»كاسندرا« رواية الألمانية كريستا فولف تداعيات الحب والأسطورة بين النثر والشعر ***** الكاتب: كريستا فولف. الكتاب: »كاسندرا«. الناشر: »منشورات الجمل«. المترجم: سالمة صالح. »كاسندرا« ابنة ملك طروادة، شخصية اسطورية اعادتها الكاتبة الالمانية كريستا فولف الى الحياة، عبر روايتها عن »منشورات الجمل« تحت عنوان »كاسندرا«. ترجمتها الكاتبة العراقية سالمة صالح، التي درست الصحافة في جامعة »لايبزغ« في المانيا، وتعيش في برلين منذ عام 1983. اصدرت المترجمة مجموعة من الاعمال القصصية منها »النهوض« و»التحولات« وسواها. ولها في الترجمة »العام الثلاثون« لأنغبورغ باخمان. كريستا فولف الى كونها روائية، هي شاعرة او ناثرة كما جاء في التعريف من أعمالها »السماء المشطورة«، »تأملات حول كريستا« و»الأموات يبقون شبانا« و»نموذج طفولة« و»في الطريق الى تابو« وسواها. »كاسندرا« التي تُبصر ما لا يراه الآخرون، من دخيلة متنوّرة حساسة، وتدافع عن نفسها بالجنون ازاء جنون العالم الذي حفل بالحروب الشرسة والقتل المبتكر. المرأة الكاهنة، التي تُخفي تحت اثوابها روحا طاعنة في الرقة، وعينا تراقب برهافة شعرية، السادة والمحكومين، الطغاة والضعفاء، النبلاء وذوي النفوس الخسيسة، كانت أيضا عاشقة من خلال أسوارها، الى آينياس، الطروادي المحارب الشجاع. لم تتضمن »كاسندرا« سوى لهفة الحب وتوقه. حب تجاوز اللغة وحالت طهارته من اكتماله فبقي في حدود القبلة واللمس الشفيف لإحساس كاسندرا بعدم قدرتها على تجاوز رهبنتها. كانت تحلم بآينياس مبحرا فوق الماء الصقيل مبتعدا عن شاطئ طروادة حيث اليونان، عدوة الطرواديين تكمن في جهة عالمها الآخر. الحرب تؤرخ بالشعر، حيث تتضاعف الرؤى عبر العبارة المفعمة، وتمنح الاحداث مسحة من الرفعة من دون ان تفقدها تسلسلها. السلاح ورماح الرماية والاعداد الهائلة من المقاتلين، والسيوف والدروع. أدوات كتابية باهظة الجفاف أحالتها الكاتبة الى مصوغ نثري يكمن سحره في انبثاقه على لسان عاشقة فتية ترى الى حبيبها كما ترى الى وطنها طروادة. »كاسندرا« ليست رواية بالغة الاتساق. بل هي تعاني ما يُفسد المعنى او التسمية المتفق عليها للرواية. ففي طغيان الشاعرية على مجرياتها ما يُحبط النمو الدرامي للقصة. إن في الجمع لدى كريستا فولف بين الشعرية والاسطورية ما يفتت الحدث او الموضوع لأنه لا يصب في القصة او الرواية الممنطقة. ما كتبته فولف تداعيات امرأة، كتبت تاريخا تريده ان يُكتب على هذا الشكل، وتريد من خلاله لقصة حب وحرب ان تتشكل على ما قرأناه. ثمة تداعيات تغادر نسق الرواية وتحتاج الى لمّ تفاصيلها ونظمها. ثم ان طريقتها في التعامل مع اللغة، لا تعاني هما اساسيا في مغادرة المألوف، بل هي تؤكد على تماثل بينها وبين الاحداث الغارقة في القدم، او في المتخيّل. رواية »كاسندرا« تتناول ما يمكن تسميته مونولوغا رؤيويا خاصا، في كتابة تستنفد اغراضها ساعة انتهائها. ظل الحب عند فولف خلفية دائمة لكل المشهد الكارثي للحرب التي جرت بين الطرواديين واليونانيين. هذه الخلفية ظلت وراء رؤية الكاتبة السياسية. الحب عندها وسيلة لتأمل الحرب، ومضاعفة قذارتها وفظاعتها. وقد بقي تأثيره ايجابيا ذا استمرارية في مفارقات الحياة والموت. والكاتبة اذ تنتصر لمعاناة الانسان الطروادي، تحافظ في الوقت عينه على ملامح ثابتة فنيا وسرديا، لإيصال رسالتها الابداعية غير منقوصة، من تعصّب او انحياز. خيال ما يميز »كاساندرا« هو تلك الاضاءة الداخلية التي تبسط على مراحل متتابعة في التاريخ، وشخصيات اسطورية جمعتها فولف في عمل واحد، تُدين به من خلالهم، حقبة في التاريخ في سرد نثري بالكامل، استعانت عليه بالطابع الخيالي الذي يجد عالمه الأوسع في الشعر اكثر منه في الرواية. وهو نثر فيه من الشعر ما فيه من خيال ومن مجاز لغوي ومن انتقالات ومعطيات جمالية وجدانية تجعله يختلف تماما عن النثر في معطياته العقلانية. وفي تشابك الحدود بين القص والنثر والشعر، ندخل عالم »كاسندرا« بالبنى الافرادية والبنى التركيبية، من دون ان نعنى كثيرا بالتثبيت الاحصائي للاسماء والصفات بما لها من مدلول بالغ التعقيد. »كان آينياس هو الذي صدقته دائما، لأنه قد فات على الآلهة ان تمنحه القدرة على الكذب. كان آينياس مَن اكد لي كل شيء كلمة فكلمة: نعم، بقي كالاخاس الرائي بناءً على رغبته الخاصة لدى اليونانيين. علم بذلك من أبيه أنخيسيس الموثوق به، الذي كان قد شاخ بسنوات. خاف كالاخاس الرائي كانت الأسباب لقرار بعيد الأثر تافهة بشكل يائس«! ( 44). لا شك بأن »كاسندرا« لفولف عمل لغوي صعب في لغته الاساسية. وأحار هنا في اختيار سالمة صالح ترجمته إذ بدت في الترجمة صعوبة مضاعفة. كما بقي مونولوغ »كاسندرا« العاطفي والهذياني، عصيّاً على الفهم في أحيان، جُملِهِ مفككة وغير ممسوكة في متن مُترجم مسبوك. وأحسب ان صالح أبقت للترجمة حرفيتها، من دون تدخل ابداعي لصالح الكاتبة الالمانية الأصلية، او مُطلق كتابة منقولة ومترجمة. فبدت العبارات غير متصلة، واحيانا قصّرت عن المعنى المطلوب. يبقى ان »كاسندرا«، لكريستينا فولف، قدمت للقارئ العربي، نصا نثريا طويلا يومئ فقط عبر الترجمة العربية الى خاصية فولف وتألقها. عناية جابر