As Safir Logo
المصدر:

ممرضو المسنين العائلة البديلة(صورة)

المؤلف: علوه سعدى التاريخ: 1999-04-10 رقم العدد:8269

ممرضو المسنين.. العائلة البديلة ****** ترفض سعدى شديد (80 عاما) اخذ حمامها الدوري في احد دور المسنين في بيروت حيث تقطن، إلا خلال مناوبة الممرضة ارزة. »فأرزة كما تقول تعاملني كما الولد الصغير وتحممني جيدا ولا تسكب على رأسي طاستين من الماء، لتقول خلّصنا«. وسعدى »المقطوعة من شجرة« وجدت في ارزة مساعدة الممرضة التي تهتم بها وبحاجاتها، ابنة »لم تلدها« كما تقول. أما ارزة وبعد سنة ونصف على قرارها الانخراط في العمل مع المسنين، فتجد في الأمر متعة »على الرغم من التعب وصعوبة الاهتمام بهم«. واحتاجت ارزة (28 سنة) لحوالى الثلاثة اشهر لتتأقلم مع المسنين وخصوصا بالنسبة لخدمتهم. فهي من ضمن الفريق المخصص لتأمين نظافتهم الجسدية والسريرية وايضا لإطعامهم، اصبح الأمر عاديا اليوم »وبالفعل اضحيتُ استمتع بعملي ولا اشعر بقدرتي على استبداله«. تعج دور المسنين في لبنان بأعداد نزلائها ويحتل اولئك الذين لا أقارب لهم نسبة لا بأس بها ولكن النسبة الاكبر هي للمسنين الذين وضعهم أقاربهم في المأوى سواء كانوا ابناءهم ام اخوتهم او غيرهم... وطبعا لا يختلف اثنان على ان المسن، ومهما توفرت له وسائل الراحة والاهتمام في دار العجزة يفضل العيش ضمن أسرته وفي حضنها. ويبين لجوء البعض الى وضع آبائهم وأمهاتهم او أقاربهم المسنين في دور العجزة صعوبة الاهتمام بالمسن وأحيانا استحالة ذلك وخصوصا عندما يصاب بمرض "Alzheimerس اي مرض »الخرف«، عندها يصبح البقاء في المنزل خطرا على المسن نفسه نظرا لحاجته للعناية والاهتمام الطبيين. يرى حسن جعفر الذي أمضى خمسة وعشرين عاما من عمره في خدمة المسنين والاهتمام بهم »ان الامر يتخطى المهنة، صحيح ان العاملين في هذا المجال يتلقون اجرا، ولكن لا يمكن لأي كان الاستمرار في هذا العمل، اذا لم يكن في قلبه الكثير من الشفقة والخوف من الله وخصوصا المحبة«. ويتوقف جعفر عند صعوبة ارضاء المسن ليقول »المسألة هي في ان يعتبر الممرض نفسه ابنا لهذا المريض العجوز اولا... عندها يسهل التعب لوجود البعد الانساني«. يحصل ان يتصرف المسن بقسوة مع ممرضه »واحيانا وخصوصا اولئك الذين يتأذون نفسيا ويصعب عليهم تقبل وجودهم في دار للمسنين قد يعمدون الى ضرب الممرض او إسماعه كلاما سيئا، ولكن وكما يقول حسن حتى في هذه الحالة فإن الكلمة الحلوة والصبورة يمكنها رد الأوضاع الى مكانها الصحيح«. ولا يجزم حسن بأن رد فعل جميع الممرضين هو الصبر وعدم القسوة »فالناس اجناس ولا يمكن ضمانة احد«. اما طوني (30 عاما) فيسأل عن رد فعل أي انسان اذا شاهد عجوزا مرميا على حافة طريق؟ »نحن نعمل في دور العجزة، نتلقى اجرنا المادي ولكننا في المقابل نقوم بدور انساني يرضى عنه الله ويعطينا عليه اجرا آخر«. وطوني الذي توفيت والدته فيما كان ينهي دراسة التمريض خارج لبنان، أخذ على عاتقه ومنذ اليوم الاول لتخرجه محاولة الاهتمام بالمسنين »لم اكن بالقرب من امي عندما ماتت وهكذا اعزي نفسي بالاهتمام بغيرها..«. لا ينكر طوني انه وجد صعوبة في مساعدة المسنين على قضاء حاجاتهم، »ولكن وعبر تكرار الامر اصبحت المسألة عادة طبيعية، اغضب بيني وبين نفسي فقط عندما يعتبر المسن انني اخدمه مقابل المال وان كل ما افعله معه هو واجبي لا اكثر ولا اقل«. ولكن هل هو بالفعل الواجب فقط؟؟ ترى »أم عارف« (50 عاما) والتي أمضت ثمانية عشر عاما في خدمة المسنين ان واجب الممرض تأمين حاجة المسن »ولكن لا احد يدفع لاحد ليكون كأهل له، نحن نحاول ان نكون عائلتهم واعتقد اننا ننجح، فهم يخبروننا أسرارهم ومشاكلهم التي يخفونها عن أهلهم عندما يزورونهم«. وتتوقف ام عارف عند التعب النفسي الذي يتركه العمل مع المسنين عند الممرضين«، فالحالات المستعصية والمسنون ذوو المشاكل الكبيرة والمأساوية يحضرونني دائما وحتى عندما اغادر الدار، وهو ما يحزنني ويجعلني دائمة التفكير بهم«. ولكن هل يمكن للشباب او المراهقين العمل على خدمة المسنين؟! يرى ميشال خلف الذي لم تحل سنواته التسعة عشرة دون رغبته بالعمل مع المسنين »ان المهنة صعبة فعلا ولكن وبعد القليل من الوقت يمكن للانسان التأقلم معها«. ومع تأكيد ميشال على ان حبه لخدمة المسنين هو دافعه الاساسي، الا انه يشرح ان هذا العمل افضل من العمل في منشرة للاخشاب »لأنها خطرة ومتعبة ايضا وانا تركتها قبل ان ادخل الى الدار«. وترد إلهام كفري (50 عاما) تحملها لأربع وثلاثين سنة في خدمة المسنين، الى متعة التعامل معهم« فهم يصبحون كالاطفال بالاضافة الى ان اجر خدمة الشخص العادي هو بعشر حسنات عند الله اما المسن العاجز والمريض فتتضاعف كل حسنة الى سبعين او اكثر، حسب الحالة«. واكثر ما يتعب إلهام كفري هو وضع المصابين بمرض الخرف واتهامهم الممرضات بسرقة اغراضهم ومأكولاتهم. »نحن لا نعتب عليهم ولكننا نحزن عندما يصدق اهاليهم هذه الادعاءات ويحاولون التحقيق معنا حول صحتها«. تضيف إلهام »وكأنهم نسوا انهم أتوا بهم الى الدار بسبب هذا المرض بالذات«. ولكن ما هي المؤهلات المطلوبة من الممرض او العامل على خدمة المسنين في دور العجزة؟ تطلب الدور ووفق نوعية الخدمات التي تقدمها كل المؤسسة، المؤهلات العلمية للراغبين في العمل معهم. ولكن وبالمطلق، وكما تقول رئيسة قسم الممرضات في احد الدور جوستين ابو عيد »ان اقبال الناس ضئيل على هذه المهنة لصعوبتها ولسوء وضع بعض المسنين احيانا. ولذا فهناك نقص وبشكل دائم في عدد الموظفين نسبة الى المسنين المرضى الموجودين«. وشددت ابو عيد على اهمية توعية الناس حول حق المسن في الرعاية وأهمية العمل في هذا المجال، لتأمين حاجة دور المسنين من الموظفين وتأمين خدمة أفضل للعجزة«. يذكر ان معظم الدور تتلقى مبالغ مادية لا بأس بها بل ومرتفعة احيانا مقابل إيوائها للمسن، وهنا ترتفع نوعية الخدمات المقدمة وتختلف ظروف عمل الممرضين. إلا ان العاملين في هذا القطاع، وعلى الرغم من صعوبة ظروف العمل ونوعية المهمات المطلوبة، لا ينالون رواتب افضل من رواتب الممرضين الآخرين في المستشفيات العادية، وفي معظم الاحيان تكون رواتبهم ادنى من رواتب زملائهم. كما ان وجود عدد كبير من المسنين وكما هو حاصل في بعض الدور يتطلب جهدا اضافيا ومتعبا كما يقول بعض المسؤولين من الممرض الذي يضطر للقيام بأكثر من عمله، »وهو ما يؤثر على نوعية الخدمة احيانا«. ولكن ماذا يقول المسنون انفسهم عن الممرضين الذين يهتمون بهم؟؟ تختلف الصورة هنا وخصوصا اذا ما انفرد مسن بأحد الاشخاص بعيدا عن الممرضين »ليس الجميع طيبي القلب« تقول فريدة التي رأت بالأمس احدى الممرضات وهي »تدفش« جارتها المسنة وتماطل في اطعامها«. اما ماري فتذكر من حولها بخمس عشرة سنة امضتها من عمرها وهي تخدم في احد دور المسنين. »كنت أشيل اللقمة من تمي واركض لألبي طلباتهم، اليوم تغير الزمن، احيانا امضي نهاري وانا انادي عمن يساعدني في الاستحمام ولا من مجيب«... كثيرون يقولون ما تقوله ماري، ولكن بعض المسنين وجدوا في المأوى الاهتمام والرعاية اللذين افتقدوهما في المنزل. من هؤلاء ام رامي التي تسهب في شرح فوائد تمضية آخر العمر في مأوى للعجزة وتحاول ايجاد الأعذار لأولادها السبعة الذين وضعوها هناك. شيئا فشيئا ولدى التعمق في داخلها تبدأ أم رامي بالبكاء »مين ما بحب الحياة مع اولاده، فلذة كبده، بس رموني بكبرتي الله يسامحهم..« تبدو ام رامي نظيفة ومرتبة وهي تلقى عناية جيدة في الدار »الله يعطيهم العافية، الممرضات خدومات، بس الحياة مرة«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة