As Safir Logo
المصدر:

بعيد عن قدامة بن جعفر قريب من ابن حزم الاندلسي محمود درويش في سرير الغريبة ماذا يفعل العاشق من دون منفى؟(صور)

المؤلف: حديدي صبحي التاريخ: 1999-02-19 رقم العدد:8228

بعيد عن قدامة بن جعفر.. قريب من ابن حزم الأندلسي محمود درويش في »سرير الغريبة«.. ماذا يفعل العاشق من دون منفى؟ ****** I هل من حق محمود درويش (وهو »شاعر المقاومة« و»شاعر القضية« و»ضمير فلسطين« و»مجنون التراب« و»عاشق الأرض« كما تقول العناوين الكبرى التي دأب النقد العربي على تمثيله فيها واختزاله إليها، وحدها، حصراً في معظم الأحيان) أن يصدر مجموعة شعرية مكرسة، بأسرها، لقصيدة الحب؟ هكذا... قصيدة عشق طليقة، منسرحة، متخففة إلا من أثقال القلب، لا تنتصب فيها بندقية بين ريتا وعيونه، ولا يكون فيها عاشقاً لحبيبة واحدة وحيدة هي الأرض؟ وهل يطيق محمود درويش قول الكلمة الطبيعية: »أحبكِ«، دون أن يردف بعدها مباشرة: على الماء وجهكِ، ظلّ المساء يخاصم ظلي وتمنعني من محاذاة هذا المساء نوافذ أهلي، متى يذبل الورد في الذاكرة؟ متى يفرح الغرباء؟ لكي أصف اللحظة العائمة على الماء أسطورة أو سماء..(1) إجابة أولى طبيعية هي: نعم! باردة جازمة مطلقة، دونما وقبل الحاجة الى تأتأة أو أدلجة أو تفلسف حول حقوق وواجبات هذه ال»نعم«، فمن البديهي أن يعشق محمود درويش كما يعشق أبناء آدم وحواء، وأن يكتب قصيدة حب خالصة لامرأة من بنات آدم وحواء، وأن تكون حبيبته هذه من لحم ودم وليست مجازا عن فلسطين أو الأرض أو القضية، بيد أن هذه ال»نعم« الطبيعية ليست بسيطة أو قابلة لنوع من التبسيط الذي يقترن عادة بتثبيت بداهة جلية، يسهل التسليم بها لأنها في الأساس مشبعة بمنطقها الطبيعي الخاص الذي لا يحتاج إلى مرجعية منطقية. المسألة، في الواقع، أكثر تعقيداً من هذا التمرين الأولي في إحكام البداهة حول حقوق شاعر يحظى بالكثير من الإجماع على البداهة. ذلك لأنها لا تدور حول الموقف من هذا »الغرض« الشعري مقابل ذلك، أو حول واجب الشاعر هنا وحقه هناك، بل حول الغرض بوصفه انتقاصا من »واجب« الشاعر إذا صحت العبارة، وحول »حق« الجماهير في المطالبة بالأغراض الأثيرة لديها، وربما واجبها (!) في الدفاع عن موقع فريد منحته لمحمود درويش، وشغله ويشغله في الوجدان العربي العريض. إنه صوت فلسطين (فردوس العرب الضائع)، وعاشق أرض فلسطين (حبيبة العرب)، والمقاوم الفلسطيني (إزاء المهزوم العربي)، والرمز المتحرك أنى كان وأنى يكون (في يافا، في القاهرة، في بيروت، في باريس، أو في رام الله). وإنه قيثارة فلسطين التي تداوي حتى حين تجرح، وتشجي حتى حين تدمي، وتشحذ قوة الروح حتى حين تقف على اندحار الروح، وتبدو واضحة حتى حين تغمض، ومتفائلة حتى حين تتشاءم، ورامزة الى الجماعة حتى حين تصرّح عن الفرد... وإن محمود درويش هو الشاعر في ذلك كله: المعلم، الماهر، المحبوب، المنتظَر، المعشوق... ولكنه أيضا الشاعر الممنوع من أن يكون الشاعر الشاعر أولاً، الشاعر tout court كما يعبّر الفرنسيون، الذي قد يحلو له أن يغادر أدوار »شاعر المقاومة« و»شاعر القضية« و»ضمير فلسطين« و»مجنون التراب« و»عاشق الأرض« لهذا السبب الذاتي أو لذاك السبب الموضوعي، لحصيلة معقدة من الأسباب التي ليست بالذاتية ولا بالموضوعية، أو دونما أسباب على الإطلاق. إنه شاعر كبير معلم، ولكنه ملزم بأن يكون أكثر بكثير من شاعر كبير معلم. انه من جانب أول، الشاعر الذي يرى ويقول وينبه ويجمع ويوحد (حين يعشي الآخرون، فيصمتون أو يخدّرون أو يفرقون)، وهو من جانب ثانٍ الشاعر الذي يكتب قصيدة تحفظ كرامة الشعر (في مقابل نكوص معظم الشعر، واعتلال علاقته بالناس). إنه، ببساطة، ممنوع من الانفكاك عن نفوذه المعنوي (الأدبي والسياسي والجمالي)، وممنوع من الاعتذار عن ممارسة هذا النفوذ أيضاً! ومرة أخرى نتذكر أن نفوذ هذا الموقع الفريد هو من طينة ذلك النفوذ الخاص الذي تمتع به كبار الشعراء في الأطوار السحيقة من ازدهار الشعر، حين كان الشاعر أشبه بنبي الأمة، والناطق المعبّر عن كيانها، وعرافها الذي يستبصر أقدارها الماضية والحاضرة، وتلك الكامنة في مجهول لا يرى معلومه سواه، في السمو والانتصار كما في الانكسار والهزيمة. وفي ثقافات الأمم تكررت على الدوام تلك البرهة الاستثنائية التي تُلقى فيها على عاتق شاعر واحد مهمة رؤيوية كبرى مثل التقاط الوجدان الجَمْعي للأمة، وتحويل الشعر إلى قوة وطنية وثقافية، روحية ومادية، جمالية ومعرفية. ولقد توفرت لمحمود درويش أسباب موضوعية وأخرى ذاتية لبلوغ هذا الموقع، وحدث أحيانا أن التفاعل بين هذين النوعين من الأسباب كان في صالح مشروع درويش الشعري، وحدث أحياناً أخرى أن ضغط الشروط الموضوعية ألزم الشاعر بدفع برنامجه الجمالي الى الصف الثاني والسماح للمهمة الوطنية باحتلال الصف الأول. ولكنه في الحالتين أثبت حساسية فائقة (وعنادا جديرا بالتصديق الحار، والتضامن!) تجاه تطوير لغته وأدواته وموضوعاته، خصوصاً في العقدين الأخيرين من مسيرته الشعرية حين استقرت كثيرا معادلات أكثر هدوءا للعلاقة التبادلية بين تطوير جمالياته الشعرية وتطور نفوذه الأخلاقي والثقافي في الوجدان العربي. ومنذ الأشهر الأولى بعد خروجه من الأرض المحتلة الى العالم العربي، حين أخذت سلطته الأدبية تتعاظم وتترسخ، تنبه درويش الى إشكالية موقع الشاعر الناطق باسم الوجدان الجمعي للأمة، وأدرك أن سبيله الأفضل للسير في هذه العلاقة الوعرة مع جمهوره ليس أي خيار آخر سوى الانشقاق عن أعراف العلاقة ذاتها كلما توجب الأمر، بل ومغادرة أرضها كلما ضاقت وضيّقت فضاء مشروعه الشعري، وكان ذلك يقتضي أولا، تطوير الموضوعات والأدوات والأساليب التي تضمن للشعر أن يواصل الحياة تحت اسم وحيد هو الشعر، وأن لا تنقلب العلاقة الى تعاقد سكوني نصف إيديولوجي/ نصف شعبوي بين الشاعر الذي تمت ترقيته الى مصاف الرائد الرائي، وبين الوجدان الجمعي الذي أسلم للشاعر قسطا كبيرا من الحق في تكييف الميول وردود الفعل، ولم تكن هذه »الحرب« الصامتة سهلة أبداً! وكما هو معروف، حدث مراراً أن الجمهور كان يطالب درويش بقراءة قصيدة »سجّل أنا عربي«، التي كتبها داخل الأرض المحتلة وظلت طيلة عقد كامل أشبه بالتعويذة السحرية التي تشعل الحماسة والفخار الوطني. ولكنه بدل الاستجابة الى هذا الإلحاح (الذي يظل شرعيا في الواقع)، كان درويش يتعمّد قراءة قصائده الجديدة، وكانت هذه تبدو للوهلة الأولى جديدة على صورة الشاعر النبي، وصادمة بمعنى غرابتها عن صورته في أذهان جمهوره. وكانت في معظم الأحيان تبدو صعبة على الذائقة الراهنة لأن قارئ درويش كان، وما يزال بدرجة كبيرة، مدمناً على النص الدرويشي الذي بين يديه، مؤمنا ومستمتعا وسعيدا به، الى درجة الخشية من الانتقال إلى سواه من النصوص الجديدة. والمفارقة أن درويش (إلى جانب موهبته الرفيعة، وطاقته الهائلة على التجدد، وذكاء إدراكه لطبيعة دوره في المشهد الشعري العربي، وحيوية ممارسته لهذا الدور، وعناده الشخصي، وإصراره على تطوير برنامجه الجمالي)، حظي بمساعدة كريمة من القارئ ذاته، لسبب مدهش هو أن ذلك القارئ كان في الآن ذاته رفيع الاستجابة، متأهبا على حذر، لا يتردد طويلاً قبل أن ينخرط في الطور الجديد من مسار درويش الشعري. ولقد تبدى هذا الوضع في القصائد الملحمية الطويلة بصفة خاصة، حيث كانت هذه تكتسب بُعداً أيقونياً يسري على القصيدة التي بين يدي القارئ، والقصيدة (ذاتها) وهي تمهد لخيارات شعرية قادمة في قصيدة جديدة. فعلى سبيل المثال اكتسبت قصيدة »سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا« (1972)، وظيفتها الأيقونية في شخص سرحان بشارة سرحان قاتل روبرت كنيدي، واستقرت هكذا في الذائقة. وحين كتب درويش قصيدة »أحمد الزعتر« (1977)، ظلت هذه القصيدة تتماهى في وعي القارئ مع »سرحان...« قبل أن تكتسب وظيفتها بدورها، وتتحول إلى أيقونة بالنسبة الى قصيدة »مديح الظل العالمي« (1983)، وهذه بالنسبة الى »قصيدة بيروت« (1983)، وهكذا... وصولا الى قصيدة »أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي« (1992)، التي استكملت فصلاً جديداً ودراماتيكياً في مسار الشاعر النبي لأنها ببساطة تنبأت بالمنعطف الأخطر ربما في التاريخ الفلسطيني المعاصر، أي اتفاقية أوسلو. القصائد الأخرى، أي تلك التي لا تضغط فيها البرهة الوطنية على البرهة الجمالية في مشروع الشاعر، توفرت على الدوام، وأكثر بكثير من القصائد الأيقونية: »مزامير« و»تقاسيم على الماء« (1972)، معظم قصائد مجموعة »محاولة رقم 7« (1973)، »تلك صورتها وهذا انتحار العاشق« (1975)، »كان ما سوف يكون«، »قصيدة الأرض« (1977)، »سنة أخرى... فقط« (1983)... بعد ذلك أخذت المجموعات المستقلة تلعب الأدوار التي كانت تلعبها القصائد المستقلة في تطوير البرنامج الجمالي، عبر نقلات نوعية أسلوبية وموضوعاتية بين مجموعة وأخرى هذه المرة، وليس عبر تغليب البرنامج الجمالي بين قصيدة أيقونية وسواها من القصائد. هكذا كانت حال مجموعات »هي أغنية، هي أغنية« (1986)، »ورد أقل« (1986)، »أرى ما أريد« (1990)، »أحد عشر كوكبا« (1992)، و»لماذا تركت الحصان وحيدا« (1995). وهذه المجموعة دشنت طورا جديدا تماما في مشروع درويش الشعري، لأنه هذه المرة كرّس مجموعة بأسرها لموضوع محوري واحد هو كتابة السيرة، ولأنه أعطى فسحة سخية تماما (لعلها غير مسبوقة في شعره) لصعود ال»أنا«، »أنا« الفرد الشاعر في فسيفساء علاقتها بالذات والتاريخ والمكان والزمان، ووقوفها على قدم المساواة مع أو تفوقها أحيانا على التمثيل الإنساني والوطني للذات الجمعية. II روى صاحب »الأغاني« الحكاية التالية: »قلت لرجل من بني عامر: أتعرف المجنون وتروي من شعره شيئا؟ قال: أوقد فرغنا من شعر العقلاء حتى نروي أشعار المجانين! إنهم لكثير! فقلت: ليس هؤلاء أعني، إنما أعني مجنون بني عامر الشاعر الذي قتله العشق. فقال: هيهات! بنو عامر أغلظ أكباداً من ذلك، إنما يكون هذا في هذه اليمانية الضعاف قلوبها، السخيفة عقولها... فأما نزار فلا«! الفلسطينيون ليسوا أغلظ أكباداً بالطبع، ومحمود درويش ليس كذلك حتماً. ولكن قصائد الحب في »سرير الغريبة«(2) ليست من النوع الذي يتبادر سريعاً إلى الذهن عند الحديث عن قصيدة »غزل« أو »نسيب« أو »تشبيب«، ولا صلة تجمعها بتراث شعري أجاد قدامة بن جعفر اختصار صفاته هكذا: »ما كثرت فيه الأدلة على التهالك في الصبابة، وتظاهرت فيه الشواهد على إفراط الوجد واللوعة، وما كان فيه من التصابي والرقة أكثر مما يكون من المخشن والجلادة، ومن الخشوع والذلة أكثر مما يكون فيه من الإباء والعز، وأن يكون جماع الأمر فيه ما ضاد التحافظ والعزيمة، ووافق الانحلال والرخاوة. ليس في قصائد »سرير الغريبة« صبابة أو وجد أو لوعة أو خشوع أو انحلال أو رخاوة، ولكن ليس فيها عكس هذه الصفات أيضا: خشونة أو جلادة أو إباء أو عز أو تحافظ أو عزيمة. ولعل من الإنصاف القول إن معظم قصائد الحب التي كتبها محمود درويش كانت مختلفة دائما، ليس فقط لأن جماليات محمود درويش كانت وما تزال مختلفة (وهذا هو السبب الفني والجوهري)، بل أيضا لأن موقع الشاعر الناطق باسم الوجدان الجمعي للأمة كان وما يزال يمارس ضغوطاً هائلة على أي وجميع القصائد التي لا تنضوي مباشرة في الموضوعات الوطنية (وهذا هو السبب السوسيولوجي). وباستثناء حفنة من قصائد الحب في مجموعة »عاشق من فلسطين« (1966)، حيث الحبيبة »فلسطينية العينين والوشم/ فلسطينية الاسم/ فلسطينية الأحلام والهم/ فلسطينية المنديل والقدمين والجسم/ فلسطينية الكلمات والصمتِ/ فلسطينية الصوتِ/ فلسطينية الميلاد والموت«، فإن القصائد سارت عكس أعراف الغزل العربي، فكان السبق فيها لوطأة التاريخ قبل وطأة الوجدان، وكان فيها من النفي والغربة والغرباء أكثر مما فيها من الاستيطان والفيء واللقاء. وليس بغير دلالة خاصة أن درويش يفتتح مجموعته الثانية »أوراق الزيتون« (1964)، وهي الأولى في ترتيب أعماله الشعرية الكاملة لأنه حذف مجموعة »عصافير بلا أجنحة« الصادرة في عكا سنة 1960، باعتذار من القارئ يقول: »بايعت أحزاني../ وصافحت التشرد والسغب/ غضب يدي../ غضب فمي../ ودماء أوردتي عصير من غضب!/ يا قارئي!/ لا ترجُ مني الهمس!/ لا ترجُ الطرب«. كذلك فإن أولى قصائد درويش في موضوعة »الغزل«، وهي التي يتضح فيها تأثره بالشاعر الراحل نزار قباني، قصيدة بعنوان »الموعد الأول«... تصف موعدا غراميا لم يكتمل! ومبكراً منذ هذه المجموعة، وتحديدا في القصيدة التي تحمل اسم »أجمل حب« وتبدأ بالسطور الشهيرة: »كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة/ وُجدنا غريبين يوماً...«، تطل موضوعة الغريب والغريبة، هذه التي سوف تهيمن على تسعة أعشار قصائد الحب في نتاج محمود درويش اللاحق. آنذاك كانت قصيدة الحب تتطور ضمن المنطق الداخلي العريض لتطور مشروع درويش الشعري، وكانت تساهم في صناعة الخصائص العريضة التي ستميز شعر درويش عن أقرانه من شعراء الأرض المحتلة: غزارة إنتاجه (أصدر في الداخل الفسطيني خمس مجموعات شعرية بين 1960 و1971)، والأفق الإنساني الأرحب لموضوعات قصائده، وحسن توظيفه للأسطورة والرموز الحضارية، وبراعته في أسطرة الحدث اليومي والارتقاء به إلى مستوى ملحمي في الآن ذاته، ورهافة ترميزه للمرأة بالأرض، ومزجه بين الرومانسية الغنائية والتبشير الثوري وسلاسة خياراته الموسيقية والإيقاعية، وحرارة قاموسه اللغوي، وميله إجمالاً الى الصورة الحسية بدل الذهنية. آنذاك أيضا كانت قصيدة الحب أكثر من مجرد »غرض« شعري، لأنها في الواقع حملت عبء تمثيل الجانب الذاتي شبه الوحيد من المحتوى الإنساني لفعل المقاومة. وأما بعد خروج درويش من الأرض المحتلة فقد واصلت قصيدة الحب أداء هذا الدور التمثيلي، ولكنها من جانب ثان وفرت للشاعر هامشا ثمينا لممارسة نوع آخر من المقاومة: المقاومة الجمالية في حروب الشد والجذب بينه وبين قارئه، بحيث تحولت قصيدة الحب إلى أوالية دفاع عن البرناج الجمالي بين قصيدة أيقونية وأخرى، وليس بغير دلالة هامة هنا أيضا ان اسم أول مجموعة شعرية يكتبها درويش خارج الأرض المحتلة كان »أحبك، أو لا أحبك« (1972)، وأن هذه العبارة تفتتح قصيدة »مزامير«، وهي أول (وحتى تاريخه: آخر!) قصيدة جرب فيها درويش المراوحة بين التفعيلة وقصيدة النثر، وأن القصيدة الأيقونية »سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا« هي التي تختتم المجموعة. هذه الأوالية الدفاعية تشمل عشرات قصائد الحب التي كتبها درويش بعدئذ، بدءاً من »كأني أحبك«، »النهر غريب وأنت حبيبي«، »بين حلمي وبين اسمه كان موتي بطيئا«، »موت آخر.. وأحبك« (من مجموعة »محاولة رقم 7«)؛ مرورا بالقصيدة الطويلة »تلك صورتها وهذا انتحار العاشق« (1975)؛ وانتهاءً بقصيدة »هيلين، يا له من مطر« في مجموعة »لماذا تركتَ الحصان وحيدا«، التي خرجت عن عادات درويش الشعرية في أن قصائدها كُرست لموضوعة واحدة هي كتابة السيرة. و»سرير الغريبة« هي المناسبة الثانية لخروج درويش عن عاداته، لأن قصائدها مكرّسة بدورها لموضوعة واحدة في قصيدة الحب. لماذا هذا »الغرض« الشعري بالذات؟ لماذا الآن؟ وما الذي يجعل قصيدة الحب كما يقترحها درويش في هذه المجموعة حالة فريدة غير مسبوقة في تراث الغزل العربي القديم والحديث؟ قارئ قصائد المجموعة ليس بحاجة الى مرجعية تأويلية تهديه سواء السبيل في الوصول إلى إجابات شافية عن هذه الأسئلة، والأرجح أنه لن يتعب كثيرا قبل أن تزوده القصائد بإجابات كافية، بل ان القارئ في سياق عثوره على إجابات متعددة للسؤال الواحد سوف يكتشف انه إنما يستولد أسئلة أخرى من وحي تلك الإجابات، الأمر الذي يعيدنا الى مفارقة العلاقة الحيوية بين درويش وجمهوره. من جانبي أميل الى القول إن محمود درويش لا يبدو كمن قد قرر كتابة قصيدة عشق طليقة منسرحة متخففة إلا من أثقال القلب، ولن نعثر في »سرير الغريبة« على مصارع العشاق وأطوار العشق كما ألفناها، وما من غزل أو نسيب أو صبابة أو جوى. وإذ يبدو الشاعر بعيدا عن تعريف قدامة بن جعفر لقصيدة الغزل (وهو التعريف الذي يجيد تشخيص معظم تقاليد الغزل العربي، قديمها وحديثها في الواقع)، فإنه في الآن ذاته قريب تماما من مفهوم فريد في الحب اقترحه تراث عربي آخر تناول فلسفة العشق والعشاق، على لسان ابن حزم الأندلسي هذه المرة. وصاحب »طوق الحمامة« يقو في معرض ماهية الحب: »وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات، إنما هو الاتصال والانفصال، والشكل دأبا يستدعي شكله، والمثل الى مثله ساكن، وللمجانسة عمل محسوس وتأثير مشاهد والتنافر في الأضداد والموافقة في الأنداد والنزاع في ما تشابه موجود في ما بيننا، فكيف بالنفس وعالمها العالم الصافي الخفيف، وجوهرها الجوهر الصعّاد المعتدل، وسِنخها (أصلها) المهيأ لقبول الاتفاق والميل والتوق والانحراف والشهوة والنفار«. ومنذ السطور الأولى في »سرير الغريبة« يعلن محمود درويش: »لنذهب كما نحن/ سيدة حرة/ وصديقاً وفياً،/ لنذهب معاً في طريقين مختلفين/ لنذهب كما نحن متْحدَيْن/ ومنفصلَيْن«. »كان ينقصنا حاضر« يقول العاشق للعاشقة، ويردف: »عما قليل يكون لنا حاضر آخر/ إن نظرتِ وراءك لن تبصري/ غير منفى وراءك«. مواعيد العشق مشروعات منافٍ قادمة، والعاشقان يشهدان خاتمة الحرب بين أثينا وجاراتها، وحفلة السلم بين روما وقرطاج، وعما قليل يعودان إلى غد واقع خلفهما، إلى بابل التي جاءا منها، فيسأل العاشق: »هل أنا أنتِ أخرى/ وأنتِ أنا آخر«؟ ثم يقول: فعمّا قليل ستنتقل الطير من زمن نحو آخر، هل كان هذا الطريق هباءً على شكل معنى، وسار بنا سفراً عابراً بين أسطورتين فلا بدّ منه، ولا بدّ منّا غريباً يرى نفسه في مرايا غريبته؟ III منذ السطور الأولى، إذاً، تهيمن موضوعة الغريب/ الغريبة على برهة العشق، ويلقي التاريخ ظلال علاقاته على علاقة الحاضر بنقصان الحاضر، وعلى دائرة من »التنافر في الأضداد والموافقة في الأنداد والنزاع في ما تشابه. ومنذ السطور الأولى يتضح أن قصيدة درويش لن تقارب موضوعة الحب إلا من موقع ملحمي يتيح للتاريخ أن يمارس حضوره الطاغي، الضاغط على برهة العشق في سياق ضغطه على برهة الهوية. هنا حفنة من الإشارات المتفرقة، المنتزعة من قصائد المجموعة، والتي تسير على منوال ملحمي يندر أن نعثر عليه في قصائد الحب المعتادة: لا حلول ثقافية لهموم وجودية لا حلول جماعية لهواجس شخصية عمّا قليل سيمتصكَ البحر، فامشِ الهوينى إلى موتك الاختياري هل تذهبين معي، أم تسيرين وحدك، في اسمكِ منفىً يكلّل منفىً بلألائِه؟ وهنا لي حياتي على قدر خبزي، وأسئلتي عن مصيرٍ يعذبه حاضرٌ عابرٌ، وغدٌ فوضويٌ جميلُ ليل ينثُّ غموضاً مضيئاً على لغتي، كلما اتضح ازددتُ خوفاً من الغد في قبضة اليد لا اسم لنا يا غريبة، عند وقوع الغريب على نفسه في الغريبة مَن يقول لي الآن: دعكَ من الأمس، واحلمْ بكامل لاوعيك الحرّ وجلست وحريتي صامتَيْن نحدّق في ليلنا. مَن أنا؟ مَن أنا بعد ليلك، ليل الشتاء الأخير؟ مساءً، على نمش الضوء ما بين نهديك، يقترب الأمس والغدُ مني كنّا غريبين في بلدين بعيدين قبل قليل، فماذا أكون غداةَ غد عندما أصبحُ اثنين؟ ماذا صنعتَ بحريتي؟ كلما ازداد خوفي منكَ اندفعتُ إليك، ولا فضل لي يا حبيبي الغريب سوى ولعي قُلْ إننا/ طائران غريبان في أرض مصرَ وفي الشام. قُلْ إننا طائران غريبان في ريشنا فاذهب كما تذهب الذكريات إلى بئرها الأبدية، لن تجد السومريةَ حاملة جرّةً للصدى في انتظارك واذهب إلى أيّ شرقٍ وغربٍ يزيدك منفى، ويبعدني خطوة عن سريري وإحدى سماوات نفسي الحزينةِ، إن النهاية أخت البداية وماذا سنفعلُ؟ ماذا/ سنفعل/ من/ دون/ منفى؟ كيف يكتب محمود درويش قصيدة حب من دون منفى؟ وكيف لا تكون ساحة الحب هي حلبة التصارع بين الحرية والضرورة؟ وكيف لا يكون لقاء العشاق صراعا من أجل تجزئة الكل الراهن، بهدف استعادة الكل الضائع؟ وكيف يمكن لقصيدة حب تحمل كل هذه الهموم أن تظل قصيدة حب مألوفة؟ والحال أن تجسيد هذه الأسئلة بالذات في هيئة عشرات الحلول الفنية لكتابة قصيدة الحب الملحمية هو الاقتراح الأكبر في »سرير الغريبة«، وهو المحطة الأحدث في المقاربة الملحمية الغنائية التي أخذت تتطور وتتنامى وتغاير منذ مطلع السبعينيات، ويتضح اليوم أنها جوهر مشروع شعري مديد لا يكف محمود درويش عن مباغتتنا بتنويعاته الثرية المدهشة، في الموضوعة والشكل وجماليات الأسلوب. موضوعة ثانية في قصائد »سرير الغريبة« هي تغريب حالة الحب ذاتها، وإعادة تقديمها في أنماط وسياقات وأطوار تتولى بدورها تغريب مدركاتنا الخام عن حالات في العشق كنا نظن اننا نعرفها ولا نحتاج بالتالي إلى التنقيب في مكوناتها، أو على الأقل لا نحتاج إلى تنقيب يتطلب إحالات الى ما هو خارج موقف العشق ذاته: التاريخ، الحياة، تفاصيل اليومي والعادي والمجاني. »هناك حب يسير على قدميه الحريريتَيْن/ سعيداً بغربته في الشوارع«، يقول درويش. »حب صغير فقير يبلله مطر عابر/ فيفيض على العابرين«. »حب فقير يحدّق في النهر/ مستسلماً للتداعي«. »حب فقير ومن طرف واحد/ هادئٌ هادئٌ«. »حب فقير، ومن طرفين/ يقلّل من عدد اليائسين«. »حب يمر بنا،/ دون أن ننتبه،/ فلا هو يدري ولا نحن ندري«. »حب فقير، يطيل/ التأمل في العابرين، ويختار/ أصغرهم قمراً«. وإذ يواصل درويش كتابة قصيدة حب ملحمية، فإنه يقول التالي في وصف الحب: .. لا أحدٌ يستطيع الرجوعَ إلى أحدٍ، تصنع الأبديةُ أشغالها اليدوية من عمرنا وتُعمّرُ... فليكنِ الحبُّ ضرباً من الغيب، وليكنِ الغيبُ ضرباً من الحبّ. إنّي عجبتُ لمن يعرف الحبّ كيف يحبّ! وعاشق درويش يسأل جميل بثينة: »هل تشرح الحب لي، يا جميل،/ لأحفظه فكرة فكرة«، فيرد جميل: »أعرَفُ الناس بالحب أكثرهم حيرةً،/ فاحترقْ، لا لتعرف نفسكَ، لكن/ لتشعل ليل بثينة...«. كذلك يتعلم أن العاشق مخلوق على صورة العاشقة، وأن كتابة شعر العشق ضرب من ضروب العشق: »أي زمان تريدين، أي زمان/ لأصبح شاعره، هكذا: كلما/ مضت امرأة في المساء إلى سرّها/ وجدتْ شاعراً سائراً في هواجسها/ كلما غاص في نفسه شاعر/ وجد امرأة تتعرى أمام قصيدته...«. ومن مجنون ليلى يستعير عاشق درويش قناعاً يجعله آخر ذاته، فيهتف: »أنا قيس ليلى، أنا/ وأنا... لا أحد«. ومن التراث الإيروسي الهندي يتلقى العاشق درسا في آداب انتظار الحبيب: »بصبر الحصان المعد لمنحدرات الجبال/ انتظرها/ بذوق الأمير الرفيع البديع/ انتظرها/ بسبع وسائد محشوة بالسحاب الخفيف/ انتظرها«. هو حوار أولا، وتقاطع أزمنة ومفاهيم وهواجس وجدانية ووجودية ثانيا، وهو ثالثا محاولات تعلم واقتداء وتناقل... فالعاشقون رفاق كما قالت العرب! موضوعة ثالثة هي الحوار المتكافئ الذي تديره قصائد »سرير الغريبة« بين الذكر والأنثى. وثمة سبع قصائد تسير على لسان ضمير المتكلم المؤنث، ضمير العاشقة وليس العاشق، فتعكس بذلك رؤية الأنثى لا رؤية الذكر. هذه واحده من أكثر موضوعات المجموعة نبلاً وتعددية وديموقراطية، لأن درويش لا يكتفي بالمحتوى الملحمي التاريخي (وهو أيضا محتوى وجودي وفلسفي) لإشكالية اللقاء والتضاد بين العاشق الغريب/ العاشقة الغريبة، بل يذهب بهذا المحتوى الجدلي الى مستوى »التغريب« تحديدا: تغريب المألوف بحيث يمتلك فرصته في التعبير عن غرابته، وتطوير هذه الغرابة الجديدة بحيث تطلق كل ما في الغريب الوافد من ثراء يميزه عن المألوف المقيم، وفي قصيدة بعنوان »لا أقلّ، ولا أكثر« تقول الأنثى: أنا امرأة. لا أقلّ ولا أكثرَ (...) أنا مَن أنا، مثلما أنتَ مَنْ أنتَ تسكن فيّ وأسكنُ فيكَ إليكَ ولَكْ أحبّ الوضوح الضروري في لغزنا المشتركْ أنا لكَ حين أفيضُ عن الليل لكنني لست أرضاً ولا سفراً أنا امرأة، لا أقلّ ولا أكثرَ وجه آخر للتعددية في هذه القصائد السبع تمثله المواقف المفتوحة التي قد تتخذها الأنثى (كأن تغزل الصوف لكي تلبسه لا لكي تكمل قصة هوميروس، أو تحن إلى سوسن آخر غير ذاك الذي خلف جبال مؤاب، أو تتخيل أن عاشقها قال لها إنها نخلة حامل، أو تطلب منه أن يحك ظهرها ويفك على مهل جدائل شعرها، أو تقتبس ريتسوس فترى »في عروق الرخام حليب الكلام الإباحي يجري ويصرخ بالشعراء اكتبوني«، أو تهتف ببساطة: يا ليتني لم أحبك!)، أو تلك المواقف التي قد يتخذها الذكر (كأن يكون قيس الحنين، وأن يقول لها ما قال آدم في سره، وأن يعرب عن رغبته في الرجوع إلى ليل منفاه أو تين بيته، أو يذهب إلى أي شرق وغرب يزيده منفى، أو يرفض الموت حباً...). ومواقف التعددية بين العاشق والعاشقة تتضمن تفاصيل تأخذ هيئة مادة المعنى في القصائد، وقد تبدأ من الترنيمة والتنويمة وأغنية الزفاف، وقد لا تنتهي عند التدبير المنزلي والانتظار والجفاف. ومحمود درويش حريص (وحاذق تماما!) في التشديد على وظيفية هذه التفاصيل، لأنه يبرزها في عناوين القصائد، ويعيد التذكير بها حين يضعها في شبكات من التكرار والتركيب والإحالة المتغايرة، حتى ليبدو أحياناً أنها تستأثر بحركة المعنى في القصيدة بأسرها. وحوارات العاشق والعاشقة لا تستمد مادتها من مصارع العشق بل من مصارع التاريخ، ومصارع الآدمي في التاريخ على وجه الدقة. والحال أن محمود درويش لا يستطيع الاستغناء عن هذه الاستراتيجية إذا شاء للتمثيل الملحمي أن يتدخل في أي حوار بين عاشقين، ولكنه في الآن ذاته لا يركن الى استراتيجية واحدة أو يموّه اللجوء الى الاستراتيجية ذاتها تحت هذه أو تلك من حلول الإحالة الى التاريخ (المكان، الأسطورة، الاقتباس). إنه يفرد لكل حوار إحالة، ويطلق كل إحالة في حقل فسيح من فرص ملاقاة التاريخ. ولا يتوهمنّ أحد أن فلسطين غائبة عن مشهدية »سرير الغريبة« بدلالة غيابها عن حقول التسمية(3)، بل هي حاضرة على النحو الإحالي الذكي الذي أراده محمود درويش هذه المرة: ثمة جلعاد وسدوم ومؤاب وأريحا، وثمة نشيد الإنشاد ومريم والمسيح والأناجيل، الى جانب سومر وبابل ومصر والشام وبغداد والأندلس وسمرقند! IV صدور مجموعة شعرية جديدة من محمود درويش مناسبة غير عادية ترتب على النقد العربي مسؤوليات تحليلية غير عادية، أو هذه هي قناعتي على الأقل. وهكذا كان لا بد من أن يضيق حجم هذه المقالة الأولى عن مناقشة الشطر الثاني من واجبات دراسة المجموعة، وأعني تلمس جمالياتها الفنية الجديدة التي تشكل نقلة إضافية كبرى في مشروع درويش الشعري الشخصي من جهة، وبالنسبة إلى مشهدية الشعر العربي المعاصر من جهة ثانية، وفي مقالة لاحقة أرجو أن أتوقف (مطولاً أيضاً!) عند المسائل التالية: تركيب المجموعة، والمنطق الداخلي الذي يحكم توزيع قصائدها. استخدام درويش تفعيلة واحدة على امتداد المجموعة، الأمر الذي يقرّب الفجوة بين خيار التفعيلة وخيار النثر في الكتابة الشعرية، ولعله يطرح للمرة الأولى صيغة وسيطة أقرب إلى »النثر التفعيلي« إذا صح القول. انعكاس هذا الخيار الأخير على اللغة الشعرية وهندسة الصورة. استخدام شكل ال»سونيت« Sonnet في ست قصائد(4)، وما يعنيه هذا الخيار، وأي أدوار يؤديها لجهة الشكل والمحتوى، وكيف تحققت هذه الأدوار فنيا، ولماذا لجأ درويش الى ال»سونيت« على هذا النطاق الواسع، وأي مصائر ننتظرها من هذا الشكل الغربي الكلاسيكي قياساً على تجارب الشكل في الشعر العربي المعاصر. الديناميات التنويعية في تحقيق القافية، ليس فقط لجهة تجريب أنماط جديدة من التقفية الداخلية (الأمر الذي مارسه درويش مسبقا، مرارا)، بل أيضا لجهة »التقفية الطويلة« وهندسة القافية الواحدة التي تربط بين مقاطع طويلة تتراوح أحيانا بين خماسية وخماسية أو بين قصيدة وأخرى أحيانا، فضلا عن ألعاب »التقفية الخفية« حيث يتيح التحريك المفتوح لأواخر الكلمات فرصة متكافئة في »إضمار« القافية أو »إشهارها«. خفوت الصوت الغنائي، وذلك على النقيض من الافتراض الطبيعي الذي يقول إن الطاقة العاطفية الهائلة في قصيدة الحب كفيلة بالتحريض على ارتفاع الصوت الغنائي. موقع المجموعة في البرنامج الجمالي العريض الذي يشتغل درويش على تطويره منذ سنوات طويلة. هوامش (1) من قصيدة »تقاسيم على الماء«، مجموعة »أحبكِ أو لا أحبكِ« 1972. (2) دار رياض الريس للكتب والنشر بيروت 1999، 150 صفحة. (3) هذا، على سبيل المثال، رأي الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير: »غياب الإشارة المباشرة الى المادة الفلسطينية في شعر محمود درويش هو أحد المؤشرات المهمة والملامح الأساسية في هذا الديوان، وهو بحد ذاته جرأة وتحدٍّ لهما دلالاتهما الكبيرة لمن كان يقول إن درويش شاعر فلسطيني وحسب«. صحيفة »الحياة«، 17/1/1999. (4) في فقرة سابقة من المقالة ذاتها يخطئ عبد الأمير في قراءة قصائد درويش الست التي تحمل اسم »سوناتا«، ظاناً أنها السوناتا الموسيقية دون سواها، ومعتبراً بالتالي انها دليل على حفاوة عالية بالإيقاع والوزن: »هناك ست قصائد تحمل عنوان »سوناتا« وهو يسميها بالمفردة الأجنبية »الغريبة« أيضا وهذا الاختيار مقصود تماماً لأن السوناتا هي إيقاع فقط، مجرد موسيقى وليست أغنية أو نشيداً محملاً بالكلمات والمعاني. إنه عزف منفرد بالتعبير الموسيقي الجديد، ارتجال موسيقي كما يقال في علم الموسيقى... نحن نعرف انه لا توجد سيمفونية في الموسيقى العربية ولا سوناتا لأنها ترتكز بشكل كبير على الأداء الصوتي، ودرويش يحاول سيمفونيته العربية شعراً«. والحال أن »السوناتا« هذه ليست السوناتا الموسيقية بل ال»سونيت« Sonnet، وهي كما هو معروف شكل شعري إيطالي الأصل يتألف من 14 سطرا شعريا تنقسم إلى عدد متغاير من المقاطع وأنظمة التقفية. وكان بترارك (1304 74) وسبنسر (1552 99) وشكسبير (1564 1616)، فضلاً عن مئات الشعراء على مرّ العصور، قد استخدموا هذا الشكل في كتابة قصائد الحب بصفة خاصة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة