As Safir Logo
المصدر:

سنة موت ريكاردو ريس( ترجمة انطوان حمصي ، راجعه اسكندر حبش)

المؤلف: ساراماغو جوزيه/حبش اسكندر التاريخ: 1999-04-01 رقم العدد:8262

بيسوا يغدو أفضل بعد موته وساراماغو يعرفه أكثر مما يعرف نفسه قصة من الوهم في مدينة مقابر تحت المطر ****** ليس الأدب، في غالبية الاحيان، الا لعبة مرايا بسيطة، تتأمل من خلالها الشخصيات بعضها بعضا، كما يجاوب بعضها بعضا عبر أثير الصدى لتغض الطرف عن الحدود واللغات والزمن الذي يمضي. لذلك، لا تبدو المصادفات أمورا طارئة أبدا، بل تشكل جزءا من سلسلة طويلة، تتشابك حلقاتها أحيانا بشكل مدهش، لتتناسل منها صلات، يبدو سبب وجودها، للوهلة الاولى، غامضا بشكل كبير. من بلد الى آخر، ومن كتاب الى آخر، ثمة لحمة تخلق نفسها بنفسها، لحمة غير محسوسة أغلب الاحيان، الا انها تحيلنا الى حلم ما في نهاية الامر: حلم كل كاتب، بل حلم الأدب في كليته، اي الوصول الى العمل الواحد. من بورخيس الى ساراماغو، ومن فرناندو بيسوا الى أوكتابيو باس، عديدة هي الجسور التي لا تطالب بشيء سوى بأن تمتد الى بعضها البعض شريطة ان تبرهن عن وقاحتها، عن جرأتها، وعن خيال مدهش لا مثيل له. بالتأكيد، ليس الخيال ما ينقص جوزيه ساراماغو (ليس خوسيه، مثلما يعتقد البعض، عائدين بذلك الى اللفظة الاسبانية) حائز نوبل للآداب العام 1998، وهو بذلك أول كاتب باللغة البرتغالية يحصل على هذا التشريف الكبير. ف»سنة موت ريكاردو ريس«، اولى رواياته التي تنقل الى العربية، ليست في النتيجة، سوى خيال صاف، اذ انها تضع فوق مجرى الاحداث احد »بدلاء« الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا: البديل الاشهر ريكاردو ريس. الأنا الآخر ثمة سؤال قد يعترضنا في بداية الامر: ماذا تعني كلمة »بديل«؟ لا يزيد الامر هنا او ينقص، عن كونه »الأنا الآخر« لبيسوا، اكثر الشعراء سرية في هذا القرن، كما أكثرهم تعذرا في الامساك به. (وما أكثر هذه »الأنات الأُخر« عند الشاعر). مثله مثل البدلاء الآخرين، من مثل برناردو سواريس او الفارو دو كامبوس، يمتلك ريكاردو ريس خاصية عميقة: امتلاكه سيرة حياتية وعملا أدبيا خاصين به، مختلفين عن أشباهه او »بدلائه« بشكل عميق، لدرجة انه »يبتعد« عن كونه مجرد اسم مستعار، إذ صبح شخصية متخيلة بشكل كامل، شخصية هاجرت الى البرازيل العام 1919، بالاحرى اختار المنفى، السياسي، لأنه ملكي، كان يدافع عن عظمة البرتغال وبهائها. وقد كان ريس طبيبا وشاعرا. من هنا، ثمة سؤال آخر، لا بد ان يطرح نفسه ايضا: لماذا اختار ساراماغو شخصية ريس ولم يختر مثلا شخصية ألبرتو كايرو؟ (أحد بدلاء بيسوا ايضا). في أحد حواراته الصحافية، يجيب ساراماغو عن هذا السؤال بالقول »لأنني تعرفت في الواقع، على فرناندو بيسوا، عن طريق ريكاردو ريس. لقد أحببت يومها، في الحال، صرامة قصائده وعنفها، أحببت فيها هذه الارتيابية التي تلامس الرواقية احيانا. لقد أثر بي، شيء منها، بشكل عميق، لدرجة أنني نجحت بأن أصنع من بعض قصائده شعارا وقاعدة حياة وسلوكا. بيد انه، وفي الوقت عينه، كان يثيرني بلامبالاته التي كان يشهرها في وجه المجتمع الذي ينحدر منه، لذلك، وعبر هذا الكتاب حاولت ان أحلّ مشكلتي مع ريكاردو ريس«. الفرجة في واقع الامر، الشعار الموضوع في مستهل الرواية، على لسان ريس »عاقل هو من يكتفي بالفرجة على العالم«، لا يستطيع الا ان يبقى شعارا غريبا عن ساراماغو هذا الكاتب الملتزم، »منذ الازل«، في معارك عصره. ومع ذلك، فمن هذه الدهشة المتناقضة، تولد صورة ريكاردو ريس، التي تبدو أكثر حقيقية لما هو عليه في واقع الامر. فريس، يعود الى لشبونة العام 1935، في اللحظة التي يموت فيها مبدعه الشهير، اي فرناندو بيسوا نفسه. وحين يعود، يحمل في أمتعته، مقاطع من أناشيده كما ذلك الكتاب وللصدفة الذي لم يكن موجودا يوما. كتاب »اله المتاهة« الذي ألفه بالانكليزية شخص يدعى هيربرت كوين، الذي ليس هو في واقع الامر سوى أحدى الشخصيات الكثيرة التي أبدعها بورخيس. شخصيات خيالية تتحاور اذا فيما بينها، شخصيات حية، ميتة او غير موجودة أصلا، واقع يفاجئ الحلم فجأة كي يحيل، الى العدم، الطمأنينة المنتصبة كمثال حياة. كل شيء، في الرواية، يساهم في تحطيم الأثر، في ان لا يقدم الا العناصر الأساسية، في ان يقطع مع الأفكار المسلّم بها (من هنا نجد ان الملاحظات في أسفل الصفحات والعائدة للنص الفرنسي، إذ النص العربي مترجم عن الفرنسية التي كانت قد وضعتها المترجمة الى الفرنسية، ملاحظات غير مفيدة أصلا، وهي في غير موقعها، إذ بدت كأنها تضفي على الكتاب، سمات فولكلورية، لم تكن في حسبان الكاتب أصلا، إذ تفشي احيانا، جزءا من الغموض الذي أراده الكاتب، والذي تركه موجودا بمهارة). دائما، نجد ان لشبونة جوزيه ساراماغو، لا تشبه في شيء، لشبونة تلك التي نجدها عادة على البطاقات البريدية او في الكتب السياحية. فهذه المدينة، مثلما تتبدى في الكتاب، مدينة يهطل عليها المطر بشكل متواصل، الوحدة فيها والموت من الامور الثابتة والحاضرة تحت الاشكال الاكثر دفعا لليأس او تحت أشكالها الغريبة المتنافرة. انها لشبونة المقابر، (وللغرابة، ثمة مقبرة رئيسية، تدعى مقبرة »البرازيرس« اي مقبرة اللذات). ثمة نوع آخر من المقابر في هذه المدينة، وتتمثل في التماثيل العديدة التي تزين الشوارع. مدينة عدوانية تجاه من يصل الىها لأول مرة، عدوانية للذي يبحث فيها عن ملجأ في زوايا الذاكرة، للمبدأ حصرا عبر الكتابة كي يحاول الهرب من الواقع، الواقعي جدا، ومن الموت المحتم. يتصارع ريكاردو ريس، طوال الرواية، بين فكرة رحيله »اي في البقاء بعيدا عن الفرجة على العالم« وبين المتخيل الذي أصبح واقعا. وعبر واسطة امرأتين: ليديا، الوضيعة المسؤولة عن غرف النوم بالفندق (التي تقدم الطمأنينة الجنسية وتدبير الشؤون المنزلية، وهي بالمناسبة غير بعيدة عن ليديا المثالية التي استحضرها ريس في قصائده الغنائية) وايضا مارسيندا، الملتاعة، الشابة الحذرة، المحطمة من جراء التشوه الذي أصابها، اي ذراعها الذابلة المشلولة. امرأتان، تحفران ثغرة نهائية، أساسية، في فضائه الشعري، التأملي بشكل أساسي. الا ان »سنة موت ريكاردو ريس«، هي سنة 1936، اي تلك الحقبة المفصل في التاريخ الاوروبي: حقبة صعود الفاشية في أوروبا، لحظة اندلاع الحرب الاسبانية، التي وجدت صداها في المنشور، المشوه، لبرتغال سالازار. من هنا، يغور الواقع فجأة من كل الجهات، واقع حياة ريكاردو ريس القصيرة، التلقائية، إذ أصبح عليه ان يواجه، وحيدا، وحدته الخاصة، لكن أين هو بيسوا في ذلك كله؟ شخص مخطئ »ان فرناندو بيسوا، خاصتي وكما يقول ساراماغو شخص مخطئ بشكل كامل. ليس لديه اي علاقة مع ما كان بيسوا يعتقده حقا. انه، رجل أكثر تطلبا، اكثر تهكما وأكثر سخرية. كما لو انه، بعد الموت اصبح باستطاعته تفحص الاشياء بشكل مختلف. سمحت لنفسي بأن أجعله شخصية تقول كل ما تفكر به ويفكر بكل ما يقوله، في حين انه، لما كان حيا، كان بسيطا يختبئ باستمرار«. ثمة صفحات ذات جمال أخّاذ في هذه الرواية، وبخاصة تلك العائدة الى شبح بيسوا الذي يسهر بصمت على بديله، الذي عاد خصيصا من البرازيل كي يرافقه في القبر. من هنا، لا نجد لآخر تعاليم ريكاردو ريس اي منفذ، سوى في موته، تقريبا، في الوقت عينه، مع الكاتب الذي أعطاه الحياة والكلام. »سنة موت ريكادو ريس«، اكثر من لعبة مرايا او لعبة أصداء منتمية الى الغموض الاكثر تجذرا في الأدب. انه كتاب كبير، »معقد«، بلا امتيازات، شبه شعائري، يقدم الوحدة تحت أرعب وجوهها، وأكثرها واقعية: الموت. من هنا، نستطيع ان نقرأه من زوايا عدة، وما الأدب الكبير، الا العديد من احتمالات التأويل. وهذا ما ينجح بإقناعنا به، جوزيه ساراماغو، المولود العام 1922 بمنطقة أربناغا، حيث عمل صانع أقفال ورساما وموظفا وصحافيا، ولم يدخل الى الأدب الا متأخرا جدا. كذلك هو مناضل شيوعي، ترأس تحرير صحيفة »ديرايو دو نوتيسياس« خلال »ثورة القرنفل«، وقد طرد من مركزه هذا فيما بعد. »لقد أحرقني لهيب الثورة البرتغالية«، لذلك جاء الاعتراف به متأخرا. على كل، مع هذه الرواية، التي نشرت في البرتغال العام 1984، يوقع ساراماغو اسمه على جوهرة حقيقية، حدّت من توهجها الترجمة، غير الجيدة، التي قام بها انطوان حمصي. على كل، ثمة ترجمة اخرى، أفضل نسبيا، للرواية ذاتها، صدرت في الفترة نفسها، في سلسلة »روايات الهلال« القاهرية، وقام بنقلها عن الانكليزية عبد الحميد فهمي الجمال. اسكندر حبش

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة