الجنوب في الرواية اللبنانية أرض المهد وأرض الخروج *** ما يمكن إنجازه، في هذا الحديث، تقديم معرفة غير شاملة او متقصيّة، بموقع الجنوب في الرواية اللبنانية ودوره لأن الشمول والتقصي يستلزم أبحاثا مفصلة. في عام 1969 أصدرت بلقيس حوماني رواية »حي اللجى«، وتروي فيها سيرة أسرة جنوبية تغادر قريتها في أعقاب الحرب العالمية الاولى لتقطن في حي اللجى المتفرّع من منطقة المصيطبة. والحي مجموعة أزقة ضيقة، بيوتها متواضعة يسكنها الجنوبيون المهاجرون من قراهم ليعملوا في المدينة... فالرواية تحكي سيرة المكان الشعبي في العاصمة بيروت، وهذا المكان هو امتداد للمكان القروي في القرية الجنوبية. هو القرية الجنوبية في المدينة العاصمة. في هذا الفضاء تتطور شخصية فطّوم، وهي شخصية متمردة صبورة في الوقت نفسه، قادرة على النجاح. لكن مقتلها يكمن في التسلط... الذي تتمكن في النهاية من تجاوزه. ولعل شخصية المتسلط كامنة في داخل اي فرد، وتتمثل لدى تسلم السلطة، أي سلطة. يمثل نمو شخصية فطوم نمو شخصية امرأة مقاومة قدمت من الجنوب وقطنت في بيروت لتقدم للوطن أسرة ناجحة.. وقد كافحت/ قاومت لتجد مكانا لها في وطنها... غير انها في النهاية تعود الى قريتها بعد ان قبضت تعويض الغرفة التي كانت تسكنها وتتهيأ للسفر الى الحج.. في إشارة الى البحث عن مكان في الدار الآخرة وترك النهاية مفتوحة أمام الأبناء الذين نجد نموذجا عنهم في روايتين: أولاهما طواحين بيروت وثانيتهما حكاية زهرة. عواد في عام 1972، أصدر توفيق يوسف عواد رواية »طواحين بيروت«. تمثل تميمة الشخصية الرئيسية في الرواية، وهي فتاة متمردة تقرر ان تخرج من قريتها »المهدية«، والمهدية كما تقدمها الرواية قرية جنوبية قريبة من مدينة صور، تقرر ان تخرج الى مدينة بيروت لتعيش حياتها كما تريد، وتبدو قريتها، من منظورها، قنّا وقبرا للأيام ينبغي الخروج، منه وعليه، على الرغم من تحذير أمها وتهديد أخيها لها بالذبح. تقول لأمها: (أنا لن أقضي حياتي في هذا القن إكراما لك ولابنك). تنتظم القرية/ المهدية في الفضاء الروائي لهذه الرواية، وهو فضاء يشمل مختلف المناطق اللبنانية، ويتبين ان أبناء هذه المناطق جميعهم يغادرون قراهم اما الى ديار الهجرة في أفريقيا والدول العربية النفطية او الى بيروت.. لكن تميمة التي خرقت الممنوع لم تجد المكان الذي يتيح لها »ان تكون حياتها لها«، فتلتحق بالمقاومة الفلسطينية التي بدا واضحا في الرواية ان لها وجهين: شبّيحة ومقاومين أنقياء.. وتنطق الرواية في النهاية بدلالة مفادها ان في بيروت طواحين كثيرة ولكن ليس من طحين، ليس من تحقق وانما جعجعة فحسب. في حكاية زهرة لحنان الشيخ تمثّل زهرة الشخصية الرئيسية، وهي ابنة أسرة جنوبية من النبطية الفوقا تقيم في بيروت. ولنقل انها تمثل، كما تميمة، الجيل الذي ربته فطوم في المدينة. لكن أمور هذه الأسرة مختلفة تماما. فكل من فطوم وأم تميمة امرأة مكافحة وان كانت الأولى ذات شخصية قوية متمردة والثانية مسالمة، وكل منهما تخبّئ قرشها تحت البلاطة، وتصرفه في الوقت المناسب اما أم زهرة فامرأة تخرج مع »رجلها« بصحبة ابنتها زهرة الطفلة الى أماكن كثيرة، ما يمثّل ثابتا من الخوف الزيف.. يحكم تصرفات الابنة، وهي مختلفة عن تميمة، فصحيح انها تريد ان تكون لنفسها وان يكون لها جسدها وان تكون لها مسافتها... وانها خُدعت بمازن كما خدعت تميمة برمزي رعد، لكنها تختار الخداع في حين اختارت تميمة المواجهة والصدق، وتسافر الى أفريقيا لتداري الفضيحة، وهناك تلتقي خالها القومي السوري الذي أخفق مشروعه وماجد الذي أصبح زوجها، والباحث عن غنى يعيد له انسانيته، وتخفق في ان تكون امرأة عادية، فتطلّق وتعود الى بيروت. في طواحين بيروت إشارة تستشرف قيام الحرب، وفي القسم الاول من حكاية زهرة يخفق الجميع، ما يمثل إشارة تستشرف خروجا جماعيا الى الحرب، وتقع الحرب وتعود زهرة الى قريتها ثم تغادرها الى المدينة لتقيم علاقة مع قناص الحي الذي يرديها. القرية الوطن ويبدو ان الكاتبة لا تعرف الواقع الجنوبي الذي تروي حكايته، او لعلها أرادت لزهرة ان ترفض القرية وتعود الى بيروت، فلوت عنق الاحداث وعنق الواقع. فزهرة تعود الى بيروت لأن بيوت قريتها غير حقيقية ولا يسكن فيها أحد، ولأن أبناءها وأبناء القرى المجاورة فتحوا الحدود مع الغول إسرائيل وباعوا تبغهم، وهي ترفض هذا.. والواقع التاريخي يفيد ان هذا لم يحدث، والرواية ان لم تكن تاريخا حقيقيا، وانما بناء لغوي متخيّل فالمفترض ألا تكون تاريخا مزورا، وبخاصة في قضية على هذا المستوى. علاوة على ان زهرة، الشخصية الروائية، لم تكن لديها اية اهتمامات وطنية فعندما كان يحدثها خالها عن الوطن كانت تهرب الى الحمام... وهذا يعني ان المؤلفة تكتب حكاية قرية لا تعرفها، وتلوي عنق الحدث التاريخ لينسجم وفرضيتها. أمكنة متعارضة وان بدت مهدية طواحين بيروت قنا من منظور تميمة والنبطية الفوقا في حكاية زهرة مجموعة بيوت غير حقيقية يفتح أبناؤها الحدود مع الغول اسرائيل من منظور زهرة، فان جورة السنديان، وهي احدى قرى العرقوب الكفير كما نقدر، في الإقلاع عكس الزمن لاميلي نصر الله، تبدو من منظور القروي رضوان يوسف، أبي نبيل، الشخصية الرئيسية في الرواية، الفردوس الذي حقق فيه ذاته، وتتشكل في الروية ثنائية تضاد بين القرية الوطن من ناحية والمدينة الغربة من ناحية ثانية، ففي المكان الأول يجد الانسان مكانه محفوظا أليفا، ويسعى فيه بوصفه سيّده، ويحقق مكانة يعجز الموت أحيانا عن القضاء عليها، فيبقى كبيرا. وفي المكان الثاني يشعر بالصقيع والغربة والعجز عن التعامل مع الظواهر والأشياء ويهيمن المكان عليه، ويكون فيه أصغر من نملة.. ولهذا يرتد رضوان وهو في كندا بين أبنائه، وفي عز الحرب، الى »الجورة« المكان الاول بوصفه الحضن الدافئ الأمين، ثم يقرر العودة اليه، وان أدى به ذلك الى القتل، ففي هذه الحالة يكون مكانه في الصدور محفوظا، فيستريح في ذلك المكان وينعم بالنوم الهنيء في حضن أشبه بحضن الأم. الى القرية الأم يعود أبو نبيل فيقتله مسلحو إحدى الميليشيات ويحرّك مقتله الناس، وتقام له جنازة حاشدة تظهر موقف الناس الحقيقي من الحرب وأمرائها. لم تحب تميمة المهدية الا عندما قصفتها الطائرات الاسرائيلية، وشعرت ان الجرح الذي خلّفه في وجهها اعتداء القموعي عليها شبيه بدمار بيوت المهدية، ويرى أبو نبيل ان قصف اسرائيل لبيوت الجورة يدمّر الفردوس الارضي... فالكيان الصهيوني، المعادي بطبيعته لنماء الوطن العربي، هو الذي يدمّر الحضن الملاذ ويقضي على النماء، هذا من دون ان نغفل دور العوامل الداخلية التي أفضت متداخلة بعوامل اخرى كثيرة الى قيام الحرب اللبنانية. من هذا الواقع نبتت مقاومة القوة الهمجية العاملة على تدمير الحضن الملاذ الذي يتيح للانسان مكان وجوده وتحققه... تحكي روايتا جسر الحجر لليلى عسيران، ودرب الجنوب لعوض شعبان، حكاية هذه المقاومة. وان تكن تميمة، في طواحين بيروت التي استشرفت قيام الحرب، قد التحقت بصفوف المقاومة الفلسطينية بوصفها القوة التي تتيح لها ان تحيا حياتها كما تريد، فان رضا وقاسم في جسر الحجر لليلى عسيران يمضيان في الطريق نفسها، فهما من قرية جنوبية مؤيدة للمقاومة يلتحقان بالمقاومة الفلسطينية، ويشتركان في الحرب، ويسقط قاسم في هوة في عيون السيمان، ويصاب رضا، بعد ان يتبين له خطأ الطريق، ويرى »جسر الحجر« الذي تقيمه الطبيعة لتصل بين ما انفصل من تضاريسها، وإذ يخرج من المستشفى يبحث عن الطريق في أماكن عالمه، وتنتظم أماكن هذه الرواية في ثلاث دوائر: بيروت وعيون السيمان والجنوب. وتنشأ بينها علاقات فتمثل الدائرتان الاولى بيروت وهي ساحة الحرب والثالثة الجنوب وهي ساحة المقاومة ثنائية تضاد حرب داخلية مقاومة عدو محتل. وتكشف الدائرة الثانية عيون السيمان وهي مساحة الاصابة والهوة المستحضرة من الذاكرة جسر الحجر الطبيعي الذي يتمثل في ما بعد في مقاومة العدو الحقيقي على أرض الجنوب التي تعبق برائحة تغطي بشاعة الحرب، فتكون هذه الدائرة دائرة الكشف: كشف الهوية وجسر الولادة. الأرض يكتشف رضا ان السير في الطريق الخطأ أوصله او أوصل الوطن الى أحد مكانين: المستنقع او الهوة، فعاش في اللامكان واللازمان آونة، هبّ ليشترك في مقاومة العدو الحقيقي بعدما تبين له ان هذه المقاومة تمثّل الجسر الموصل الى قيامة الوطن وخلاصه... في درب هذا الجسر درب الجنوب مضى حسين علي حيدر ثم أخوه يوسف في درب الجنوب كما ترسمه الرواية التي تحمل الاسم نفسه. تدور أحداث رواية »درب الجنوب« في قرية »بيت الحمام« الجنوبية الحدودية وقرى وبلدات اخرى مجاورة لها، منها »عش النسر« بلدة البيك، وفي مدينة بيروت وفي قاعدة ينطلق منها المقاومون الى قتال العدو في الارض المحتلة. تشير تسمية »بيت الحمام« الى طبيعة هذه القرية المسالمة وتقابلها دلالة بلدة البيك »عش النسر« التي تشير الى السطوة والبطش والافتراس، فتمثّل ثنائية تضاد تشير الى صراع قائم بين هذين المكانين، فالنسر لا ينفك بطبيعته عن مطاردة الحمام، ولكن هل تنشأ للحمام مخالب تقاوم النسر؟ هذا هو السؤال. يمثّل الحقل/ الارض بعامة الدائرة المحور في هذه الرواية. يعمل الفلاح فيها مصاحبا الشمس التي تمثل دورة الحياة على هذه الارض... ويمثل البيت الحضن الذي يقدم الراحة والغبطة وتنبت فيه الدروب، وهي متشعبة في هذه الرواية، فالأب يحاول تفادي المواجهة في صراع قائم بين الحمام الفلاح والنسر المختار والبيك والسلطة ثم العدو المحتل، ويوسف الابن الكبير يمضي مترددا في طريق يمر ببيت المختار و»عش النسر«، ويكتشف أنهما يقودان الى سراب، فيلتحق بالطريق الذي اختاره أخوه حسين، وهو درب الجنوب المقاوم، بعد ان يمر بالتجربة التي تذكّر بجسر الحجر في رواية ليلى عسيران. يبقى محور الصراع امتلاك الارض التي احتلها العدو بالتعاون مع عملائه، ويتمثل الدرب الذي يقود الى تحريرها، اي درب الجنوب، بوصفه الدرب الوحيد الذي يحقق الذات وأهدافها، فتشرق الشمس من جديد ويراها يوسف بعدما التحق بصفوف المقاومة وقد رأى الشمس كما رآها أبوه من قبل، وهو يعمل في الحقل، فيكون سعيه في هذه الدرب امتدادا لسعي أبيه وجدّه التاريخي الذي بدأ منذ ان صاغ الشاعر الشعبي العاملي قرار العامليين بقوله: »بلادي ما حدا غيري يطاها«. والملاحظ ان أقواس قزح التي رآها يوسف ومن قبل حسين رأتها زهرة في رواية »حكاية زهرة« وهي ترتمي على الشارع بعد ان أرداها القناص، ما يثير سؤالا عن دلالة هذه الأقواس التي أنبتها القتل برصاص »ملك الحرب«، فهل تشير الى ما سوف يحدثه مقتلها من تأثير او الى إحساسها بالراحة من متاعب حياة لم تجد لها فيها مكانا، فوجدته في الموت في حين وجده يوسف، ومن قبل رضا في رواية »جسر الحجر«، ومن بعد أبو علي وقاسم ورفاقه في روايتي »آفاق« و»الهجرة في ليل الرحيل« لعبد المجيد زراقط. عبد المجيد زراقط