عشرات المشاهير يقبلون بأي دور في »الخط الأحمر الرفيع« لماليك المخرج الغريب حقّق فيلمه الثالث ملحمة عن حرب بلا منتصرين *** أمس الجمعة، انطلقت العروض المحلية لواحد من »أجمل« الأفلام الانسانية المؤثّرة بمشهديتها وسياقها الدرامي وتحوّلات شخصياتها وأقدارهم المصنوعة من الخوف والتساؤلات والبحث عن معنى الحياة والموت وتفاصيل كل هذا الدمار الحاصل في قلب الطبيعة الخلاّبة. انه »الخط الأحمر الرفيع« (THE THIN RED LINE)، المقتبس عن رواية لجيمس جونس (1921 1977)، أحد الروائيين الذين شاركوا على مدى ستة أشهر انتهت، في شباط 1943، بانتصار الأميركيين في معركة »غوادالكانال«، في المحيط الهادئ، ضد اليابانيين، وكان الروائي استمد وقائع روايته هذه، من المعاينة اليومية التي اختبرها طوال تلك الأشهر. جونس نفسه سبق وكتب »بمقدار ما يوجد من رجال«، الرواية التي تحوّلت الى فيلم »اسطوري« من توقيع فرد زينمان (1953)، و»مثل سَيْل«، الذي اقتبسه فنسنت مينيلي في العام 1958. أما »الخط الأحمر الرفيع« (صدرت الرواية في العام 1962)، التي اقتُبست في العام 1964 للشاشة الكبيرة، بعنوان »الهجوم دام سبعة أيام«، للمخرج مارتون، فكتبها جونس في باريس حيث عاش مع عائلته في جزيرة سان لويس. كتابه »ابنة الجندي لا تبكي أبدا« ستتحوّل، هي أيضا، الى فيلم من توقيع جيمس ايفوري، وبطولة كريس كريستوفرسن في دور الروائي، في الأشهر القليلة المقبلة. إذاً، نحن على موعد مع »الخط الأحمر الرفيع« لتيرينس ماليك، في ثلاث حفلات يومية (الثالثة إلاّ ربع، السادسة والربع، العاشرة إلاّ ربع)، في صالات مجمّع »امبير« في »اسباس« (جونيه)، »سانت ايلي« (انطلياس)، »سوديكو سكاوير«، »لاس ساليناس« (انفه)، »صوفيل« (الأشرفية)، »دون« (فردان)، »ايليت« (الجناح) و»اتلنتس« (المنصورية). يُذكر أن هذا الفيلم الفائز بجائزة »الدب الذهبي« من مهرجان برلين التاسع والأربعين، مُرشّح لسبع جوائز »أوسكار«، منها أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل سيناريو مقتبس وأفضل موسيقى لفيلم درامي. يروي »الخط الأحمر الرفيع« فصلا دمويا من الحرب العالمية الثانية، يتمثّل بالمعركة العنيفة التي خاضها رجال فصيلة شارلي في مرتفعات »غوادالكانال«، في المحيط الهادئ، مطلع العام 1943، من أجل السيطرة عليها وانتزاعها من قبضة اليابانيين، لما تُمثّله من محطة استراتيجية بالغة الأهمية بالنسبة الى الأميركيين. لكن تيرينس ماليك لن يأخذنا في رحلة »ايجابية« عن معنى البطولة والتضحيات، كما في فيلم ستيفن سبيلبرغ »إنقاذ الجندي رايان«، بل سيجعلنا نعيش جحيم الموت والدمار والقلق، من خلال تداعيات شخصيات معذّبة وخائفة، على خلفية التأمل الشاعري بالموت والحياة، بالطبيعة والحرب، بالقدر والواقع، بالدم والجثث والسؤال عن الحرية، بالجنون والعبثية والفراغ، بالانكسارات والتحطّم على صخرة انكشاف الوجوه من خلف أقنعة سرعان ما تسقط في اللاشيء. شاعر هو تيرينس ماليك، يكتب بالكاميرا كأنه يصوّر ما لا تستطيع العين أن تعثر عليه بسهولة. لم يكن غريبا ألاّ يُرشّح »الخط الأحمر الرفيع« لإحدى جوائز التمثيل، رجالا أو نساء، في الدور الأول او الثاني: ثمة مجموعة كبيرة من الممثلين، النجوم والمبتدئين، من دون أن يكون هناك دور أساسي. أما النساء، فلا مكان لهن اطلاقا، باستثناء زوجة أحد الجنود التي تتراءى له في الحلم، أو في صورة فوتوغرافية. ومع هذا، يجمع الفيلم أسماء متعددة: جون ترافولتا وجورج كلووني في دورين صغيرين للغاية، لا أحد يُمكنه أن يجزم سبب ظهورهما السريع، إلاّ اذا تنبّهنا الى رغبة »الجميع« (ممثلون وممثلات) في المشاركة بأي ثمن في فيلم ماليك. اليهما، هناك نك نولته، شون بن، جون كوزاك، وودي هارلسون، الياس كوتياس، جيمس كافيازل، بن شابلن وآخرين. مياه ومجزرة كتاب جيمس جونس يروي، اذاً، معركة تلك الفصيلة التي، بُعيد إطلاقها في مهمة احتلال هضاب غوادالكانال، تبدأ بفقدان رجالها، وتجد نفسها وسط مجزرة عبثية. يقول فرنسوا فوريستييه، في مجلة »لو نوفيل اوبسرفاتوار« (18 24 شباط 99)، ان ماليك احتفظ ببعض تفاصيل الكتاب »كي يؤلّف ترتيلا كنسيا بثمانية أصوات«، في إشارة الى الجنود الثمانية الذين يروون كل على حدة، ومن دون أن نراهم مقتطفات من أحلامهم وهواجسهم ومخاوفهم وذكرياتهم، أثناء انتقال الكاميرا في إرجاء الطبيعة تتأمل الوجود وتُصغي الى النغم الدافئ في الأصوات القلِقة، وتبحث عن أجوبة بدا مستحيلا، أحيانا، العثور عليها وسط بحر الدم والجثث والعنف هذا. وعلى الرغم من تعدّد الشخصيات، لا يرتكز الفيلم على تشريح نفسي مطلق، بقدر ما يُصوّر الذات والطبيعة بمختلف تناقضاتها: الجنود يتقدّمون باتجاه التلال، من دون مياه، مثقلين بالعطش والتعب والخوف، ولا عدو أمامهم؛ ذلك أن المعركة العسكرية لن تنشب قبل مرور نحو ساعة على بدء الفيلم. والمياه تبقى إحدى سمات الشريط: دائما يحتاج الجنود الى المياه ليرووا عطشهم، أو ليغتسلوا قليلا. لكن المياه، رغم بعض الأنهر، تكاد تكون مختفية. فهل البحث الدائم عن المياه، اشارة الى معنى الاغتسال الجسدي والروحي معا؟ هل يرغب المخرج في تنبيهنا الى المعاني المختلفة للمياه، والى مدى أهميتها ورمزيتها الدينية والحياتية؟ أيا يكن، فإن »الخط الأحمر الرفيع« يحتاج الى قراءات متعددة، ومشاهدات متنوعة. فيلم غني بالصور وبلغة الصُور، بالشخصيات وبتصرّفاتها وسلوكها، بالدلالات الانسانية وتناقضاتها. ينقل ميشال باسكال (مجلة »لوبوان«، 27 شباط 99) مشهد اللقاء الذي جمع ستيفن سبيلبرغ بتيرينس ماليك، اثناء حفل توزيع جوائز النقّاد النيويوركيين، مطلع العام الجاري. فالمخرجان التقيا في الكواليس، وتناقشا حول عمليهما، وقد شاءت الصدف أن يُنجزا في وقت واحد. بحسب الصحافي الفرنسي، قال سبيلبرغ: »أنجزت فيلما حول الانزال، كي أُظهر كيف وبأي ثمن ربحنا الحرب«، في حين أن ماليك أجابه: »صوّرت »الخط الأحمر الرفيع«، كي أُثبت أنه لا يوجد خاسرين ولا منتصرين في لحظات الرعب الكبرى في التاريخ«. هنا يكمن كل الاختلاف بين الرجلين، في مقاربتهما الحرب وتفاصيلها، في فلسفتهما أيضا. يقول باسكال: »من جهة، نحن أمام عمل قوي، يسعى الى وضع المُشاهد في قلب المعركة، الى أن يقاسي جسديا الصدمة. ومن جهة أخرى، يتعلّق الأمر برؤية انسانية، شاعرية تقريبا، تلعب مع الزمن والوقت، مازجة العنف بمحطات الراحة والتأمل«، مضيفا أن المخرج ماليك يتعمّد »تثبيت الكاميرا على غرسات من العشب ملطّخة بالدم، أو على فرخ عصفور مقتول في عشه«. ويشير بالتالي الى أن الوقت يبقى »الحليف الأثمن لهذا المخرج الخارج على القواعد، الذي هو تيرينس ماليك«. مقتطفات سيرة يشير فوريستييه الى أن كلمة »ماليك« تعني، بالعربية، ملك. ويضيف أن جذور العائلة تعود الى تكساس، لكنها »من نسب لبناني«(!). أوجين، الأب، اشتغل لدى »فيليبس بتروليوم«، في حين أن شقيقيه كريس ولاري كانا مختلفين جذريا: الأول سار على خطى والده، والثاني سافر الى اسبانيا لدراسة العزف على الغيتار، على يدي أحد كبار القرن العشرين في هذا المجال، اندريس سيغوفيا. في تموز 1968، وقعت أول مأساة: لاري ماليك، الحالم المطلق، فضّل أن يكسر يديه على أن يتخلّى عن الكمال في اتقانه العزف؛ وكان على تيرينس أن ينتقل الى هناك، لمساعدته، لكنه يعدل عن رأيه، فاذا بالأب يعود الى تكساس حاملا جثة إبنه: لاري انتحر. بعد ذلك، تعرّض كريس لحادث قُتلت فيه زوجته، وأُصيب هو باحتراق. تيرينس نفسه سيتعرّض للاحتراق أيضا أثناء تصوير »أرض موحشة«، لكن زوجته حينها، مديرة الانتاج، ترفض أن تدفع نفقات علاجه. ما من أحد يعرف كيف وصل تيرينس ماليك الى السينما. كل ما هو متداول يشير الى أنه، ذات يوم، اقترض من شقيقه كريس خمسة وثلاثين ألف دولار، لينطلق في هذا العالم. لكن الرجل احتفظ دائما بعلاقات حب كراهية مع الصورة. تربّى في مناخ انكليكاني متزمّت، واعتاد على سرقة أجهزة الهاتف من غرف الفنادق التي يرتادها. كان (ولا يزال) يتجنّب آلات التصوير الفوتوغرافي (ما من صورة سمح بنشرها، أثناء عمله على تصوير »الخط الأحمر الرفيع«، باستثناء واحدة وُزّعت على الصحف والمجلات ووكالات الأنباء العالمية). من عجائب ميزاته الأخرى، أنه حين يستمع الى شريط موسيقي، لا يسمح لأحد بأن يطّلع على غلاف الكاسيت؛ وحين يقرأ كتابا، دائما يغلّفه بورق يحجب عنوانه. »الملك ماليك سرّ مقدّس«، كما وصفه البعض، وهو لا يفسر تصرّفاته أبدا. اعتاد الدخول الى الفنادق من الأبواب الخلفية؛ وحين كان يعمل مرة على فيلم »وردة الصحراء«، في العام 1986، اختفى فجأة، قبل أن يتلقّى المنتج اتصالا هاتفيا غريبا: »أنا موجود في أوكلاهوما«. وبعد صمت قليل، سمع المنتج السبب: »إني أتأمل العصافير«. على مدى سنوات عدة، عبّر تيرينس ماليك، أكثر من مرة، عن رغبته في اقتباس »تارتوف«، وعن تصوير نسخة جديدة من فيلم »سانشو« لميزوغوشي؛ كما أعلن مرارا أنه يودّ نقل قصة آنا أو.، مريضة جوزف بروير العُصابية، الى الشاشة الكبيرة (انها المريضة نفسها التي استشهد بها فرويد أثناء تحليلاته النفسية عن مرض العُصاب الذهني)؛ لكنه لم يحقّق شيئا من كل هذا. »ماليك متخصّص بالتردّد، مهووس بالريبة«. أسطورته تتغذّى من مثل هذا التشوّش. في آذار 1995، حين انطلقت أول الشائعات حول اهتمامه ب»الخط الأحمر الرفيع«، استنفر الجميع: مارتن شين (بطل فيلمه الأول »أرض موحشة«)، كيفن كوستنر، جوني ديب، براد بيت، ويل باتون، ماثيو ماكنوغي، ليوناردو دي كابريو، نيكولاس كايج... عاشت هوليوود الهيجان نفسه الذي عرفته حين تمّ الاعلان عن عودة روبرت التمان الى السينما، مع فيلمه »اللاعب«: الجميع يريد أن يكون حاضرا، أن يتّخذ دورا، ولو صغيرا، في فيلم ماليك، النجوم مثل غير المعروفين. في كل هذا الصخب، تلقّى المنتجون اتصالا من أحد الوكلاء يعرض فيه خدمات موكلاته (لم يُعرف بالتحديد من، لكن اشاعات تمحورت حول ساندرا بولوك وجوليا روبرتس)، وكان الجواب: لا يوجد دور نسائي في الفيلم، باستثناء مشاهد قصيرة جدا، منها صورة فوتوغرافية لامرأة: »لا بأس، ستكون موكّلتي صاحبة الصورة«... تفاصيل تقنية تمّ تصوير »الخط الأحمر الرفيع« على مدى 127 يوما: مئة يوم في اوستراليا، أربعة وعشرون في جزر سالومون، وثلاثة في الولايات المتحدة. أما السيناريو، الذي نُقّح كثيرا، فكان يتغير كل يوم. عاد فريق العمل، بعد التصوير، متعبا للغاية. أضف الى ذلك أن الارتجال كان القاعدة: مخطّطات غير منتظرة تعكس مشاهد يرغب المخرج، فجأة، أن يلتقطها ويضمّنها فيلمه، مثل مشاهد الأشجار التي تميل مع الريح، والأعشاب الممتدّة على بساط أخضر رائع... من ناحية أخرى، تمّ استدعاء ممثلين لم يصوّروا مشهدا واحدا (غاري اولدمان)، في حين أن صوت الراوي (بيلي بوب ثورنتون) أُلغي تماما لحساب سلسلة من الأفكار يُعبّر عنها بصوت عال. مُنع المنتجون من التواجد في بلاتوهات التصوير، ونجوم حصلوا على أدوار صغيرة، بإلحاح من »فوكس للقرن العشرين« (ترافولتا، كلووني). أضف الى ذلك أن شخصية النقيب شتاين اليهودي تحوّلت الى النقيب ستاروس (كوتياس) ذي الأصل اليوناني. في هذا المجال، أشار نقّاد الى أن كل ما له علاقة بمعاداة السامية في فصيلة شارلي أُلغي في الفيلم. ن. ج.