما قيل، وتهجم فيه سترنجل على اليهودية، داعيا اليهود كلهم للاهتداء الى المسيحية. ونقلت كلامه هذا الصحافة المحلية. وبعد فترة وجيزة نقل سترنجل الى مصح للأمراض النفسية. وعندها عيّن مكانه ايمانويل توف، الاسرائيلي، مديرا مساعدا للفريق. وتلك عيّنة من ملابسات النشر لمخطوطات قمران وثمة غيرها الكثير. لكن قارئ مخطوطات قمران، المترجمة الى العربية، يجد ان تلك المخطوطات لا تنتمي الى فكر طائفة واحدة بعينها، هي ما اطلق عليه بالطائفة الاسينية، بقدر ما تمثل مكتبة ضخمة متفرقة الاتجاهات، ربما شبيهة بمكتبات الشرق التي شاعت في أوغاريت ونينوى وبابل، مع اختلاف المادة التي كتب عليها. انها مكتبة تضم أناشيد دينية وتعازيم سحرية وتنجيم وشرائع وكتب رحلات واحلام وتفاسير توراتية وعلوم فلكية، لا تختلف كثيرا عن اسلوب التوراة العبرية الشائعة اليوم، خاصة في مفاهيمها الأساسية. فتلك الكتب تعيد تاريخ بني اسرائيل كما جاء في التوراة، وتعتبر ايضا ان ارض اسرائيل تمتد من الفرات الى النيل. وهي تدعو الى ابادة الامم غير اليهودية وتعتبر شعب اسرائيل هو شعب الله المختار، وترسم تاريخا مموها لليهود، يضعهم في القلب من مغزى الوجود والكون. وكتب الاسينيين الدينية تتبنى وصايا التوراة نفسها، في تطرفها الطقوسي وقسوتها على البشر. وبعض الكتب الاسينية كالأناشيد ترتفع الى مصاف الشعر، في بعده التمجيدي والروحي، والرؤيوي. وبعضها له سمة اسطورية تخييلية وغنائية مثل مزامير داوود المنحولة. في حين حملت وصايا الشيوخ الاثني عشر روحا خطابية وصائية كشفت بعمق عن ذهنية البشر في تلك الفترة، المضطربة بصراعاتها الدينية والسياسية. ويعتقد ان كتب الاسينية متأثرة بالتوراة الكنعانية، المكتشفة في مدينة أوغاريت السورية. لكن بعد مطالعة كتب قمران ومقارنتها بالتوراة السائدة اليوم، سواء من ناحية المواضيع او التقسيمات السردية او اللغة النبوئية، تنهض عدة تساؤلات في ذهن القارئ. أهم تلك التساؤلات هي، إذا كانت كتب قمران تؤكد كل ما جاء في التوراة المعروفة اليوم، وأحيانا بشكل اكثر تطرفا، فلمَ أثيرت حولها كل تلك الضجة؟ وهل تحتوي المخطوطات حقا على ما يغير النظرة التقليدية للأديان السماوية؟ أخيرا، وفي الوقت نفسه، ألا يحس قارئ المخطوطات انها بعيدة كثيرا عن رسالة المسيح، بل ولا تنم عن ما يشير الى ظهور المسيح اللهم الا فكرة المخلص، او الكاهن الحق، الشائعة في كثير من ثقافات ذلك الزمن ودياناته؟ شاكر الأنباري

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة