نهاية ثلاثة عقود من الرواية الجديدة الفرنسية عود على بدء ********* أما وقد انتهت مغامرة »الرواية الجديدة« التي دامت زهاء ثلاثة عقود من الخمسينيات وحتى السبعينيات إما بفعل التقدم في السن بالنسبة إلى البعض أو الإنهاك بالنسبة إلى البعض الآخر أو التحول بالنسبة إلى الآخرين، إلى كتابة أكثر قربا من الشاعر والذاتية وبالتالي أكثر ابتعادا عن الأبنية الشكلية الصرفية (آلان روب غرييه ومارغريت دورا على سبيل المثال لا الحصر، اللذان عادا الى المذكرات)، فقد حان الوقت لنلقي نظرة تقييمية على تجربة أدبية فذة شغلت عقول الجميع وخيالاتهم، ونزن، بعدما دخل السرد تجربة كتابية وروائية جديدة، ما قدمته »الرواية الجديدة« الى الكتابة الأدبية بشكل عام والروائية منها بشكل خاص. } »الرواية الجديدة«: اسم واحد لعناوين متعددة عُرفت تحت تسميات عديدة، »مدرسة النظر«، »الرواية الشيئية« (Roman objectal)، »ضد الرواية« (Anti-roman)، »ما قبل الرواية« (Antژ- roman)، »اللاأدب« (Alittژrature)، »الرواية البيضاء«، »رواية الصفحة البيضاء« (Roman de la table rase)، »مدرسة أو جماعة مينوي« (Ecole ou chapelle de Minuit) نسبة إلى الدار التي كانت تنشر أعمالهم، الخ. قبل أن تستقر تحت عبارة »الرواية الجديدة« وتصير بالنسبة الى الجمهور الرواية التي يُحكى عنها أكثر مما تقرأ. وقد كثر اللغط في أسماء المنتمين إلى هذا التيار. ففي سنة 1958 قدمت مجلة Esprit الفرنسية لائحة بأسماء من يمكن اعتبارهم من »الروائيين الجدد«: سامويل بيكيت، ميشال بوتور، مارغريت دورا، جان لاغرولي، روبير بينجي، ناتالي ساروت، كلود سيمون، كاتب ياسين، آلان روب غرييه. ولكن فرانسواز باكي تعطي في كتابها »الرواية الجديدة« الصادر في 1972 لائحة مختلفة تضم الأسماء التالية: سامويل بيكيت، ميشال بوتور، جان كايرول، كلود أوليي، روبير بينجي، ناتالي ساروت، كلود سيمون وآلان روب غرييه. نلاحظ أن أسماء كاتب ياسين وجان لاغرولي ومارغريت دورا قد غابت وأتت مكانها أسماء أخرى. ما يعني أن إطلاق صفة »روائي جديد« على هذا أو ذاك من الكتّاب كان مهمة صعبة بعض الشيء. فاستمر الغموض والتردد مهيمنين الى ان أتى حدث كبير، تاريخي في بعض نواحيه، وهو صدور أعمال ندوة سيريزي لاسال العالمية (Colloque de Cerisy La Salle) حول »الرواية الجديدة: أمس واليوم« سنة 1971 الذي سمح بإطلاق صفة »روائي جديد« على الذين شاركوا في هذه الندوة وهم: ميشال بوتور، كلود سيمون، روبير بينجي، جان ريكاردو، ناتالي ساروت، كلود أوليي، آلان روب غرييه. واعتبر هذا الأخير رئيساً لهذه المدرسة نظراً إلى كثرة أعماله الروائية وكتاباته النظرية، إضافة إلى نيله جائزة النقاد لروايته »المتلصص« (Le voyeur) سنة 1955. إلا أن المرحلة الأولى من تاريخ »الرواية الجديدة« التي امتدت على عقدين كاملين كانت متأثرة بالفكر الوجودي والفينومينولوجي لساتر وميرلو بونتي وباكتشافات اللسانية على أيدي سوسور وتلاميذه. } تجديد »الرواية الجديدة« مع بداية السبعينيات عرفت »الرواية الجديدة« فوجاً من الكتاب الشباب (أمثال جان ريكاردو وفيليب سوليرز وجان لوي بودري وجان تيبودو الخ.) تجمعوا هذه المرة حول دار سوي (Seuil) ومجلات »تيل كيل« (Tel Quel) و»شانج« (Change) و»بروميس« (Promesse) وعبّروا عن تمايزهم وابتعادهم عن أولئك الذين سبقوهم. بالنسبة الى هؤلاء الشباب، الذين أعلنوا انتسابهم الى خط فاليري وريمون روسيل وموريس بلانشو وجورج باتاي، كانت »الرواية الجديدة« في تجربتها الأولى خاضعة ل»إيديولجية وضعية تتقلب بين مخلفات نفسانية ونزعة وصفية ذات بنيوية زخرفية« (سولرز)، فطالبوا ب»إخراج السرد عن محاكاة شبه واقعية أو مثالية وإيلاجها في عملية كشف لأعماق الآلية اللغوية« (ريكاردو). على العموم شكلت تجربة مجموعة »تيل كيل« تجذيرا لممارسة الرواية الجديدة وذلك بالتخلي النهائي عن التصورات »الواقعية« و»النيو واقعية« أو الفينومينولوجية. يقول فيليب سولرز في معرض انتقاده لما آلت إليه »الرواية الجديدة« في نسختها الأولى، أي الفينومينولوجية، انها لم تخرج من التصور الذي يعتبر ان »كل شيء يرجع إلى الشباب لا يمكنه أن يكون محاكاة أو تعبيرا عن شيء ما خارج عنه. عليها أن تبتعد عن »الوهم الطبيعاني« الذي يقول بأن »الكتاب هو الحياة بعينها« (ريكاردو). فبرزت خصوصية الجيل الجديد من هؤلاء الروائيين عبر مساهمتهم الإجمالية لما سُمي حينها بعلم الأدب (Poژtique)، وقد تزامن صعود هذا الجيل مع صعود البنيوية في العلوم الإنسانية وفي اللسانيات على وجه الخصوص. } »الرواية الجديدة«: تيار، مدرسة، حركة؟ ما ميز »الرواية الجديدة« التي عرفت انطلاقتها في بداية الخمسينيات، عن باقي التيارات والمدارس التي سبقتها من مدرسة 1660 الكلاسيكية وحتى التيار السريالي في فترة ما بين الحربين العالميتين... هو أنها لم تكن تيارا أو مدرسة أو حركة بالمعنى التقليدي للكلمة ولم تخضع بالتالي لقوانين أدبية أو فلسفية أو حتى سياسية إيديولوجية (الواقعية الاشتراكية مثلا) ملزمة. بل على العكس كانت »الرواية الجديدة« لحظة انفلات وانعتاق من الأشكال التي غالباً ما كانت تنتهي الى تقييد الكتابة في أصول ومبانٍ تقيم برغم ادعائها أول الأمر التحرر والتفلت حدودا وحواجز للكتابة وللخيال. لذلك لم يكن من الممكن تحديدها إيجابيا، إذ إن النقاط المشتركة بين »الروائيين الجدد« نادرة وغالبا ما هي سلبية. فالشيء الوحيد الذي كان يجمع بينهم هو الى تعاملهم مع دار واحدة للنشر هي »منشورات مينوي« ثم دار »سوي« بالنسبة إلى الجيل الجديد من »الرواية الجديدة« الرفض الجذري والواعي لأعراف الرواية التقليدية. فكل روائي شكل نموذجا خاصا في بلورة هذا الرفض والتعبير عنه أدبيا، مما حدا برولان بارت الى القول بكثير من الشفافية والدقة: »من الأجدر أن نسأل عن معنى أعمال روب غريي أو بوتور بدل أن نتساءل عن معنى »الرواية الجديدة«، فإن فسرت »الرواية الجديدة«، كما تطرح هي نفسها، تكون قد فسرت جزءا بسيطا من مجتمعنا، أما إذا قمت بتفسير روب غريي أو بوتور كما يقدمان هما نفسيهما إلينا، قد يصبح بإمكانك، برغم الظلمة التاريخية التي تكتنفك، الوصول الى ملامسة شيء ما من تاريخ زمنك العميق«. أما بيار ديكس فيقول في سياق كلامه على »الرواية الجديدة«: »هناك تسمية مشتركة، ولكن لا وجود لقاسم مشترك«. يبدو أن تكاثر الكتابات هو من صلب ظاهرة الحداثة التي تجبر الكاتب على الاختيار جاعلاً من الشكل سلوكا ومن الأدب فعلا كتابيا محددا. فما هو مشترك بين الروائيين الجدد هو »الدور الجديد المعطى للكتابة في الإبداع الروائي، الدور الجديد للغة« (بيار ديكس). ويضيف بوتور في حديثه عن روب غريي: »في روايات روب غريي لا نلاحظ جهدا تحليليا حول عمل الروائي بحد ذاته داخل الرواية، فلا إشارة عنده للمشكلة التي أطرحها أنا على نفسي حول علاقات الناس بالأعمال الفنية. بنظري يشكل هذا فرقا كبيرا«. ضمن هذا المنظار، لا تلغي ناتالي ساروت مثلا البُعد النفسي على غرار زميلها روب غريي. كما ان التمايز بين هذا الأخير وبوتور يأخذ شكل صراع بين الظاهر والمضمر الذي يضع »الشيئية« في مواجهة مع »النزعة الإنسانية« وقد عبّر رولان بارت عن الاختلاف بين هذين الروائيين بملاحظة غياب »المسار« في روايات روب غريي في مقابل وجود »مسار إبداعي« في روايات بوتور. } في أصول »الرواية الجديدة« مما لا شك فيه ان »الرواية الجديدة« لم تنزل علينا من علٍ، ولا هي اكتشاف برغم قوة فعلها القطعي أتى من العدم، كذلك لم يدّع رواد »الرواية الجديدة« أنفسهم ان ما يقدمونه لا أسلاف له ولا ملهمين. بل على العكس، راحوا ينبشون تأكيدا ربما لتجذرهم في تراث في ماضي الكتابة الفرنسية وغيرها عن خط من الأسلاف ينسبون أنفسهم إليهم من فلوبير الى بروست وريمون روسيل (من الفرنسيين) وادغار بو ودوستويفسكي وجويس وفولكنر وكافكا وفيرجينيا وولف (من غير الفرنسيين). فلقد اعتبروا أنفسهم مكملين لمسار الذين أتوا بتعديلات في أصول وآلية السرد الروائي جاعلين حبكته أكثر غموضا وتموجا وتراكيبه النصية أشبه بملصقات الرسوم التجريدية. كما تأثروا بأولئك الذين، على غرار جيمس جويس، جعلوا من الحوار الداخلي (monologue intژrieur) عصب الرواية وأغنوا بنيتها باعتماد المستويات السردية المتداخلة، أو الذين ساهموا في تحوير موقع البؤرة السردية للراوي متخلين عن تلك التي تجعل من الراوي إلهاً كليَّ المعرفة لصالح ذاتية نظرية متعددة ومتبدلة. وأخيرا رأوا في الذين حرروا الشخصية الروائية من »النمطية« الجامدة (أمثال فلوبير وبروست وكافكا) واستبدلوها بضمير يمتص آلاف الانطباعات والتأثيرات، فضلا عن الذين شعروا مثل اندريه جيد بضرورة الدمج بين الرواية ونظريتها لتصبح الرواية نفسها بحثاً في إشكالية الرواية بحد ذاتها... كل هؤلاء شكلوا أسلافا أناروا طريق رواد »الرواية الجديدة«. بحث تصعب قراءته انطلقت »الرواية الجديدة« كتيار رافض للتصور البالزاكي للرواية ان على صعيد الشكل أو المضمون. فتحررت من الحبكة الدرامية والبنى التقليدية للسرد ومن المنطق الذي حكم بناء الشخصية الروائية ومن المضامين النفسية والأخلاقية والايديولوجية. كما انعتق الراوي من يقينه في مواجهة العالم والإنسان، ومن موقع المعرفة الكلية والشاملة الذي كان يحتله. كما رفضت »الرواية الجديدة« مبدأ الرواية الملتزمة التي ازدهرت خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، إذ لم تعد وظيفة الرواية إظهار الحقيقة أو حتى المساءلة المعروفة مسبقا، بل راحت تنثر تساؤلات تصعب الإجابة عنها. يقول كلود سيمون في هذا الإطار »لا أريد برهان أي شيء ولا إثبات أي شيء«. أخذت الكتابة الروائية منحى أقرب الى البحث منه إلى »التعبير«: بحث لحل رموز الواقع. وبهذا المعنى فهو مشروع فينومينولوجي في مرحلته الأولى؛ بحث استكشافي لعالم الخيال؛ بحث في أغوار الشكل وتعاريج الكتابة. لا شك بأن »رواية« كهذه كانت صعبة القراءة من قبل جمهور متوسط الثقافة وغير معتاد على التعاطي مع أشكال من البنى السردية مضطربة ومحيرة وغير قابلة للتعليل والتفسير من خلال المعايير التقليدية التي نشأ عليها العقل والخيال. فمن تكرار المشاهد التي تشتت عناصر القصة الى مقاطع يصعب إعادة تركيبها، الى استعمال غريب للضمائر وخاصة تلك التي يتم بها استجواب القارئ، إلى ترك النواحي الغامضة في القصة تتفشى بدون توضيح أو تفسير... تظهر كلها أن الرواية انتهت إلى أن تكون قصة ماكرة يتطلب فك ألغازها معرفة لشروط اللعبة وخباياها كما تستوجب المساهمة الفعالة للقارئ رافضة سجنه في موقع المتلقي السلبي. ففيما كانت بنية السرد في الرواية التقليدية بيانية ومنطقية، تعاقبية ودرامية، أخذت »الرواية الجديدة« منحى قرّبها من الشعر والموسيقى والرسم وفنون أخرى تعطي للمساحة مكانة أكبر في عمارتها. فابتعدت »الرواية الجديدة« عن القصة بمعناها الضيق إذ صار على القارئ نفسه إعادة ترتيب عناصر النص وصولا الى »القصة« التي غالبا ما تكون مُقصاة عن الرواية. ففي رواية بوتور »التعديل« (La Modification) تسبق القصة أو تلحق بالمادة التي تشكل موضوع الرواية أي المدة الزمنية التي يمضيها مسافر في قطار باريس روما. وكذلك في »المتلصص« لألان روب غريي حيث يختفي مشهد الاغتصاب والجريمة الذي كان من المفترض فيه أن يشكل ذروة المسار السردي الدرامي. فهذا المشهد غائب بل ممحو (الصفحة 88 البيضاء) فيما تقدم الرواية محاولات البطل ماتياس لإعادة تكوين مسار بريء، ما يعني ان »الروائي الجديد« لم يعد يخبر قصة ذات حبكة، بل صار يبني لغزا يتطلب حله مشاركة القارئ الفعالة. وذلك لأن البنية هذه مكانية أكثر منها زمانية. ففي العديد من روايات كلود سيمون، »معركة فرسلة« (La bataille de Pharsale) أو »الأجسام الناقلة« (Les corps conducteurs) أو »درس الأشياء« (Leچon de choses) لم يعد الإطار الزمني الخارجي عنصرا مساعدا في تجميع المقاطع المتناثرة. فبانعتاقها من المسار الزماني تمكنت الرواية من تفكيك البنى المعنوية المبنية على السبب والتعليل والتفسير واستبدالها ببنى تعطي لأشكال الترداد والتجاور والتداعيات والتبدلات دورا أكبر في إنتاج المعنى وتلغي التنظيم الدرامي لصالح تنظيم لَعِبي (Ludique) هو أقرب إلى مستوى الخطاب منه إلى مستوى القصة. فمارغريت دورا تقوم في روايتها »نائب القنصل« (Le Vice Consul) بوضع قصتين، لا روابط سببية أو زمنية بين الواحدة والأخرى، في علاقة تجاور وتداخل قد تنتهي إلى إنتاج معنى ما خارج السياق التعاقبي والمنطقي الذي اعتدناه. كما يحاول سولرز من ناحيته في رواية »دراما« (Drame) تبيان أن زمن الرواية هو زمن الكتابة، زمن الصفحة البيضاء، الزمن الداخلي الذي يلغي فكرة التعاقب الذي أسس في الماضي لمفهوم المعنى. وقد تمكنت عبر هذا الإلغاء من حلحلة أسس الرواية التقليدية وتفكيك تماسكها المنطقي والسببي، وتماسك شخصياتها الخاضعة لقانون التطور النفسي التقليدي الضروري لروايات بنت مسوّغاتها على عرض »أقدار نفسية« أخذت وجهة النجاح أو الفشل الاجتماعي. هذا التماسك أو التجانس أتى نتيجة التقيد الصارم بمبدأ الهوية الذاتية واستمرارية الذات وإلغاء التناقضات والتفريق الواضح بين مستويات الواقع والخيال، الذاتي والموضوعي، الهدف والفعل، الحاضر والماضي، الأنا والآخر. بالاضافة الى النزعة التفسيرية بامتياز، سواء على صعيد القصة (تقطيع معبّر للنص، تعليل الوقائع، اختيار للإشارات والعناصر المميزة، تكريس لنظام مفهوم الخ.) أو على صعيد الخطاب الذي يتدخل متوسلاً توضيح غوامض القصة. كل هذا ساهم في خلق »المحتمل السردي« مع إرجاع ثابت الى مستويات ذهنية مكرسة والى جعل الأحداث الإنسانية مقروءة عبر سرد تعاقبي منطقي. أدى ابتعاد »الرواية الجديدة« عن البنى المنطقية والسببية والتخلي عن النزعة التفسيرية والتعليلية الى إنتاج أدب مقلق مبني بشكل أساسي على »الغموض والتفكك« وعلى التوالد السردي الحر وبالتالي على انعدام الترابط المنطقي بين الأحداث والهدف المنشود. فالفراغات والأحداث المشوشة والحوارات المتفرقة وغير المكتملة الخ... تجعل من السرد عملية تسير على أرض وعرة وغير محددة المعالم والأفق... فيتوالد من السرد قصص تتكاثر وتنمو في تكوين شبه بدائي مبني على التوسع والانفلاش غير المضبوطين بقوانين. لذلك نلاحظ ان السرد عند كلود سيمون يتقدم عبر جمل طويلة جدا تنفخها الاستطرادات والجمل الاعتراضية المتداخلة الواحدة في الأخرى، عدا عن تقنيات التناص الذي يضع النص في علاقات متضاربة مع نصوص أخرى قريبة منه أو بعيدة. وإذا بالنص يلقح نفسه بنفسه فتتوالد المشاهد كلما انتقلنا من صفحة الى أخرى. في مرحلة متقدمة أخذت المواجهة مع »الواقعية« بُعدا جديدا وأكثر جذرية. فجان ريكاردو، أحد ألمع وجوه المرحلة المتجددة من »الرواية الجديدة«، طرح نظريته »الكتابية« (Scripturalisme) في مواجهة بقايا »الإيديولوجية الواقعية«. فالجوهر بنظره موجود في اللغة، وما موضوع الكتاب سوى بنيته الخاصة، إذ لا يمكننا تخيل موضوع مسبق له. »فالرواية ليست كتابة مغامرة بل مغامرة كتابة« (ريكاردو) لا تدّعي إيصال معرفة مسبقة، بل تقدم نفسها كمشروع لاستكشاف المساحة اللغوية وما تخبئه من أسرار. فمع الجيل الشاب من »الروائيين الجدد« أصبحت الكتابة »منتجة« للقصة وللحبكة وللمضمون الذي يأتي لاحقا ليتلاءم مع الشكل وليس العكس، وصار الكتاب، على حد تعبير سولرز، »نصاً حراً لا يدّعي الإعلام أو الإقناع أو البيان أو التمثيل أو الحكاية«. تتنكر »الرواية الجديدة« لكل مفهوم يريد حصر واقتصار الكتابة الروائية في المنظور »المغامراتي«. فتحولت الأحداث فيها الى مشاهد عن الحياة اليومية العادية لدرجة البلادة. مشاهد لم تعد بحاجة الى شخصية منمطة على الطريقة البالزاكية (اسم وشهرة، عائلة وهوية، مهنة ومهارات، عادات موروثة، شكل خارجي وأطباع، الخ.) فراحت هذه تضمحل شيئا فشيئا لتستحيل كائنا يفتقر الى تحديدات، غير مرئي، »أنا« مغفل نادرا ما يملك شكلاً ظاهراً يعبّر عما في داخله. وتصل الأمور الى حد الغياب التام الملموس والمادي للشخصية الأساسية كما في »غيرة« (La Jalousie) لروب غريي. بل أكثر من ذلك فقد تصل الأمور الى حد تغير الشخصية وتبدلها في القصة نفسها، فهي تارة أنثى وتارة ذكر (كما هي حال شخصيات كلود سيمون في »درس الأشياء«). يقول رولان بارت في هذا الصدد: »لم يعد كافيا تفريغ البطل، صار المطلوب إبعاده«. وبالفعل لم يعد ممكنا عند سولرز (في رواية »دراما«) أو عند بودري (في رواية »شخصيات«) تشخيص البطل وأنسنته، وبالتالي لم يعد القارئ يتماثل مع الشخصية بل مع الكاتب الذي يعيش مأساة الكتابة، إذ أصبح الراوي هو البطل الحقيقي للرواية. في أواخر السبعينيات وصلت »الرواية الجديدة« إلى ذروة تجربتها وذروة جنونها أيضا. فبرز روائيون أمثال أوجين سفيتسكايا الذي وصلت به الحال الى درجة كتابة رواية بعنوان »كذب« (Mentir) لا تؤدي قراءتها الى أي يقين حيث يصعب على القارئ ضبط الحقيقة من أي جانب كان. فوصلت »الرواية الجديدة« عند بعضهم الى حدود انفلاش الكتابة المطلق في مساحة اللامعنى. فكانت ردة الفعل عند جيل آخر من الروائيين، العودة إلى الخبر والى السرد بمعناهما التقليدي. فبرز كتّاب من طراز رينالدي وتورنيي وتبّوكي وموديانو وغرينفيل وأوسر وتايلور وغيرهم من الذين ابتعدوا عن الهمّ الشكلاني الذي كان يشغل روائيي العقود السابقة، آثروا التعبير المباشر عما يعانون منه في دواخلهم من هموم واستيهامات وقلق. فمع العودة الى السرد التقليدي كانت عودة الذاكرة والمشاعر والأحاسيس والعواطف والذاتية. فعادت الرواية تكتسب شحنتها الإنسانية التي قمعتها لفترة شكلانية طاغية. ولكن »الرواية الجديدة« تركت بصماتها على الرواية التي خلفتها. فالرواية الحديثة اليوم استفادت من تجربة »الرواية الجديدة« التي ركّزت انتباه الجميع على أهمية اللغة وتراكيبها وأهمية البنية الشكلية للنص في عملية إنتاج المعنى وخط سير الدلالة في الروايات وعن الوهم الكبير الذي يختبئ خلف الشخصيات المتماسكة وعن اللاشيء وراء المقاطع الوصفية سوى جملة جميلة كما يقول بروست في محاولته وصف أجراس الكنائس في كومبراي. فرغم ابتعادهم عن »الرواية الجديدة« نلاحظ بصماتها عند العديد من الروائيين المحدثين. فقراءة رينالدي تعيدنا الى بروست ولكن أيضا الى كلود سيمون، أما موديانو وتبّوكي فهما أقرب الى أولئك الروائيين الجدد الذين كانوا يولون أهمية قصوى لتفاصيل الحبكة وألاعيب الخيال. على كل حال، حصلت في الثمانينيات أمور كثيرة في فرنسا وأوروبا عامة: فالتحول الذي عرفته الرواية لم تكن معزولة عن سياق من التحولات العامة دفعت بالذهنية والخيال نحو نوع من الروحانية والإنسانية في الفكر عامة. أما في اللسانيات فبدأ استجواب »الضمير« المنتج للغة الذي يقف خلف النص وفعله، أي الناطق أو مستواه (niveau dصژnonciation)؛ وفي الآداب عاد الإلهام مع ما يحركه من مشاعر وأحاسيس وصور وخيال يحل محل الصنعة واللعبة الفنية... وعادت الرواية تخبر قصصا، والقصص تنسج حبكتها، والحبكة ترسم خط سيرها الدرامي، والدراما تحركها شخصيات في أوج انفعالاتها، الخ. إنه بالفعل عود على بدء.