As Safir Logo
المصدر:

ديوان الحلاج( اعداد عبده وازن ، راجعته سعاد الحكيم)

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1999-03-05 رقم العدد:8240

»حلاّج« عبده وازن: حوار الثقافات ****** في ماء دجلة يتّقد رماد الحلاّج كلما فتحت يدٌ تابوت الحرف.. أنظر إلى راحلة السنين فأرى تكرار قيامه وولوعه وأيضا استمرار حضوره لأجيال القوافل كلها؛ وأتساءل عن المعنى العميق لديمومته في عالمنا رغم قلة نتاجه.. فهل أحيت مياه دجلة رماده، لكون الماء يحيي كل شيء.. أم أن دمه المنثور بالشك على جبين الضمير لم يُمحَ بيقين؟! ها هو الحلاّج اليوم ينهض من دجلة ليجر، في ساحة لقاء الزمني بالأبدي، أذيال أثواب حاكتها ريشة الشاعر والكاتب عبده وازن.. فكيف فكَّك شاعرنا في مقدمة تتجاوز ستين صفحة أختام الرمز لتخرج المعاني من خزائن الألفاظ؟ * * * قسم عبده وازن تقديم الديوان الى خمسة أقسام وأردفه بقصة ديوان الحلاّج: * في القسم الأول تكلم الباحث على شخصية الحسين بن منصور الحلاّج، الذي صُلب على ضفة دجلة، وأُحرق، وذُرّ رماده في ماء النهر عام 309ه (922م). لقد أثار شخص الحلاّج جدلاً عقائدياً بين العلماء والمشايخ لم يُحسم إلى اليوم.. تكاثرت عليه التهم وتكثّرت فيه الأفهام، وكتب عنه الكثير.. بحيث استطاع المستشرق ماسينيون أن يستقصي قرابة 1736 كتابا تناولت الحلاّج بلغات شتى، منها 892 باللغة العربية.. وتتراوح هذه الكتابات بين فقرة وإشارة وبين مجلدات تطلب تدوينها سنين.. * في القسم الثاني.. تكلم عبده وازن على مكانة الحلاّج في تاريخ التصوف وفي الحضارة الإسلامية عامة.. ورأى أنه جمع بين الدعوة الصوفية والمهمة الإصلاحية، فكان ثائرا متمردا وأيضا عابدا متصوفا.. لقد عانى ما لم يعانِه أحد من المتصوفة، لأنه كان جريئا، صادقا مع نفسه، متمردا على الأنساق الموجودة، رافضا أن يدخل لعبة الستر والتجلي.. يقول عنه أبو بكر الشبلي: »كنتُ أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت«.. ويقول أيضا: »أنا والحلاّج شيء واحد فخلصني جنوني وأهلكه عقله«.. وتجلت صوفيته في استسلامه للموت راضيا، وفي إعذاره جلاديه، يقول مناجيا ربه ساعة الصلب: »قد اجتمعوا لقتلي تعصباً لدينك وتقرباً إليك، فاغفر لهم فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا«. * خصص عبده وازن القسم الثالث من التقديم لرسم صورة بانورامية للعصر الذي عاش فيه الحلاّج.. ثم تناول الحلاّج شاعراً في إطار معطيات عصره هذا.. لقد كان عصر الفسق والمجون، والإلحاد والزندقة، والتقوى والعبادة، كان عصر نهضة علمية وانفتاح فكري وديني.. عصر اضطرابات سياسية وانقسامات إلى فرق إسلامية ودعوات إلهية.. والحلاّج بالشعر شهد على نفسه، فجاءت تجربته الشعرية مغايرة لتجربة فحول شعراء عصره في فن الشعر.. وقد ظهرت هذه المغايرة على مستوى اللغة والصنعة والصورة والكناية والإشارة.. أما أهميتها فتكمن في نقصانها كصنيع فقط لا كتجربة ورؤيا. * في القسم الرابع.. حاول عبده وازن أن يحصر التهم الموجهة إلى الحلاّج ويحدد أشخاص المدعين عليه. لقد اتهم هذا الفرد الوحداني بأنه زنديق، مجوسي، قرمطي، باطني، إسماعيلي، ساحر، مشعوذ، وأنه من دعاة الحلولية والألوهية، ووحدة الوجود، ووحدة الأديان... ومن المستغرب أن يُتهم إنسان واحد بكل هذه التهم مجتمعة على تباعدها وتناقضها.. والذي يراه عبده وازن أن نزعة الحلاّج الإصلاحية وثورته على الظلم والفساد هما السبب في أبرز اتهام سياسي ديني وجّه إليه، القرمطية، التي كانت »تهمة العصر« بإجماع الرواة والمؤرخين. والجدير بالذكر أن التهم التي وُجهت الى الحلاّج كلها، بما فيها تهمة القرمطية، لم يتمكن أحد من إثباتها عليه أو من نفيها بشكل قاطع.. فظل النص مفتوحا على مروحة من التأويلات يتحكّم فيها الإيديولوجي والمزاج الشخصي للقارئ والباحث.. * في القسم الخامس من التقديم.. عمل عبده وازن على الإحاطة بمناهج قراءة الحلاّج في دراسات الدارسين. واستحضر لهذا الهدف أبرز الذين تناولوا الحلاّج من المتقدمين والمعاصرين، شرقيين ومستشرقين.. فتوالت الأسماء: الشبلي، الجنيد، عمرو بن عثمان المكي، السَّلَمي، النصراباذي، القشيري، السرّاج، الغزالي، أبو العباس المرسي... أبو العباس الفقيه الشافعي، ابن كثير، ابن النديم، ابن تيمية، ابن القيّم، الخطيب البغدادي.. فريد الدين العطار، حافظ الشيرازي، جلال الدين الرومي... ومن المعاصرين: كامل مصطفى الشيبي، أحمد أمين، عبد القادر محمود، عبد الرحمن بدوي، قمر كيلاني، محمد جلال شرف، سامي مكارم، سعاد الحكيم. ومن المستشرقين: لويس ماسينيون، فون كريمر، نيكولسون، وروجيه ارنالديز.. وقد استطاع عبده وازن باستحضاره هذا أن يتجاوز التوثيق والسرد ليدخل الى صميم قراءة كل مسمى من هذه الأسماء السالفة لشخص الحلاّج وتجربته الروحية ورموزه العقائدية.. واستطاع القارئ أن يلم في صفحات قليلة بمناهج المقاربات كلها تقريبا.. رأى القراءة السنية للحلاّج، والقراءة الشيعية، والباطنية، والإسماعيلية، ثم القراءة المسيحية، والقراءة الهندوسية، وأيضا القراءة »التوحيدية«... واصطفت النصوص صفا صفا حججا للدارسين.. ابتداءً من سنية ظاهرية، إلى رموز العبارات وإشاراتها، وصولا الى الفناء في المحبوب.. ونورد بعض الأمثلة من النصوص الحجج على هذه القراءات بالتوالي: يقول: »دمي حرامٌ.. وأنا اعتقادي الإسلام ومذهبي السُنّة وتفضيل الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين وبقية العشرة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولي كتب في السُنة موجودة في الوراقين، فالله الله في دمي«.. ويقول »مَن ظن أنّ الإلهية تمتزج بالبشرية أو البشرية بالإلهية فقد كفر...«.. ويقول »إن لم تعرفوه (أي الله) فاعرفوا آثاره وأنا ذلك الأثر، وأنا الحق لأنني ما زلت أبدا بالحق حقاً«. ويقول في العبادة بلغة الرمز والإشارة: إذا بلغَ الصبُّ الكمال منَ الهوى وغابَ عن المذكورِ في سطوةِ الذِّكرِ يُشاهِدُ حقاً حين يشهدُهُ الهوى بأنَّ صلاةَ العاشقينَ منَ الكفرِ أما الفناء في الحب.. فيظهر في أشعار يتأولها كل فريق بإيديولوجية مختلفة.. يقول الحلاّج: يا نسيمَ الريحِ قولي للرَّشا لم يزِدْني الحبُّ إلاّ عطشا لي حبيبٌ حُبُّهُ وسطَ الحشا إنْ يَشَأْ يمشي على خدِّي مشى روحُهُ روحي وروحي روحُهُ إنْ يَشَأْ شِئْتُ وإن شِئْتُ يَشَا جُبِلَتْ روحُكَ في روحي كما يُجْبَلُ العنبرُ بالمِسْكِ الفَتِقْ فإذا مسَّكَ شيءٌ مسَّني فإذا أنتَ أنا لا نفْتَرِقْ إنَّ الحبيبَ الذي يُرْضيهِ سَفْكُ دمي دمي حلالٌ لهُ في الحلِّ والحرَمِ يطوفُ بالبيتِ قومٌ لا بجارِحَةٍ: بالله طافوا فأغناهُمْ عنِ الحَرَمِ للنَّاس حجٌّ ولي حجٌّ إلى سَكَني: تُهْدى الأضاحي وأهدى مُهْجَتي ودمي أنا من أهوَى ومن أهوَى أنا نحنُ روحانِ حلَلْنا بدَنا فإذا أَبْصَرْتَني أَبْصَرْتَهُ وإذا أبْصَرْتَهُ أبْصَرْتَنا وأختم ترافقي مع عبده وازن في تقديمه ونشره للديوان بثلاث نقاط: 1 إن الجدير بالتنويه في دراسة الكاتب عبده وازن هو أنه لم يكتف بالتوثيق والإحاطة والشمول لدراسات المتقدمين بل قام بعد ذلك بخطوة مميزة تحتسب له، لقد نقل الحوار حول الحلاّج من الحقل الديني السياسي إلى الحقل الثقافي. فخرج بذلك عن القراءات العقائدية والإيديولوجية وقدم قراءة ثقافية تعاطت مع نتاج الحلاّج على أنه نص ثقافي عالمي خرج عن الانحباس في فهم واحد لمعتقد، بل تجاوزت فيه ثقافات إنسان عصره وتحاورت حوارا حقيقيا »قوامه التسامح والمحبة والحق بالاختلاف«. 2 غاب موقف عَلَم صوفي كبير هو عبد القادر الجيلاني الذي خصص مقالة رمزية للحلاج، وعبده وازن معذور في هذا التغييب لأن النص نادر التداول.. بدأ الجيلاني مقالته بأن الحلاّج عثَرَ ولم يكن في زمانه من يأخذ بيده. لقد اعتبر أقطاب الصوفية شطح الحلاّج وسُكرَه نقصاناً في المقام لا في الحال.. يقول الجيلاني معترفاً له بصدق حاله: »الحلاّج لما وصل إلى البابِ، وطرقه، نوديَ: يا حلاّج، لا يدخل هذا الباب إلا من تجرّد عن صفات البشرية، وفنِيَ عن سمات الآدمية! فمات حباً وذاب عشقاً، وأسلم روحه لدى الباب، وجاد بنفسه عند الحجاب... فوقف في مقام الدهشة على أقدام الحيرة. فلما أخرسه الفناء، أنطقه السكر، فقال: أنا الحق.. فأجابه حاجب الهيبة: اليوم قطعٌ وقتلٌ، وغداً قُربٌ ووصْل.. فقال بلسان حاله: فما غَلَت نظرةٌ منهم بسفكِ دمي..«. 3 فارق الحلاّج كونه شخصا ليصبح رمزا لقصة تتكرر كل يوم.. فكل من يثور على الظلم والفساد هو حلاّج.. وأيّما إنسان يتحدى الموت بإعلان المكتوم وقول ما لا يقال هو حلاج ينتظر أن تتكرر مأساة صلبه وتقطيع أوصاله وذر رماده في نهر الأيام. وأخيراً أقول.. إن المكتبة العربية، وواقعنا الشعري والإنساني يستشعر حاجة لهكذا نشرة مضبوطة وأنيقة لديوان الحلاّج.. لعلها تكون فاتحة حوار ثقافي لا إيديولوجي..

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة