As Safir Logo
المصدر:

فرح انطوان واشكالية العلاقة بين الدين والسياسة

المؤلف: كوثراني وجيه التاريخ: 1999-03-20 رقم العدد:8253

فرح انطون وإشكالية العلاقة بين الدين والسياسة * ****** ينتمي فرح انطون الى الجيل الثاني من النهضويين في العالمين العربي والاسلامي، اي الجيل الذي رافق التثقيف والعمل السياسي الهادفين الى تحقيق الحكم الدستوري في كل من تركيا العثمانية ومصر وإيران، ابتداء من الربع الاخير من القرن التاسع عشر، أي بدءا من إعلان أول دستور عثماني في العالم الاسلامي في العام 1876، الى الثورة العرابية الدستورية في مصر (في العام 1881)، الى الانقلابيين الدستوريين في كل من إيران وتركيا في العامين 1906 و1908. فهو جيل الدستوريين إذا صح التعبير. هذا في حين ان الجيل الاول من النهضويين من أمثال رفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي، ينتسب الى ما يمكن ان نسميه »جيل التنظيمات«. والفارق بين مشروع التنظيمات والمشروع الدستوري ان الأول كان يصدر »منحة« عن عقل الحاكم وإدارته الاصلاحية ووزرائه »المتنورين«. اما الثاني فكان مطلبا لنخبة حاولت استكمال تنظيمات الدولة، بتقييد الحاكم عبر دستور وسلطة تمثيلية، اي »برلمان«. وغالبا ما كانت عناصر هذه النخبة من خارج جهاز الادارة والحكم، ولكن هي ايضا من داخل ما أنتجته سياسة التنظيمات والاصلاحات من آفاق عمل سياسي وبث لأفكار ليبرالية وديموقراطية وإنشاء لجمعيات ومطابع وصحف ومجلات. على ان السياقين، سياق التنظيمات وسياق الدستور، هما ايضا جزء من سياق القرن التاسع عشر الأوروبي، سياقه على مستوى الموجات الكبرى الأربع الليبرالية والديموقراطية والقومية والاشتراكية، وسياقه ايضا على مستوى تتابع الأفكار وتطورها، منذ اخذت فلسفة الانوار صيغة تيارات أفكار وأنماط من الاحزاب والعمل السياسي. هذه التيارات، صحيح انها قارعت الكنيسة باعتبار هذه الاخيرة سلطة دينية سياسية اي تيوقراطية، لكنها في حقيقة أمرها ومسارها، وبعد ان هدأت، رأى البعض انها كانت بطريقة من الطرق، تستدخل قيم التراث المسيحي في الاخاء والحرية والمساواة، لتنقلب بواسطتها على النظام السياسي الاجتماعي القائم، اي على الاستبداد بوجهيه الاقطاعي والاكليركي. يعبّر أحد المفكرين العرب (محمد علال سيناصر)، اعتمادا على مباحث غربية عالجت هذه الاشكالية بالقول: »ان مفكري القرن الثامن عشر قد أوجدوا أثناء تكوين نظرتهم الى العالم وفي مسيرة تأملاتهم في القانون، وأثناء التأملات المطولة التي نجم عنها تعبير محدد عن رغبتهم في العولمة والشرعية، أوجدوا ما كانوا يعتقدون انهم ينبذونه، فقد أعادوا بعباراتهم نفسها، وبما كانوا يدعون اليه، إنشاء التراث المسيحي وما ينطوي عليه من مثل عليا«. بل ان هذه النظرة تذهب الى تأويل أبعد، فترى ان ما فعلته الدولة الحديثة عندما استقلت عن الكنيسة، ومن أجل تجسيد حقوق الانسان والمواطن في الواقع، هو انها مرة اخرى وبلغة التراث المسيحي حولت الكلمة الى جسد. »اذ يجري تجسيد ذاتي للقانون، فتنزع عنه الصبغة الرومانية ويتشبع بالصبغة المسيحية من خلال ربط الفرد روحيا بالدولة«(1). قد تكون هذه النظرة شديدة المبالغة في التأويل، لكنه تأويل ليس بغير أساس في منطق حركية الثقافات الدينية ومنطق تحولاتها في المجتمعات المنفتحة على العمل السياسي والسياسات وما تفترضه هذه الحركية من تواصل وتراكم وتداول. وفي كل حال، تشير هذه النظرة الى ان الثقافة الدينية بحد ذاتها، لا تحمل بطبيعتها عناصر اعاقة للحداثة السياسية، ولا سيما في أبرز تجلياتها التي هي الديموقراطية وقضية الفصل بين السلطة المدنية والسلطة الدينية. لقد بدأ باحثون معاصرون يتحدثون اليوم عن أهمية منطق العمل والممارسة السياسية في مسار التحول الديموقراطي والعلمنة أيا كانت الثقافة الدينية السائدة. فردا على الفرضيات التي يقول بعضها بتشجيع المسيحية وقابليتها للديموقراطية التمثيلية والعلمنة كخاصة من خصائصها (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، وردا على الفرضيات التي تقول بالمقابل بممانعة الثقافة الاسلامية للديموقراطية والعلمنة، يبرز منطق التاريخ بصورة أقوى وأفعل، انطلاقا من ضغط الحاجات وفائدة الاهداف، وفعالية الخطط والبرامج. يبرز هذا المنطق التاريخي بصورة اقوى، إذ يستدخل النصوص الثقافية الدينية ورموزها وقيمها في مشروع ذي مضمون جديد ومتجاوز للقديم. هكذا، جرى على ما افترض في مسار التنظيمات عندما أعيد إنشاؤها، اي إنشاء الحاجة التاريخية اليها، بلغة التراث الاسلامي في خطوط الاصلاح العثماني (خطوط التنظيمات الجديدة)، وفي نصوص الطهطاوي التوفيقية الاصلاحية، وهكذا ايضا أعيد إنشاء حيثيات الدستور والبرلمان والحريات والمساواة وإقامة السلطة المدنية، بلغة التحسين والتقبيح وتقديم المصالح، واستذكار الشورى ومبدأ الإنصاف والعدل، اي بمفردات او تبريرات إسلامية. وأحسب ان هذا الافتراض لا ينطبق فحسب على الكتّاب والمفكرين المسلمين، بل انه ينطبق ايضا على العديد من المفكرين النهضويين المسيحيين، وفي طليعتهم فرح انطون. وعلى انه عكس ما يُتهم به هؤلاء النهضويون من أنهم كانوا »متخربين« و»مبهورين« بالثقافة الغربية، فان فرح انطون كان في الواقع مستوعبا هذه الثقافة لدرجة أهّلته لنقدها ومحاولة استنبات الايجابي منها في التربة الثقافية العربية الاسلامية. وطريق ذلك كان الانخراط في العمل السياسي التغييري حيث تتم محاورة خلاّقة بين الدين والسياسة. صحيح ان فرح انطون استخدم منهج التأويل الرشدي لحل الإشكال بين العقل والايمان، والعلم والشريعة، وفقا لقراءة الانسان، فاستدعى التأويل »تأويلا مضادا«، وانفتح الخلاف بينه وبين محمد عبده، بصيغة الخلاف بين الفيلسوف والفقيه، الا ان هذا الخلاف ظل في نطاق الحوار الفكري الذي كان من شأنه وفي ظل ما آلت اليه الثقافة العربية من جمود في القرون السابقة ان يبعث حركية التجديد فيها، وان لم يؤد الحوار، وليس المطلوب منه أن يؤدي أصلا، الى تطابق او توافق. وصحيح ان هذا الخلاف أدى الى توتر في العلاقة الشخصية بينه وبين محمد عبده، وبتحريض من رشيد رضا كما تقول الرواية التاريخية، الا ان هذا الخلاف اللاهوتي الفلسفي بطبيعته وبموضوعه، لم يمنع بعد شهور من ان يلتقي الرجلان، كل من موقع، هذا (عبده) من موقع الفقيه المجتهد في حقل المعاملات والمقاصد في الفقه الاسلامي، وذاك (انطون) من موقع الباحث الاجتماعي والمناضل من أجل أمن المجتمع وحقوق الانسان والمواطن، في دعم إضراب عمّال لفّافي السجائر في مصر والحصول على مبدأ التحكيم بين العمّال وأرباب العمل بإشراف الدولة. خلاصة هذه الواقعة ان مصر شهدت بين فترة كانون الاول 1899 و21 شباط 1900 أي خلال ثلاثة أشهر، أكبر وأطول اضراب قام به عمال لفافي السجائر، وكان عددهم يربو على ثلاثين ألفا ويعملون في شركات معظم رساميلها انكليزية. وقد أثار الاضراب الذي كان يسمى »الاعتصاب« موجة من النقاشات والمواقف حول أحقيته وقضايا الصراع الاجتماعي من زاوية اقتصادية وقانونية وفكرية. وقد رأى المحافظون في هذا التحرك »بدعة أوروبية« وتقليدا للعمال الاجانب، في حين ان كرومر، المندوب البريطاني، اعتبر ان الحكومة لا وظيفة لها سوى حماية حرية الصناعة وحرية العمل وحفظ الامن، الا اذا »اتفق الفريقان على تحكيمها«. وكان من بين الذين ناقشوا هذه المسألة فرح انطون، الذي اعتبر هذه المسألة جزءا لا يتجزأ من مشكلة الاستغلال الرأسمالي وسياسته »الاستفرادية« التي لا تحبذ تدخل الدولة الا لمصلحتها. وصادف آنذاك ان حدث اضراب عمال أحد الموانئ الفرنسية في الجزائر، فأثار هذا نقاشا في الصحافة الفرنسية حول حقوق العمال وقضية الرأسمالية ومشروعية تدخل الدولة لإنصاف العمال وان رفض ذلك اصحاب الاعمال. وقرأ فرح انطون مقالة لأحد الكتّاب الفرنسيين الذين يرون ضرورة تدخل الدولة، وفيها يقول بأن الشريعة الاسلامية قد حلّت هذه المشكلة حلا جميلا، فانها توجب على الحكومة المداخلة بين اصحاب الاعمال والعمّال والتحكيم فيها... وقد وجد فرح انطون في هذه الاشارة، مدخلا لتقوية موقفه المبدئي الداعم للإضراب والداعي الى ان تتدخل الحكومة لإنصافهم، فاستفتى الامام محمد عبده في هذا الامر، برغم توتر العلاقة بينهما اثر السجال الذي حصل حول »ابن رشد« وبتحريض من رشيد رضا. وجاءت فتوى الامام بالعبارات التالية: ».. فاذا اعتصب (اضرب) العمال في بلد وأضربوا عن الاشتغال في عمل تكون ثمرته من ضرورات المعيشة فيه، وكان قد ترك العمل يفضي الى شمول الضرر، كان للحاكم ان يدخل في الامر، وينظر بما حوله من رعاية المصالح العامة، فإذا وجد الحق في جانب العمال وان ما يكلفون به من قبل أرباب الاموال، بما لا يستطاع عادة، ألزم أرباب الاموال بالرفق، سواء كان بالزيادة في الاجر او النقص في مدة العمل، او بهما جميعا..«. في هذه الاجواء من المناقشات والكتابات في الصحف والدوريات المصرية حيث تدور بين المقتطف والمنار والأهرام والهلال والجامعة، والوقائع المصرية، ودوريات اخرى، سجالات حول الافكار السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنظريات العلمية تتقدم أفكار حول حقوق الانسان وأبعاد الحرية ومضامينها الاجتماعية والقانونية والنفسية، فتتشعب الاهتمامات في حقولها، وباتجاهات مختلفة. * * * هل يؤدي مثل هذا الحوار الديني السياسي المؤسس على حركية المجتمع والهادف الى تحقيق تقدمه ونيل حقوق فئاته، الى تغليب مرجعية السلطة الدينية التي دعا فرح انطون الى فصلها عن السلطة المدنية؟ او الى اندماج الدين والسياسة في ما نراه اليوم من سلفيات وأصوليات وإحيائيات دينية سياسية؟ سؤال يصعب الجواب عليه على مستوى الافتراض القياسي بين زمنين وسياقين. فما حصل بعد قرن على بداية مثل هذا التوجه الحواري، لم يكن بالضرورة بسبب الانتقائية او التوفيقية التأويلية التي وقع فيها الكتاب النهضويون، الاصلاحيون المسلمون من جانب (أمثال محمد عبده) او التي وقع فيها الكتاب المدنيون الذين قالوا بالفصل بين السلطة الدينية والمدنية، والذين سندعوهم في ما بعد بالعلمانيين (أمثال فرح انطون)، من جانب آخر. فهذه الانتقائية او التوفيقية القائمة على منهج التأويل، سواء صدرت من الطرف الديني الاسلامي (الفقيه) او من الطرف المدني العلماني (الفيلسوف او الباحث الاجتماعي)، كانت في حينها حاجة تاريخية. وهذا ما نلاحظه في طلب فرح انطون من جهة وفي فتوى محمد عبده من جهة ثانية. فالطلب والاستجابة بالفتوى برغم الخلاف اللاهوتي الفلسفي حول الايمان والعقل، يؤديان الى موقف عملي واحد من حقوق العمال، وهذا ما أغامر فأسميه منطق العمل، او منطق التاريخ الذي قد يكون أقوى من منطق الفرز النظري بين إيمان وعقل وبمعيار رياضي حتمي بحت. من هنا أحسب ان ما يحلو للبعض ان يسموه اليوم »الصراع بين التيارين الديني والعلماني« في عصر النهضة كان حوارا تاريخيا مثمرا ولا علاقة له بالصراع اللاحق الحدي السلطوي الذي نشب منذ حوالى منتصف القرن العشرين بين قوميين علمانيين عقائديين، وبين اسلاميين عقائديين حول حقل الاستيلاء على السلطة السياسية بطريقة التغلب. ان الاشكالية التاريخية كانت مختلفة، كانت اشكاليتين. فبالنسبة للنهضويين لم تكن مسألة الهوية او الجوهر الوجودي للعرب والمسلمين، او مسألة توليهم للسلطة السياسية او عدم توليهم، لم تكن مسألة مطروحة. كانت الاشكالية تدور حول مسألة التقدم والترقي والتمدن، وحول مسألة الدستور والمواطنة والمشاركة السياسية، اي حول المسألة الديموقراطية، اي حقوق الانسان والمواطن. في حين انه منذ الخمسينيات اختزلت الحياة السياسية والفكرية حول المصير القومي الذي فهم على انه قضية الوحدة القومية وتحرير فلسطين، لدرجة ان شرعية الدولة العربية قامت في جزء كبير منها على أساس الالتزام الاحادي بهذه المهمات. من هنا يمكن الحديث عن قطيعة بين زمنين، (ولهذا أسبابه وعوامله التي تخرج عن موضوع هذه المقالة). ومن هنا ايضا أحسب ان ما يقترحه محمد عابد الجابري لجهة الاستغناء عن مصطلح العلمانية، بل حذفه من القاموس العربي، بسبب ما يعتقده الجابري من ان الدين والتاريخ الاسلاميين لم يشهدا تيوقراطية ورجل دين وسيطا (وهذا افتراض للنقاش)، ليس اقتراحا علميا ولا تاريخيا. واذا كان المقصود بحسن نية مصالحة القوميين والاسلاميين اليوم، والتخلص من »مصطلح« علقت به صراعات الخمسينيات والستينيات وتواتراتها وتشنجاتها، فليس بهذه الطريقة تتم المصالحة بل بحوار نقدي ومثمر. فالمصطلح ليس مجرد »مفردة« يمكن الاستغناء عنها من القاموس العربي لاجتهاد فرد، وانما هو مفهوم دخل في الثقافة العربية، وأضحى حاجة الى المستقبل العربي كما هي حاجتنا اليوم الى الديموقراطية باعتبارها تأسيسا للحياة السياسية اي للمجتمع السياسي. والعلمانية بمفهومها المنفتح اللاعقائدي، اي باعتبارها نمط تفكير منفتح، لا عقيدة مغلقة او فكرا أحاديا، هي شرط الممارسة الديموقراطية وثقافتها. وبلا هذا التفكير لا مكان لحوار بين دين وسياسة، بل لا مكان لأي حوار. قراءة نصوص فرح انطون من هذه الزاوية، ذات دلالات على أنموذج مرحلة مضت، ومفكر بدأ مع غيره من المفكرين المعاصرين له، وعبر عمله المنفتح على حالات من التعدد الفكري السياسي بتأسيس منطق عمل كان يمكن ان يؤسس لمجتمع سياسي غاب عنا لظروف قاهرة. وقد أضحى من الضروري اكتشاف هذه العوامل لوعي حالات التواصل والانقطاع في تاريخنا. (*) بمناسبة تأسيس فرح انطون (1874 1922) مجلة »الجامعة« في العام 1899. (1) اعتمادا على ماكس فيبر، وميشيل فوكو وبول هازار، محمد علال سيناصر، »التراث الاسلامي وحقوق الانسان« منبر الحوار، م ربيع 1988. } تصويب: ورد في مقالة السبت 13 آذار 1999 »الحرب الصليبية: صورها في العقلية العربية ودروسها في الاستراتيجية الاسرائيلية«، خطأ مطبعي هو ان الصهيونية برزت في سياق القوميات السوفييتية، والصحيح القوميات الشوفينية، فاقتضى التصويب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة