كتاب خالدة سعيد »الحركة المسرحية في لبنان 1960 1975 (تجارب وأبعاد)« عمل بانورامي فسيفسائي ومعمار كامل لتاريخ مسرحي ***** الكتاب: الحركة المسرحية في لبنان 1960 1975 تجارب وأبعاد المؤلف: خالدة سعيد الناشر: لجنة المسرح العربي مهرجانات بعلبك الدولية. 716 صفحة من القطع الكبير. تصميم الغلاف نينار اسبر. خطوط الغلاف: سمير صايغ. الحركة المسرحية في لبنان 1960 1975. عنوان بسيط لكتابة لا تعد انجازات المسرح اللبناني في الفترة المذكورة، عبر اللغة او الاسقاط او الذهاب الى ما يتخطى التجربة نفسها. خالدة سعيد تقدم صوت التجربة على صوتها. انها لا تقايض الكتابة بالتجربة ولا تقايض التجربة بالكتابة. بل تقيم البناء على وحداته السكانية، إذا ما جاز التعبير، لكي تصل من خلال ذلك الى التاريخ الصافي للحركة المسرحية في لبنان، في الفترة الممتدة على مدى 15 سنة. تلك الفترة التي شكلت ما يسمى ب»المرحلة الذهبية« في تاريخ التجربة اللبنانية. غير ان تاريخ المبنى، حينما يحتوينا المبنى الذي صنعته خالدة سعيد، انما يحتوي الحاضر بداخله. لذا يظل العقلان الماضي والحاضر يتجادلان في فضاء المكان، خاصة عبر العرض الذي يعتمد نصوصا أدبية ومشهدية، تدور وقائعها في قلب المكان الأصل، وبزمن التأسيس ونهاية أيام بعض المؤسسين وخروج بعض الجدد. الماضي، من ذلك، ليس مجرد عبق تاريخي على جدران الكتاب او صفحاته، فهو دائما فعل مسرحي يستدعي التاريخ ويعيد تجسيده امامنا، عبر فعل درامي يتولد من التجربة نفسها ومن استعادتها بتواضع كبير من المؤلفة سعيد. هكذا نجد أنفسنا أمام ما يدفعنا الى اقامة نوع من الجدل، عبر المادة التاريخية، مع لحظتنا الراهنة وهمومنا الثقافية والفكرية الراهنة. لا تنافس خالدة سعيد أحدا هنا. انها تنسحب حضورا، على المستوى المباشر، لصالح أبطال المرحلة الماضية. آليتها البسيطة، تعادلها طلة جذابة لا تضع نفسها في موقع المواجهة، وانما في موقع الاعتراف أولا، ومن ثم الاحترام، ومن بعده في موقع اختيار لحظات التحول الداخلية في تاريخ أنجب حركة مسرحية لا يزال أصحابها يتذكرونها نثرات في أوقات الشدة والصعوبة. خالدة سعيد، تترك لأبطال المرحلة تلك ان يعيدوا التذكر لغاية تتخطى النوستالجيا ومفاعيلها متكفلة باعادة صياغة، تعزز القصد والمعنى، وترفعهما الى مرتبة التأريخ، بدون ادعاءات. ولأنها لا تتقنع بالقوة او بسلطة الكتابة، وهذا مدهش فعلا، فانها تسبح مع التيار لكي تصل الى حيث تأخذها الماء الهادرة، بعين نقدية خفيفة، سوف نكتشفها اذا ما استعملنا بصيرتنا بدل بصرنا في هذا الفصل او ذاك، وطوال صفحات الكتاب ال717. العين النقدية هذه، لا تمارس النقد بالضرب بالخناجر او بالقنص، بل تمارسه عبر منهجة واضحة ولو فسرتها الكاتبة في مقدمة الكتاب. استدراج المسرحي للرجوع الى حكايته الاولى مع المسرح والى وعيه العفوي الاول، وبالاخص الى منابع مخزونه الحكائي والخيالي والى الحوافر والاهواء. وهذا ليس بسيطا، على ما قد يبدو. فهو يحتاج الى قوة والى اخلاص والى حالات اندماج بتجربة الآخر، قد تصل حد التخلي عن الشخصية، كشخصية عارفة. هذا بالضبط، يشكل نظاما كاملا من التواضع ودركا من الانصات والاختزال، في مدى علامات موجودة وثغرات موجودة بدورها. وهي ثغرات لا توازي السرد، حين تشكل جزءا أساسيا فيه يتخطى الوعي الى اعادة انتاجه بعدم التدخل السريع في الرواية. بل انتظارها حتى تكتمل، فيجري النظر اليها وفيها عبر نظائر، تقوم على الاستقراء الواعي للتاريخ المسرحي في لحظات ثباته وقلقه، وفرز كل منهما رغبة في استشراف مستقبل الحاضر الذي نعيشه في ضوء مستقبل الماضي الذي كان. اللحظة التاريخية، هي لحظة فاصلة هنا، ولكنها غير مفصولة عن واقعها. استدراج استدراج المسرحي الى حكايته الاولى، قبل الاتصال بمراحل المعرفة الحسية المنظمة، سواء تحصلت المعرفة عبر ممارسة مسرحية أم دراسة مسرحية، وما رافق هذه المراحل من حكايات وخبرات انسانية شخصية ونظرية وتقنية. العفوية تنتقل الى مرحلة اخرى هنا، غير انها لا تبقي نفسها في المرحلة الثانية، إذ تعززها وتدفعها الى ان تفرد عناصرها على طاولة النقد اكثر. ثالثا، الاعمال المسرحية التي نفذت. رابعا، تناول علاقة المسرحي بمحيطه ورؤيته للتيارات السياسية والاجتماعية. مما يعني ضبط الصراع الاجتماعي عند المسرحي، في فكرة ان العرض المسرحي لا ينتج خارج شروطه الاجتماعية والاقتصادية والفكرية. تعزيز لقوة المشهد، بحضور عناصره الضرورية واللازمة. كأن خالدة سعيد تخوض هنا في شأن عمراني، في الطريق الى سرد سيرة الحركة المسرحية، التي تستهدف إيصال رسالتها الفكرية عبر البنية الجمالية والبنى الاخرى المتداخلة. فالبنية الجمالية لا تستهدف لذاتها هنا، والعمل الابداعي والمسرحي، ليس متعة خالصة لصاحبه او مشاهده او لكليهما، وانما هو فعل يعمل على كسر عزلة الفرد عن واقعه ومجتمعه. فيعيد اتصاله بهما في لحظة وعي متجددة (من خالدة سعيد) بقيمة الجماعة ودورها وسط مجتمعها. لن يفترق التاريخ المكتوب عن حركة التاريخ الاساسية، فهما واحدة في لحظة تمكن استثنائية. انه التاريخ الممسرح او المسرح المؤرخ. لذا فان خالدة سعيد، تنتبه الى واحدة من الثنائيات الخطرة: ان تروي بلسان الآخرين او ان تنطق بلسان الشخصيات المنبعثة أمامنا في فضاء تاريخي مسرحي. انها تختار النطق، تاركة الرواية لأصحابها، في واحدة من التمثيلات المجسدة. وهذا يعود الى فكر خالدة سعيد، الذي يرى ضرورة التمسك بآراء وسلوك صاحب التجربة، حتى ولو ادى الامر الى انسحاب جسدي كلي. لذلك لا يعود النص لخالدة سعيد وحدها، هو نص في الكتابة الاخيرة واستخلاص من النصوص جميعها، وبلغة متسقة، لا تعتدي على لغة الآخرين ولا على حضورهم. المحور الخامس لدى المؤلفة، محور تناول علاقة المسرحيين والنشاط المسرحي بفروع النشاط الثقافي، كالحركة الشعرية والحركة الفنية وبأجواء المثقفين وعلاقتهم بمسرحيين آخرين وبالمؤسسات الثقافية عامة. اي ما ينقص لإقامة الاجواء الجامعة، او التكوين الماسك لكافة الاقتراحات المنهجية القديمة، التي تقترب من بعضها وتبتعد بحسب الحاجة والظروف الموضوعية الكفيلة بذلك. عمل بانورامي عمل بانورامي فسيفسائي، يشمل جميع العناصر والمكونات على حد سواء، خارج أية رؤية هندسية وخارج عناصر التركيز التقليدية السائدة، المتمثلة بسيطرة نوع او حركة في كل لحظة تشد انتباه القارئ. لا صدمة بالمجان في كتاب »الحركة المسرحية اللبنانية«، ولا افتعال. التجارب تروي نفسها وكأنها تمارس فعل حياة، في وسط يتيح تأملا واسعا في ما بعد. لن يغيب شيء عن رصد الكاتبة، منذ لحظة البداية الاولى. الجميع موجود، بقواه الذاتية وبأحجامه الطبيعية، في كفتي ميزان تزن القضايا والعروض والحركات والاسماء بالعدل، إذا لم نقل بموازين أشبه بموازين الذهب. لا اهتمامات بلاغية في الكتاب، بل انتباه الى قضايا الاسلوب والبيان. وهي مسائل في غاية الاهمية. التجارب تجاور الاسماء والاسماء تجاور التجارب. البدايات واضحة في تفاصيل واسعة المدى تسمح باعادة تشكيل المكتوب في قراءة ثانية. ولعل هذا من أهم المعطيات في كتاب خالدة سعيد. فهي تسمح، بقيام عمليات تبديل وتخييل ولعب، ولكن ضمن منظومة جلية في كافة صفحات الكتاب. ذلك ان المادة الاصل تنوجد للمرة الاولى في كتاب موثق بطريقة مثيرة للاعجاب الى حد الدهشة. منير أبو دبس، معهد التمثيل الحديث، فرقة المسرح الحديث وأعمالها، مسرح مهرجانات بعلبك الدولية، حلقة المسرح اللبناني، انطوان ولطيفة ملتقى، روجيه عساف، شكيب خوري، جلال خوري، نضال الاشقر، المؤسسات الارمنية للمسرح، برج فازليان، المسرح الوطني، المسرح باللغة الفرنسية، جان ماري مشاقة، محترف بيروت للمسرح، الان بليسون، الياس الياس، يعقوب الشدراوي، ريمون جبارة. كل من له اصبع في الحركة المسرحية اللبنانية موجود. لكل موقعه، لكل حضوره، سواء بالمجادلة او الاتفاق والاختلاف، بعيدا من التلقين الاخلاقي الذي يعتمد غالبا كأساس للتغير. ثمة قدرة هائلة لدى خالدة سعيد على التحكم بالنفس، حتى أمام المثيرات العنيفة للروح لديها، هي التي عاصرت ورافقت الحركة المسرحية اللبنانية منذ بداياتها مرورا بلحظاتها الذهبية وصولا الى مراحلها الدراماتيكية البالغة الصعوبة. التطهر من الانفعالات، يؤكد الجوانب الايجابية في الحياة ويغلفه بالمتعة. اما الاهتمام بالافعال الماضية، فليس مؤداها الى نبرة مأساوية. القديم تقدمه خالدة سعيد كما لو انه يحدث الآن. ونصدق. لأنها لا تداخل بين الحياة اليومية والتصورات الخيالية، وبين الحياة المسرحية والتصورات الخيالية. مونولوغ كأنه مونولوغ داخلي تتلوه خالدة سعيد على مسامعنا، لمرة اولى واخيرة. أما مادته فمستمدة من مصادر السيرة الذاتية لسعيد المتماثلة والسيرة الذاتية للمؤلف. لا تكتفي المؤلفة من جراء ذلك بالسرد، بل تتبعه بالجدولة. تنطلق بعد ان يروي المسرحي، ومن بعدها تذهب في عملية علمية بسيطة، ولكنها ضرورية ومفيدة ولازمة. أداء أدوار، وتبادل الأدوار من خلال الأداء، في إطار من المشاركة الجمالية، التي تريد ان تبرز أهمية الدور، اي دور، في المجتمع. ذلك الدور الذي لا يتحدد مفهومه الا في ضوء نسيج العلاقات الاجتماعية التي تدخل فيها المؤلفة معتمدة على خبرتها الشخصية من اجل التعرف على الواقع الاجتماعي. ليس بقصد الاستطلاع فقط. ولكن بقصد التعرف على الواقع بأشخاصه وبقصد تحقيق التوافق مع المجتمع الذي تعيش فيه. هنا، يمكن اعتبار اعتماد لعب الادوار، صورة مصغرة لما يحدث في الحياة. يمكن عبرها اكتشاف الذات والواقع، بالنسبة الى كل من الكاتبة والمسرحي والقارئ. ثلاثية، تؤدي الى نمو مستمر ومضطرد. ولكننا، في لحظات، وعلى الرغم من ذلك، ينتابنا إحساس بالقطع، ربما لصلتنا العميقة بالتجربة المسرحية الخصبة التي تلت تجربة الازدهار تلك. وهي التجربة الاخصب. وأعتقد بأن قراءة تجارب او تدوينها، سوف تبقى ناقصة من دونها. اختلفت مفاهيم التأليف، وتطورت اعمال الاخراج، واختلفت الظروف. ملاحظة لا بد من قولها، لكي لا يبدو الكلام عن زمن ماض ذي وظيفة انقلابية نقدية عن التجربة التي تلت، والتي شهدت انواعا من التواصل المدهشة في ظل غياب مفاهيم المركزية وقوة حضور السلطة. الصورة في الكتاب تلعب دورا استرجاعيا ايحائيا. اما فصل »طلائع المستقبل« (ص649 665)، فيحقق خوفا بسيطا لدينا. ان تنمحي تجربة جيل وجد حضوره الساطع في المسرح بفترة الحرب الاهلية في لبنان. ولعل كلمة »المستقبل« التي لم تستخدمها خالدة سعيد الا في هذا الفصل، لعبت دورا ضديا للروح المتقدمة، التي صيغت بها فصول الكتابة كافة. المباشرة تقيم اعتبارا عكسيا. فكميل سلامة وجوزيف بونصار وزياد الرحباني ورئيف كرم الذين اختارتهم المؤلفة، بقوا يشكلون أسماء صاحبة خصائص مختلفة في سرب طويل، تنوعت أسماؤه وتعاطت المسرح من هواجسها التعبيرية، التي حصلت المرحلة الذهبية في تجربة المسرح في لبنان. أربعة، يختصر بهم المستقبل، الذي جاء غنيا ومختلفا وذا دلالات ساطعة، على صعيد الاداء ووظائف المسرح التقليدية ومصوغاته. لن أخفي اعجابي الشديد بالتدخلات النظرية لخالدة سعيد في اكثر من مكان، بالتداخل في فصول وبالحياد النسبي في فصول اخرى. ذلك ان النظري لم يتفاوت حضوره مع المرويات الحارة والحية، لا على صعيد الروح ولا على صعيد اللغة. كل المدارس والتيارات والمناهج موجودة، بالتيسير، اذا ما جاز التعبير. بحيث يسهل أمام اي قارئ تبين وجوه هذه وهوياتها، وعلاقتها بتجربة المسرح اللبناني، عبر كتابة لا ترمز ولا تقعد ولا توقع في الابهام. وهذا شأن تختص به سعيد، التي استغرقت ما يحتاجه تأليف كتاب »الحركة المسرحية في لبنان 1960 1975 تجارب وأبعاد. هكذا اعادت اكتشاف التجارب بوضعها تحت مجاهر القراءة المتجددة والنقدية مما سمح باعادة احيائها. وهكذا قدمت للقارئ بعض الاسماء المغمورة او المنسية ككريستوفر سكيف »أحد ألمع الشخصيات الفنية والمسرحية التي جاءت الى الجامعة الاميركية وأبعدها اثرا« (ص266). نشاط فرقة ممثلي المسرح الانكليزي ونادي الدراما ونشاط الجاليات الناطقة بالانكليزية. الكتاب موجودون، كما هم المخرجون موجودون. وكذلك هم الممثلون. لن يغيب احد عن بال المؤلفة، التي كتبت بصبرها كتابا، غطت به نقصا فادحا في المكتبة العربية. بيانات بالعروض، بيانات بأعمال التجارب والعروض المسرحية. خالدة سعيد، نقلت ما شكل من زمن ماض قريب أرثا شفويا، حولته الى وثيقة هامة ومحترمة وموضع لقاء جمعي عميم. عبيدو باشا