As Safir Logo
المصدر:

يحتضر الشعر ي اوروبا ويزدهر في ايران والشرق الأقصى ربيع الشعر في العالم الفقير(صورة)

المؤلف: دورف نيكولا ديتيان التاريخ: 1999-04-02 رقم العدد:8263

يحتضر الشعر في اوروبا ويزدهر في إيران والشرق الأقصى ربيع الشعر في العالم الفقير ***** تحتفل فرنسا حالياً بربيع الشعر، وهي مناسبة أوجدتها الحكومة الفرنسية، نظرا لما آلت إليه أحوال الشعر من عزلة بينه وبين القراء. والرسميون الفرنسيون يتوخون في هذه المناسبة الحارة وصل ما انقطع، ولو جزئياً وعلى مراحل، مما استدعى نشاطات عدة، تقام في جميع أنحاء فرنسا، كما في جميع الأمكنة العامة والخاصة. صحيفة »لو فيغارو«، نشرت في ملحقها الأدبي مقالة حول الوضع الشعري الفرنسي، حاولت فيه المقارنة بين الشعر في المجتمعات الغربية الاستهلاكية، وبين البلدان التي تعرف ازدهاراً شعرياً. هنا ترجمة لها: لا يستطيع المرء أبدا، أن يتخيل ميشال دوغي، وهو واقف يقرأ قصائده، في وسط »البارك دي برانس«. كذلك من النادر جدا أن تتم دعوة إيف بونفوا الى برنامج »ناجي« أو »لوزان بويي«. قد تبدو هذه الافتراضات تجديفا حقيقيا، بيد انه في بعض الأقطار يبدو الأمر بديهيا... فلو قمنا بجولة سريعة على الحياة الشعرية في العالم، لوجدنا شرخا كبيرا بين البلدان التي حافظت على تقاليد العبارة وبين تلك التي يهيمن فيها النشر على التقليد الشفهي. فعند المكسيكيين، يشكل الأمر عيدا شعبيا كبيرا، إذ نجد عندهم تقليدا حقيقيا للشفاهة وللإلقاء. فكتّاب مثل هومير أوخيس أو خوسيه إميليو، يشكلون مجدا وطنيا، بينما نجد سابينس يملأ قاعة تتسع لخمسة آلاف شخص، كي يقرأ قصائده أمام جمهور يتألف من مثقفين وناس عاديين. نجد الظاهرة ذاتها في اليونان. فمدير مكتبة دسموس الهيللينية (في باريس)، يانيس مافرويداكوس، يلاحظ ان »الشعراء اليونانيين الكبار يلقون شعرهم في الملاعب الرياضية. ففي يونان العصر الحديث، هناك شاعران حازا جائزة نوبل للآداب: سيفيرس وإيليتس. لكن هناك أيضا العديد من الكتّاب الشبان الذين يبيعون دواوينهم بمئات ألوف النسخ«. ويتحدث مافرويداكوس عن حالة المغنية ألهيتيريا أرانيتاكي، وهي أحد نجوم الأغنية في اليونان، وتضع موسيقاها على نصوص للشاعر ميخائيليس غاناس. من جهتها، تكتفي فرنسا ب»الأناشيد الشعرية« لماك سولار، كما بالنصوص الغنائية الناحبة لفرانسيس كابريل. ويقدر كلود ميشال كلوني أن »هناك 5 آلاف شخص ممن يتابعون بنشاط الحياة الشعرية، وممن يترصدون الكتب الجديدة أو التي يعاد طبعها«. في مواجهة ذلك، ثمة بلد في أميركا اللاتينية الأرجنتين (الحالة ذاتها في شيلي والبرازيل) يشهد بدوره نضوبا في شريانه الشعري. فمنذ موت بورخيس والكتاب الشبان يتوجهون أكثر فأكثر نحو تجديد في الرواية السوداء. لقد امتد العصر الذهبي خلال الستينيات والسبعينيات، مع كتاب مثل أليسندرا بيزارنيك وفيشنتي باربييري وألبرتو غيري. وإذا ما سمح سقوط البيرونية بازدهار بعض المجلات، مثل مجلات »شعر« و»بوينس ايرس« و»كونتورنو«، إلا إننا نجد اليوم تضاؤل هذا الشغف. لذلك يجعلنا جاك روبو نصدق انه »ما ان وجدت الشعوب حريتها حتى بدأ الانهيار الأفقي للشكل الشعري«. تلقائية البلدان الفقيرة بيد أننا نعتقد بأن هذا التقليد الشفهي الذي لا يزال حاضرا في المكسيك ضاع وسط »تغرّب« الثقافة الكبير. لذلك يتوجب التساؤل عما إذا ما كانت البلدان الفقيرة تحتفظ بتلقائية ما حيال هذا الشعر، تلقائية اقتلعت في »أممنا الاستهلاكية«. تتبع الولايات المتحدة بدورها الدرب ذاته: »الشعر الأميركي دون أن يكون منكوباً كالشعر الفرنسي، غدا مثل أي سلعة غير موجهة الى عدد كبير من المستهلكين يلاقي صعوبات كبيرة في الانتشار« كما يشرح سيرج فوشرو في بحثه الممتاز »قراءة الشعر الأميركي« (منشورات »سوموغي«). بيد اننا مع ذلك، نلاحظ انبعاثا للشعر الأميركي الهندي، مثل شعر شيين لانسا هتسون، الذي يقلد فيه شعر لي بو، مع العلم بأنه ينحو فيه أكثر، صوب القول والعبارة، وإن كان، في نهاية المطاف، يبقى شعرا سريا (كلنا يعرف جيدا وضع »السكان الأصليين« في بلد الحرية). وكيف هو الوضع في إيران؟ قليلاً ما تباع الروايات، حتى أنها لا تباع أحيانا، في حين أن الشعر هو الشكل الأدبي الأكثر انتشارا. يشرح الملحق الثقافي للمركز الثقافي الإيراني في باريس، الوضع بالقول ان »الأمر عائد للإيرانيين الذين يتحدثون شعراً. فلقول أي عبارة، ولاستعمال أي صيغة، يستخدمون دائماً أمثلة شعرية، قد تكون مستلة إما من العطار وإما من سعدي، وقد يؤلفونها هم بأنفسهم. منذ الثورة، والناس يهتمون بالفن، وهذا ما يفسر تضاعف عدد المجلات والمنشورات الفنية«. فعبر كتاب مثل نيما يوشيدجي وتافالالي ونادربور، وإيران لا تعيش مع الشعر، بل فيه. ومن الواضح ان الأمر ما هي عليه في الغرب. مع ذلك، لا ينبغي تعميم الوضع بهذا الشكل. ففقدان التقليد الشعري الشفهي ليس سوى أزمة غربية خاصة، لا تعود فقط للإفراط في الاستهلاك، بل هي، من نتائج التهميش الذي حدث للرأي العام،. يكمن البرهان على ذلك في آسيا البعيدة. فالشرق الأقصى، الذي يُعتبر في فرنسا، غالبية الوقت، مصنعا عملاقا لإنتاج المواد الاستهلاكية، والذي يغرق مساحاتنا الواسعة بالسيارات والتلفزيونات وألعاب الفيديو، هو أحد أكبر الأحواض الشعرية في الكون. »ففي كوريا (الجنوبية بالطبع) ومثلما يشرح السيد أورانج، الملحق الثقافي في المركز الثقافي الكوري لا نجد أي احتقار أو تهميش للشعر كما في فرنسا. انه على ما يرام، مثله مثل القصة«. ويعطي (السيد اورانج) مثلا على ذلك، الوجهين الشعبيين في الشعر الكوري »ان الشاعر كو أون، الذي زار فرنسا مؤخرا، هو كاتب معروف جدا هناك. صحيح ان جزءا من شهرته عائد الى انه أمضى عشر سنوات من حياته في السجن، وأنه خرج منه ضحية للطرش، إلا أن كل كتاب جديد من دواوينه يُنتظر بحرارة، كذلك الأمر بالنسبة الى كيم شي ها، الذي يعتبر أحد الوجوه الإشكالية، لما يسمى بالشعر النضالي. فنصه »اللصوص الخمسة«، الذي يشكل نقدا للسلطة السياسية الحاكمة، كان السبب في شهرته الواسعة«. أما حالة جيرانهم اليابانيين، فهي حالة أكثر خصوصية »في اليابان كما تشرح مديرة مكتبة البيت الياباني يُعتبر الشعر تمرينا تطبيقيا. هناك عدد كبير من المحترفات، التي يتعلم المرء فيها تأليف القصائد، مثلما نتعلم الرسم والفن التشكيلي. بيد انها قصائد، لم تُكتب لتقرأ. انه نظام روحي. ومع ذلك فإن شاعرا مثل أواكا، ينشر كل يوم، قصائد أو نقدا شعريا، في صحف تطبع مليوني نسخة. وعدد كتبه اليوم، يقترب من 300 عمل«. يتراءى إذاً، ان من الممكن دمج التقليد الشفهي مع الحضارة التقنية بشكل رفيع، مع الحضارة غير الإنسانية في بعض وجوهها. ففي فرنسا، يبقى الشعراء دوماً من الهامشيين. يشرح بيير بروفيل سبب هذه الهامشية بالقول ان هناك »امتثالية كبيرة. فالأعمال كلها متشابهة. لقد أصبح الشعر الفرنسي شعرا ثقافيا بشكل كبير. لم يعد يتوجه الى العامة. ومع ذلك، ثمة جمهور له. في العام الماضي أشرفت على حلقة دراسية في السوريون حول الشعر المعاصر، وكان عليّ أن أطرد الكثير من الحضور، نظرا لعدم اتساع المكان، في حين ان حلقتي الدراسية، هذا العام، حول بلزاك، حلقة نصف فارغة«. في الوقت الذي يتفاخر فيه الثلاثي لانغ أليغر تروتمان، بربيعهم الشعري، إذ يتم الاحتفال بالشعر في المدارس والمستشفيات والمتاحف ومحطات القطارات، نحاول ان نطرح على أنفسنا بعض الأسئلة. أن لا يأتي هذا المشروع الثقافي الكبير، ليعيد السكين الى الجرح الفاغر، ألا وهو جرح الشعر الفرنسي الذي لا يخرج من عزلته الحميمة إلا ليعود إليها بسرعة؟ أليس لربيع الشعراء مكان آخر، في الخارج: في اليابان، في إيران، في اليونان، بينما نجد أن الشعر الفرنسي يسير ببطء نحو مدار شتائه الطويل؟ ترجمة ا.ح

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة