»السفير« تفتح ملف التعليم المهني... »ابن الجارية« في النظام التربوي ****** التعليم المهني في لبنان اشبه ما يكون بأبن الجارية، او ابنتها. هذا بالقياس الى التعليم العام. والدونية التي يحتلها هذا القطاع من التعليم، لم تنجح في علاجها الأبر المقوية التي اعطيت له، لبعض الوقت، ما لبث ان زال مفعولها ليعود الى الموقع الذي لم يتزحزح عنه ابنا لجارية. ومثل هذا الوضع له أسبابه البنيوية العميقة. وهي أسباب لم تنشأ مع حكومة الرئيس سليم الحص، كما انها سابقة على حكومات الرئيس رفيق الحريري، اذ ربما تعود الى دور الانتاج بالمعنى الصناعي والزراعي في النظام اللبناني. اذن عمر الازمة من عمر الاستقلال، وسابقة عليه ايضا، وتعود الى الدرجة التي احتلها التصنيع في بنية الكيان منذ الاعلان عنه في العام 1920. والتعليم المهني يظل ابن الجارية، طلابه في هذا الدرك، اساتذته، وزارته، موازنته، بنيته التجهيزية بأسرها. لا يعود السبب اذن الى نظرة المجتمع لهذا النوع من التعليم وطلابه والعاملين فيه، بل يتجاوز ذلك الى فرص الترقي الاجتماعي التي يتيحها والتي تكاد تنحصر في اعداد الحرفيين والمهنيين والايدي العاملة الفنية الماهرة... هذا اذا لم نتحدث عن البطالة في سوق العمل، تحت ضغط المنافسة الحادة، فضلا عن انعدام المقاييس في مضمار العرض والطلب. والاحصاءات حول عدد المدارس والطلاب والاساتذة وكادر الوزارة تكشف موقع هذا التعليم. الملف الذي تفتحه »السفير« بدءا من قراءة هذا الفرع من التعليم، وصولا الى عرض لنماذج من المدارس المهنية، يقدم صورة عن مشكلات مركبة يعانيها، تصيب الانسان والمؤسسات، وتصل الى المستقبل، طالما ان هذا النوع من التعليم يتعاطى دراسة التكنولوجيا، وان كان على درجة وسيطة، باعتبار انها تدخل ايضا في الدراسات الجامعية. والمؤكد ان لا تقدم ولا دخول في ركاب القرن الواحد والعشرين، ولا اعادة بناء من دون التعليم التقني والمهني، ولعل الدول التي نهضت لاعمار قطاعاتها، اعتمدت بعد حروبها او لاطلاق طاقاتها هذا الفرع، الذي اتاح لها في المحصلة تكريس موقعها المتقدم صناعيا وتكنولوجيا. ولبنان امام التحدي، مثله مثل سواه من دول. رحلة التعليم المهني من الصنائع إلى المديرية حتى الوزارة (1) تطور بطيء.. والخاص يستقطب أكثرية الطلاب ***** حدد المؤتمر العام لليونسكو خلال دورته ال 25 في العام 1989 التعليم المهني والتقني بأنه يعني »جميع أشكال ومستويات العملية التعليمية التي تتضمن بالاضافة الى المعارف العامة، دراسة التكنولوجيات والعلوم المتصلة بها، واكتساب المهارات العملية والدرايات والمواقف المتصلة بالممارسات المهنية في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية...« وكانت اليونسكو قد اعتبرته في توصيات سابقة بأنه مكمل للتعليم ووسيلة للاعداد او وظيفة وجانب من جوانب التعليم المستمر. هذا المدخل العالمي، لا يمنع من التدقيق في الواقع المحلي لهذا التعليم، لا سيما وان التعليم المهني هو الأقل إثارة للنقاش والاهتمام في الاعلام وخارجه. اذن يعاني هذا التعليم من دونية مضاعفة. دونية في النظرة الاجتماعية له، ودونية في ايلاء العناية الرسمية والخاصة به. علما بأن قياس هذا التعليم يدخل ضمنه وكما هو معروف التعليم العالي التطبيقي: طب، هندسة، زراعة، كهرباء، سياحة، ادارة اعمال، كومبيوتر و... اي ان اي احصاء لطلاب التعليم المهني يجعل من هؤلاء الذين يدرسون في الجامعات رأس الهرم، بينما هم على الصعيد النظري معتبرين خارجه. اذ ان الكثيرين يقصرون هذا النوع من التعليم على طلاب المهنيات بشهاداتها المتعددة: الكفاءة المهنية، التكميلية المهنية، البكالوريا الفنية والتأهيلية المهنية العليا والامتياز الفني. ولكل من هذه الشهادات عشرات الفروع التي يصعب تعدادها. حتى ان الشهادات التي تمنحها الدولة تزيد عن 75 شهادة تبدأ في الاستكتاب والسكرتاريا، ومساعد الممرض.. وتصل الى ادارة الفنادق والمطاعم وصناعة الاجهزة البصرية وما بينهما. إذن لا بد من ان ننطلق من ان هناك في لبنان 21 جامعة تمارس تدريسا مهنيا او تطبيقيا الى جانب المواد النظرية التي تعطيها. هذا بالطبع يفتح على الجامعات، والمجال له حديث آخر بطبيعة الحال، نظرا لأننا سنكتفي بالتركيز على ما دون التعليم العالي. وهنا تثار اشكالية يعانيها الطلاب الذين يحصلون على الامتياز الفني والذين سبق وتم تصنيفهم كما خريجي الجامعات، ثم تم التراجع عن هذا التصنيف بعد افتتاح معهد التكنولوجيا وسواه، مما أوقعهم في مشكلة، وأدى بهم الى تحركات، دارت بهم بين وزارات التعليم المهني والتقني والتعليم العالي ودون ان تصل النتائج الى اعادة الاعتبار لشهادتهم. عودة الى هذا التعليم، واعتمادا على ما يتوفر من احصاءات في الوزارة او المركز التربوي للبحوث والانماء. ولكن قبل البدء بعرض الاحصاءات، لا بد من الاشارة الى تاريخ التعليم المهني في لبنان. وهو تاريخ يعود به الى العام 1869 عندما أصدرت الدولة العثمانية نظام المعارف الذي يتناول أنواع التعليم. لكن هذا الفرع من التعليم تأخر حتى العام 1904 عندما أنشئت مدرسة الصنائع، في المحلة التي ما تزال تحمل هذا الاسم، وكانت بذلك أول مهنية رسمية (مقر كلية الحقوق ورئاسة الحكومة) يتم استحداثها، ثم تبع ذلك انتشار مهنيات مماثلة في مناطق الجبل والبقاع والشمال... ومن المعروف ان التعليم المهني نشأ وتطور ليتحول الى مديرية ضمن مديريات وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة، الا انه في العام 1993، صدر القانون 211 تاريخ 2 4 منه، الذي قضى بإنشاء اول وزارة للتعليم المهني والتقني في تاريخ لبنان وحدد لها القانون والمراسيم اللاحقة مهامها بإدارة شؤون المدارس والمعاهد المهنية والتقنية الرسمية، مراقبة المؤسسات الخاصة للتعليم والتدريب المهني والمناهج الدراسية وتحقيق التنمية الشاملة للقطاع وتطويره وتحديثه بما يتلاءم ومقتضيات المستقبل وسوق العمل والبنية الاقتصادية. بالطبع لا احد يريد محاسبة الوزارة في غضون السنوات الست على نشوئها عن تحقيق هذه المهام برغم ان الحكم لا يمكن ان يصدر لمصلحة »انجازاتها«، ولهذا اسبابه التي تتعداها على اي حال من الاحوال، بل للاشارة الى ما هو ادهى وامر. اذ لم يعبر نشوء الوزارة عن دراسة فعلية وحاجة ملحة، لذلك عاشت الوزارة المذكورة أعوامها الستة بينما هي الآن مجرد مشروع، الارجح كما سبق وذكر وزير حقائب التعليم الثلاث (العالي التربية المهني والتقني) محمد يوسف بيضون، واكثر من مرة ستتحول الى مديرية من مديريات وزارة التربية، وبذلك تعود الى »الحضن الام« الذي انطلقت منه سابقا، وكما لم يكن هناك دراسة جدوى لتحولها الى وزارة، ليس هناك الآن دراسة مماثلة مقنعة بالعودة مديرية، كما كانت عليه. اذن يمكن ان يوهم الاداء الرسمي في اقل ما يمكن وصفه بأنه تجريبي، باعتبار ان الدراسة المتأنية مفقودة. الإحصاءات والآن لنرجع الى الاحصاءات في هذا القطاع. المؤكد ان القطاع يتطور عدد مؤسسات وطلابا وهيئة تعليمية، لكنه تطور بطيء بالقياس الى اتساع مدى الحاجات وتنوع العلوم، يتطور نسبيا، ولكن دون بلوغ ما بلغه هذا التعليم في الدول التي قررت يوما اللحاق بركاب التقدم، وعملت على تأمين المقومات اللازمة لذلك، عبر هذا النوع من التعليم، في العام 92 93 كان عدد مؤسسات هذا النوع 245 مؤسسة، اي ما يوازي 3،9 من المجموع العام (ضمن الاحتساب في نوع التعليم الجامعات). اما نسبة الطلاب فكانت اقل مما هو عليه عدد المؤسسات، اذ لم يتجاوز ال 1،5$ وهي نسبة لا تتلاءم بطبيعة الحال مع العدد الاصلي للمؤسسات. وللمفارقة تبدو اعداد الهيئة التعليمية مختلفة هي الاخرى عن الرقمين السابقين، اذ ان نسبة هؤلاء كانت لا تتجاوز ال8،6 في المئة. والسبب هنا شيوع عملية التعاقد في هذا القطاع، مع قلة قليلة من المتفرغين. باعتبار ان المهندس او الطبيب او.. يعطي دروسا ويزاول عمله. لكن الارقام التي اوردناها، والتي تبدو متواضعة، تعتبر متقدمة بالمقارنة مع ارقام السبعينات، عندما كان طلاب هذا الفرع من التعليم لا تتعدى نسبتهم الواحد في المئة، في السنوات اللاحقة ستشهد تطورا، يؤدي الى تضييق الهوة بين التعليمين العام والمهني. ولا يعني ذلك ان التطور في حجم التوجه نحو هذا التعليم بات سريعا ومتواصلا الى درجة التقارب، ففي مجال التعليم العالي لا يمثل الطلاب المهنيون اكثر من 9،8$ من عدد طلاب الجامعات، وفي المرحلة المتوسطة لا يزيد عدد المهنيين عن 3،1$، الا ان هذه النسبة ترتفع في المرحلة الثانوية الى 3،26 في المئة. هذا على الاقل ما تؤشر اليه احصاءات المركز التربوي للبحوث والانماء للعامين 96 97. وعليه فإن حصة التعليم المهني هي 45776 طالبا من اصل 924708 في جميع مراحل التعليم النظامي بما فيه الجامعي. لكن مجموع الطلاب المهنيين يرتفع لدى التدقيق في الارقام التي تعدها المديرية العامة للتعليم المهني والتقني الى 64019 في العام 94 1995. منهم 11563 في المدارس الرسمية، اي ما نسبته 18$ و82$ في التعليم الخاص. اذن هناك هيمنة للتعليم الخاص، كما هو واضح، وهناك ارتفاع مضطرد للتعليم المهني ضمن نظام التعليم اللبناني، الا انه غير كاف البتة، وبالنظر الى عدد مؤسسات التعليم يتضح حجم الفارق الشاسع بين الرسمي والخاص، فالاحصاءات التي اعدتها المديرية عن العام 92 93 اظهرت وجود 31 مدرسة ومعهدا فنيا رسميا في بيروت والمناطق يقابلها 345 مدرسة ومعهدا، اي ان نسبة التعليم الرسمي هي 6،12$، لكنها تستوعب 20 في المئة من الطلاب، ويتبين من الجداول التفصيلية ان 1،55$ من مدارس القطاعين تقع في بيروت وضواحيها و6،12$ في جبل لبنان باستثناء الضواحي و3،13 بالمئة في لبنان الشمالي و12$ في لبنان الجنوبي و7$ في البقاع. يمكن الدخول في تفاصيل حول اوضاع الطلاب وتوزعهم والمناهج التي يدرسونها والشهادات التي يعدون لها، إضافة طبعاً الى الافادات الخاصة عبر الدورات السريعة. لكن هذا يقضي بالدخول في أبحاث تفصيلية تظل محكومة بالتحديد الاجمالي الذي ثبتناه سابقاً، والذي يؤكد ان التطور الذي يشهده القطاع هو نسبي، يرتبط بالدرجة الأولى بالتأزم الحاصل في التعليم العام، ولا يندرج ضمن خطة مبرمجة تهدف الى خلق توازن بين مساري التعليم الاكاديمي والمهني. ولعل السنوات المقبلة ستفصل ايضاً في مدى التحويل الذي يمكن ان تحدثه المناهج التربوية الجديدة في عملية التوجه نحو التعليم المهني، خصوصاً وان عملية الانتقال ليست واضحة بالقدر الكافي، كما اثبتت عشرات الملاحظات على مرحلة التعليم الاساسية. »التوك والمكوك« أين مكمن »التوك« في التعليم المهني. هل في النظرة الاجتماعية الدونية له؟ هل في طابع وطبيعة المناهج؟ هل في هذا التضخم في عدد مدارس القطاع الخاص الى الحد الذي صار معه كل من يملك شقة بعدة غرف يجعل منها مدرسة؟. هل في سوق العمل، وذلك الانفصال بين النظري والتطبيقي على الأرض الذي يعاني منه الخريجون؟ هل في الضغط الذي تتعرض له العمالة اللبنانية الفنية من العمال الاجانب؟ هل في انسداد آفاق السوق العربية التقليدية امام الحرفيين والفنيين اللبنانيين.. وهل في بنية النظام حيث لا أحد يستطيع الجزم بالخيار اللبناني: خدماتي، صناعي، زراعي... وهل المجال مازال متسعاً للأول، والامكانات موفورة للثاني في عصر العولمة والحدود المفتوحة.. وما هو مصير الأخير الذي يعاني النزع.. اسئلة واسئلة لا تعد ولا تحصى لدى النظر الى هذا القطاع. لكن هذا التوسع في طرح علامات الاستفهام لا يغني عن الدخول في خضم البحث عن العلة او »التوك«، وإذا كان في المدرسة المهنية نفسها أم في نظام التعليم واستطراداً في النظام السياسي اللبناني. بالعودة الى مسح المعطيات الاحصائية للسكان والمساكن الصادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية العام الماضي عن العام 1996 يتبين منه الهيمنة المطلقة لنظام الخدمات على الانشطة الأخرى: الخدمات ومختلف 3،36$ والتجارة والفنادق 8،20، والنقل والمواصلات 3،06 أي ما يعادل 4،63$ ويبقى للصناعة 9،17$ والزراعة 7،7$ والطاقة والمياه 8،0 والبناء 3،10$. لا نريد التأشير الى الجمود الحاصل اليوم واثره على معظم هذه القطاعات، لكن المهم ان الاحصاء المذكور اظهر ان حجم قوة العمل في لبنان قد بلغ 944282 شخصاً يتركزون كما هو واضح مما سبق في قطاع الخدمات. لكن المشكلة لا تقف هنا، إذ تتعداه الى ضرورة النظر الى ما يتجاوز هذا العدد من العمالة الاجنبية. أي ان العمالة بأجور منخفضة ومن دون ضمانات فعلية على انواعها، ومقابل ساعات عمل تصل في بعض الاحيان الى 12 ساعة وأكثر. وإذا اضفنا الى مثل هذا الوضع تراجع معدلات النمو والاستثمار، تأكد مدى الضغط المضاعف الذي يتعرض له المهنيون، والذي ينسحب على خريجي الجامعات: الاطباء، المهندسون وغيرهم.. ندخل من هذا المدخل نحو الوقوف على حدود مشكلات هذا النوع من التعليم، لنجدها مركبة، أي تتداخل فيها عوامل معقدة. إذا كان الابرز فيها غياب المعطيات والمعلومات عن سوق العمل وقدراته الاقتصادية إلا ان هذا على صحته، يبدو ثانياً، أما غياب الاهداف العامة لهذا النوع من التعليم، من خلال الاجابة على السؤال: لماذا ننشيء مهنيين في لبنان؟ هل للسوق الداخلي أم للتصدير نحو دول النفط خصوصاً. إذا اجبنا على الأول بايجاب، يجب ان تترتب على ذلك مسؤولية تجاه العمالة الوطنية.. وإذا كان الايجاب على الشق الثاني من السؤال، فعندها يجب ان نملك معلومات دقيقة وتفصيلية عن وضع تلك الاسواق، وتبعا لذلك نحدد الخيارات والتوجهات الملائمة. كلا الامرين مفقودان كما هو واضح، اذ ان تحديد الاهداف العامة يتطلب أول ما يتطلب قرارا سياسيا يحدد شخصية لبنان واقتصاده لعشرات الاعوام. وهذا لم توفره الخطط التي وضعت لإعادة الاعمار والتي اقتصرت على بناء الوسط التجاري او تحديث البنية التحتية. بينما ظلت القطاعات الاخرى ولا سيما الانتاجية منها تعاني الأمرّين تحت وطأة المنافسة الاغراقية وتتعرض لخسائر أودت بالعشرات إن لم نقل بالمئات من المؤسسات والمشروعات صغيرة كانت أو كبيرة. انطلاقا من هذا العطب المفصلي تترتب اعطاب في صميم هذا النوع من التعليم أبرزها الوضعية التي تعاني منها البرامج، ولغة التعليم. إذن المعروف ان المناهج التربوية المهنية قد جمدت طوال ثلاثة عقود، وعندما تمت عملية تحديثها لم تكن هناك تقاطعات واضحة. هذا الى جانب سرعة ايقاع التحولات العلمية والتكنولوجية التي يتعاطى بها هذا النوع من التعليم. ثم ان التعليم المهني يدرس بثلاث لغات او اكثر: عربي، انكليزي، فرنسي (بعض المدارس تدرس الالمانية). ويعاني الطلاب خصوصا المتدنيي المستوى باللغة الاجنبية من ذلك، في ظل عجز عن تعريب المناهج. وهكذا لم يأت تحديث المناهج الذي تم العام الماضي بثورة تفتح الابواب امام الطلاب لهذا النوع من الدراسة. وظلت الامور كما كانت عليه، لجهة دونية هذا الفرع. ومثل هذا الوضع يتغذى من خلل مزمن بين فرعي التعليم، خلل لا يمكن له ان يعالج على صعيد واحد، بل لا بد لمعالجته من تضافر جهود وقدرات، وقبلهما خيارات سياسية واقتصادية وحقوقية. واذا أضفنا الى ذلك فقدان الشروط التعليمية والتجهيزية، والمعايير اللازمة على الصعيد البشري لجهة توفر الاساتذة الأكفّاء المتخصصين فنيا وتربويا يتبين مدى الوضع الذي يعانيه هذا التعليم. اكثر من ذلك ليس هناك من دراسة واحدة فعلية تتناول الخريجين في سوق العمل، وما آلت اليه اوضاعهم، وليس هناك من منافذ عبر التعليم المستمر، او الدراسات المالية لرفع مستوى الاعداد والمهارة اللازمة في ظل تسارع في التكنولوجيا.. والحصيلة ان الطالب المهني الذي تدرب على اصلاح نموذج عن آلة الستينات او السبعينات يجد نفسه امام عالم لا يستطيع فك رموزه الحديثة. من هنا تتضاعف كلفة الاصلاح من جهة وسرعة تلف الآلة من جهة ثانية. وبذلك تدفع الخسارة على صعيدين. ولعل نظام التعليم الجامعي الرسمي والخاص يضاعف من هذا المأزق عندما يقفل الأبواب عمليا أمام خريجي المدارس المهنية. وهو ما لا يثير اهتمام الصناعيين وشركات الصناعة للضغط من أجل تنظيم دورات وبرامج خاصة لهؤلاء، الا على نحو محدود، بدليل ان تجربة التعليم المزدوج المنقولة عن التجربة الالمانية، ما زالت أولية وعلى عدد من المدارس لا يتجاوز عدد اليد الواحدة. إذن هناك جملة معضلات متشابكة تتفاعل مع بعضها البعض وتؤدي الى استمرار هذا التعليم في القاع الذي لم يخرج منه يوما. وهذه مسؤولية تتحملها الوزارة او المديرية وقبلهما القرار السياسي الذي يفعل فعله في سد المنافذ امام الطلاب والخريجين. لا يعني ذلك ان الابواب مقفلة امام خريجي هذه الفروع من التعليم بالكامل، الذي تبقى معه بعض من فجوات، كما يتأكد من احاديث الطلاب.. لكن فتح الآفاق يظل امرا أوسع مدى من مجرد العثور على فرصة عمل هنا وثانية هناك، بينما المسار العام يعاني من اعطاب انهيار قد يزداد تسارعا من ذي قبل في عصر العولمة الزاحفة والحدود المفتوحة على مصراعيها.. والبقاء للأقدر على طريقة المعلم داروين.