As Safir Logo
المصدر:

بين الخصوصية وفرض الرأي: عملية شراء الواقي الذكري شاقة!

المؤلف: م س التاريخ: 1999-03-04 رقم العدد:8239

بين الخصوصية و»فرض« الرأي: عملية شراء الواقي الذكري.. شاقة! ****** منذ حوالى خمس سنوات، واجه المجتمع اللبناني حملات توعية جنسية، اندرج استعمال الواقي الذكري في العلاقة على لائحة اولوياتها، لجهة تفادي الامراض وخاصة الإيدز، لم يكن مجتمعنا محضر نفسيا قبل ذلك، لهذا النوع من الحملات التي اعتبرها البعض مبالغة في »جرأتها«، فالواضح انه لم يتم بعد تخطي مشكلة اعلانات الفوطة الصحية! تزامنت حملات التوعية هذه مع انزال الواقي الذكري الى الاسواق، في الصيدليات تحديدا، كأحد الحلول المباشرة و»السهلة« لكثير من التعقيدات كالعدوى والحمل... حاربته بعض التيارات الدينية، كما اعتبره المحافظون تسهيلا للفلتان الجنسي في مجتمع الشباب، الا ان الدعابات الكثيرة حوله ساهمت في عملية تقبله اجتماعيا، من حيث تنفيس المكبوت بالكلام »المزاح« بالاضافة الى واقعه الطبي الموضوعي. وبما ان الشباب والصيادلة افراد ينتمون الى هذا المجتمع، فقد انعكست هذه »الخلفيات« والتوجهات على ممارسات كل منهم. فيقول جاد (23 سنة): »ركنت سيارتي المازدا القديمة في مواجهة الصيدلية، ونزلت.. كنت مستحي: مش من السيارة بل من كوني متوجها لشراء واق ذكري«. واكمل ممازحا انه يفضل الادلاء بهذا التصريح داخل غرفة مغلقة، عند الخوري مثلا! تجاوزات الصيدلي من المؤكد ان اسلوب تصرف الصيدلي يؤدي دورا مؤثرا في دفع عملية التوعية الى الامام، فهنالك من يخرج من اطاره المهني ليبدي آراءه او تعليقات قد »تجرح« شعور الشاري، فيفضل هذا الاخير الا يقع في »المطب« نفسه مرة اخرى، وهنالك من يتصرف بموضوعية مناسبة تضع السلعة في اطارها »العلمي« وهذا التصرف الاخير يعتبر لائقا من حيث عدم التعرض لحميمية الآخر. فالواقي الذكري دليل على اقامة علاقة جنسية، ولذلك تعتبر عملية الشراء »اقحاما« لطرف ثالث وغريب في خصوصية هذه العلاقة. يروي ماهر (27 سنة) موقفا تعرض له من دون اي مسبب: »ابتعت كمية من الواقي الذكري، ثم عدت بعد خمس دقائق الى الصيدلية نفسها لأبتاع كمية اخرى لأقاربي، فإذا بالصيدلي يبادرني ب »الله يعينك عليها، شو الهيئة هالكتك!.. استغربت كثيرا ولزمت الصمت: شو خصّو؟«. وترتبط هذه التعليقات، غير المبررة بالواقي تحديدا! فلم يسمع يوما عن صيدلي قوله لاحد مبتاعي ادوية وجع الرأس: »الله يعينك! الهيئة المدام ما بتسكت« مثلا. ويعود ذلك الى »المحظور« المتوارث حول موضوع الجنس، وقد تندرج بعض هذه التعليقات في اطار »مازح«، لا يخلو من »العنف«، الا ان بعضها الآخر قاسيا وجارحا بقدر تحجر الفرد. تخبر زينة (22 سنة) قصتها، والصدمة لا تزال في عينيها: »دخلت مرة الى صيدلية، وطلبت من المسؤولة هناك ان تعطيني "Preservatifس (واقي ذكري)، لم اكن أفقه معنى الكلمة في اللغة العربية، فأجابتني تلك الاخيرة بنظرة قاسية واعربت عن عدم فهمها مبتغاي. اضطررت لان اشرح باقتضاب الكلمة، رابطة معانيها بالجملة الطبية والايدز وكل ما هنالك من معان »سامية«! الا انها حافظت على قساوتها وقالت لي بالحرف الواحد: ما عندي إلك إنت! صدمت وأقسمت ألا اتوجه ثانية بنفسي لشراء ال "Preservatifس. قد تكون هذه المسؤولة تحاول ان تؤدي دور الوالدة او المرشد الاخلاقي لفتاة لا يبدو عليها اي اثر للزواج، فإذا بها تريد ان تحافظ على ما تعتبره »نقاء« الفتاة و»أخلاقها«. وبعيدا عن مسألة »الاخلاق«، يطرح السؤال حول دور الصيدلي وصفته، فهل هو مرشد روحي ام مرشد صحي؟ الشباب والخطوط الحمر أما من جهة الشباب، فتتربع في لا وعيهم كمية هائلة من الخطوط الحمر المتوارثة، ويحاول الكثيرون التخلص منها املا بحياة اكثر راحة. ولكن تبقى بعض الضغوطات، والكثير من الاقنعة، فمهى (20 سنة) لا يخطر ببالها ان تبتاع اي سلعة تدل مباشرة على ممارسة جنسية، وخاصة الواقي، من الصيدليات المجاورة لمنزلها: »سيكون هذا بمثابة حكم بالاعدام، او جريمة شرف!« وتضيف مهى ان طريقة التعامل مع موضوع الواقي تختلف بين منطقة واخرى وفقا لدرجة الانفتاح الموجودة. كذلك ماديا (22 عاما)، تعبر عن رغبة في خوض »تجربة! شراء الواقي، وقد حاولت مرة ان تفعل ذلك، الا انها عادت وتساءلت: »كيف بدي فوت عالصيدلية؟! على اي صيدلية بدي روح؟ بركي حدن شافني؟« وتكمل قائلة: »في حال اشتريت واقيا سيكون عملي هذا بمثابة اعلان رسمي للبائع بأنني انام مع شباب، وانا لا اريد ان اخبره، هذا امر شخصي!« ثم تعود وتعلل امتناعها بأنها ليست هي من »سيستعمله«: »منو إلي!«. لكن تبقى عند البعض نفسية التحدي للقيم الاجتماعية، وأحد اوجهها هو »عملية« شراء الواقي الذكري، وتشرح رهام (21 سنة) هذا الشعور »اللاواعي« بانتقائها المتقصد لصيدلية تديرها امرأة اربعينية ومحجبة! »دخلت وطلبت منها مجموعة من الواقي الذكري. اعطتني طلبي بعدما رجفت يدها، وألقت علي نظرة »هجومية«، الا اني، كما لاحظت لاحقا، امعنت في تعذيبها حين طلبت منها المجموعة التي تحتوي على عدد اكبر! أسقط في يدها، لكن، في مواجهة اسلوبي الحاسم، لم يسعها سوى ابداء امتعاض طفيف وإلقاء هذه المجموعة امامي! دفعت ثمنها، وانصرفت.. مبتسمة«. »انعدام الحس المدني« قد تعود هذه »التعليقات« الضمنية منها والظاهرة الى »انعدام الحس المدني« كما تسميه سامية (31 عاما). فقد توجهت مرة مع زوجها جميل الى صيدلية، وبعد ان ذكرت طلبها، بادرتها المسؤولة ب »والله! في وعي«، بالرغم من عدم تعرض هذه الاخيرة لها بجملة قاسية او ما شابه، الا ان سامية شعرت بالاهانة: »شو خصها هي اذا في او ما في وعي«، فالبائعة تصدر حكما قيميا، بينما سامية تطالب بسلعة من بائعها الذي لا يحق له ابداء رأي يقتحم حياتها الشخصية، فجملة البائعة تكسر اطارها المدني المحصور ب »بائعة«: »لا البائع بائع ولا الشاري شاري.. اذا رحت اشتري دواء للسرطان، ستسألني اذا معي سرطان!؟!« تستنكر سامية. »أسلوب العرض ودلالاته« يبقى من جهة الصيدلية، عامل »شكلي« يعبر عن خلفية معينة ويؤثر على الشاري: مكان صف الوقاة الذكرية. فبعضهم يضعها مباشرة امام الزبون، بجانب »العلكة« وغيرها من السلع التي لا يحتاج اقتناؤها وصفة طبية. اما البعض الآخر ف »يتلذذ« بوضعها في مكان يخفى عن الشاري، او بعيد عن متناول يده.. فيجد هذا الاخير نفسه مضطرا الى الطلب، والشرح اذا لزم الامر. يقول الصيدلي مهند (35 عاما): »انا احاول ان اسهل العملية، على الشباب خاصة، قدر المستطاع، لذا اضع الواقي في متناول يدهم، ولا احاول ان ابدي اي تعليق خوفا من ان ينزعجوا.. هذا هو السبب الاساسي. يختارون النوع المناسب، وتنحصر مهمتي في ان اؤمن طلبهم، وأقبض الثمن!«. اما صديقه في المهنة، لا في المنطق، عزيز (40 عاما) فيشرح اسباب اقفاله على الوقاة داخل اطار زجاجي قائلا: »اولا، لا اريد خدش الحياء العام (!)، وثانيا، شو فيها اذا طلبوه، لازم يحسوا بمسؤولية اعمالهم (يتحدث عن الشباب). الكبار المتزوجون قلبهم قوي، ولا يزعجهم المكان على الاطلاق«. بالتالي تتدخل صفة عزيز وأفكاره الخاصة في نطاق عمله المحدد، ليخلق، عن قصد، جدارا (رغم هشاشته النسبية) بين الشاب والواقي. تتعدد الآراء وتكثر التوجهات، ايجابية كانت ام سلبية، داخل اطر لا تبدو ضرورية فالطلب واضح وصريح والمطلوب موجود فلم كل هذا الأخذ والرد؟ الامر بسيط، بساطة إشعال عود كبريت... س. م.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة