في »الغيبوبة« لليلى عسيران الحياة كمرض **** الكتاب: الغيبوبة الكاتب: ليلى عسيران الناشر: مركز الأهرام للطباعة والنشر، القاهرة، 1998. لست أدري من هو القائل: »الحياة مرض« أو »مستشفى«، لكن في رواية »الغيبوبة« لليلى عسيران، يتحول المستشفى الى حياة كاملة، والمرض الى سيرة يختلط فيها الواقع بالوهم، والوعي باللاوعي. وليس كالمرض كاشفاً لحقيقة الإنسان، حيث الألم الذي هو ألم صاعق، جسديّ ونفسيّ معاً، يضع الكائن البشري عارياً أمام الموت الحائم حوله كالنسر، وتأخذ الحياة إذ ذاك، مغزى الصراع البطولي لاستحقاقها، أو لتخليصها كأعطية وهدية للإنسان، من مخالب الموت. من هنا تتحول رواية »الغيبوبة« الى ما يشبه النشيد الطويل لتمجيد الحياة، ومباركة العلاقات الإنسانية والصداقات والبنوة والأمومة، والعلاقة بالكتابة كمحرض على الحياة، وبالبحر كعنصر من عناصر الانجذاب إليها... وحيث الرواية هي رواية انتماء للمستشفى أو للمرض، من خلال العملية الجراحية في القلب، التي خضعت لها البطلة (ليلى كريم) وهي نفسها الكاتبة ودخلت من بعدها في الغيبوبة لمدة شهرين ونصف الشهر فإنها تكشف عن هذا الجانب الخفي من علاقة المريض بالطبيب، الذي يظهر أحيانا كمخلص، أو قريب من واهب الحياة للجسد، وتكشف أيضاً عن المحرضات الجوهرية على الحياة، وهي، في الرواية، محرضان: الأمومة، من خلال علاقة البطلة/ الكاتبة بابنها رمزي، والكتابة من خلال العلاقة بالقلم، المتصل بدوره بأصابع اليد اليمنى المشلولة المتألمة... فإن أول ما تعود الحياة والحركة للجسد الغائب المغيّب بالغيبوبة، تعود لأصابع اليد اليمنى المتصلة بالقلم. فبصيص الوعي الباهت المستعاد، يشير إليها كما تقول: »هذه يدك اليمنى. هذه يد القلم. هذه يد الكلمة«، وتنتهي الرواية باستعادة الحياة وانتزاعها من العدم باستعادة الكتابة: »صارت يدي تحكي«. التشويش والرحلة التي تقطعها الكاتبة بين الدخول في الغيبوبة، والخروج منها، هي رحلة كابوسية بلا ريب، تختلط فيها التخيلات بالواقع، اللاوعي بالوعي، بل تتحول فيها الوقائع والذكريات الى ما يشبه الهلوسة.. والمشاهد تنتقل من الحقيقة الى تلك المنطقة الغامضة من الوهم، والأسماء تتحوّر وتنزاح عن أماكنها، والأشخاص ينزاحون عن مواقعهم أيضاً وعن شخصياتهم، وتتركب منهم شخصيات أخرى مغايرة أو متوهمة، لا تلبث ان تنكشف بالتدريج مع استرداد الكاتبة لوعيها، مثلما يكون شخص ما، هائما أو تائها في صحراء شاسعة مقطوعة عن الأنس ومعالم الطريق فيها مطموسة، ويلحق به الإعياء وتسف الرياح والرمال وجهه وعينيه، فيتهالك وتلوح له الأشياء والمعالم مموّهة بل مشوّهة ومرعبة... اللاشخص يصبح آنذاك شخصا، والسراب ماءً، والظلال أشباحا، وتختلط في ذهنه الأبعاد والأزمنة، فما يكون ذكرى ويطفو على سطح الذاكرة، يصبح بمثابة واقع آني معيش، وما يثير الحواس ويرطمها كواقع، ربما تحول الى وهم ومخيلة... وهكذا يكون الدخول في الغيبوبة شبيهاً بالضياع في صحراء شاسعة ومرعبة. ويكون الخلاص منها شبيهاً بالخلاص من هذا التيه. وهذه الرواية، بصفتها كتابة إبداعية، هي أقرب ما تكون لتمثل الأدب، بصفته انزياحا متخيلا عن الواقع. وهذا الانزياح الذي تم تحققه الفعلي في انتقال الكاتبة من وعي الصحة الى ذهول المرض، قدم أرضا خصبة لعملية الكتابة، إذ سبقها بالفعل، فعاشت الكاتبة قصتها قبل أن تكتبها، ثم كتبتها بعد ذلك، مثل من يتذكرها.. أو مثل من يتسنى له الخروج من حلم أو كابوس، فيسجل حيثياته ووقائعه على ما كانت عليه خلال لاوعي النائم أو الحالم، لكن من نقطة الوعي أو مقامه. فإذا لم يكن المبدع أكثر من حالم/ نائم، أو هائم، فليلى عسيران هنا، هي هذا المبدع (بالفعل) من خلال التجربة، أولاً، ومن خلال تسجيلها في الكتابة ثانياً. الكتابة تشويش لعلاقات الحس والمحسوسات، مثلما هي تشويش للأمكنة والأزمنة والأشخاص، كما يرى إليها السرياليون. وهذا التشويش الإبداعي الذي هو نقض للواقع، بنقيضه من (المتخيل)، يتمثل في »الغيبوبة« بكامل عدته وعناصره... بل نصل هنا الى تخوم ما يشبه الزلزال، أو الحرب المخلخلة، فثمة في الرواية، تبادل بين جسد المدينة (بيروت) في هلعها الأقصى في الحرب الأهلية، وجسد البطلة (الكاتبة) في تصدعه وخرائبه.. عذابه وصراخه ورجائه. ومثلما أعادت الحرب تكوين المدينة الى بدائيته، كذلك أعاد المرض تكوين جسد الكاتبة الى بدائيته.. »تقول ماريا إن المدن تشبه الحياة لا نتذكر متى بدأت«. وماريا هنا إحدى الشخصيات التي تكونها البطلة في رحلة الغياب، ثم تكون سواها (غادة)، في حين أنها أيضا، وفي الوقت نفسه »ليلى كريم«، »فالأنا« مشتتة، ممزقة، بين أكثر من »هو« »آخر«، وتتعذب كل من هذه النساء اللواتي تشتمل عليهن شخصية »ليلى« عذاباً لا حد له... يفقدن الإحساس بالوقت، ويبقى الألم، ويصل العذاب الى حدوده القصوى، فتموت ماريا، وتموت غادة... وفي حمّى تبادل الأشخاص والذوات في الرواية، يقع الظن على أن »ليلى..« هي التي ماتت.. لكننا نكتشف مع توالي السياق، أن »ليلى...« لا تزال حية، وأنها في غمرة البحث عن ذاتها أو »أناها« الضائعة، تموت وتحيا عدة مرات.. تسقط أسماء كثيرة عن كاهلها مثل سقوط اللحاء المتيبس عن جذع الشجرة.. وتبقى الشجرة (في قلبها) خضراء وحيّة حتى النهاية. وهذا التبادل المتوالي للأسماء والأشخاص يجعل من »ماريا« مريضة تقضي شهرين ونصف الشهر في غرفة العناية الفائقة، ويحمّلها ملامح »ليلى« وملامح »غادة«... ويجعلها على صورة امرأة في الستين من عمرها، ممددة على سرير له قضبان من الناحيتين، كسجين في زنزانة »ملقاة هكذا كقطعة اللاشيء«، ولا يختلف الأمر عن »غادة« أيضاً، فملامحها هي ملامح »ماريا« وملامح »ليلى..« وأحاسيسها وتخيّلاتها حول ما يحيط بها في المستشفى هي تخيلات »ماريا« و»ليلى..« فمن هي غادة؟ ومن هي ماريا؟ أفي الحياة أم في المستشفى؟ وكيف يتم تبادل الأدوار وسياق المراحل؟ وحين تموت »ماريا«، وكذلك »غادة«، يظهر ان جزءاً من »ليلى« قد مات... لكن ليلى الحقيقية.. تواصل الحياة بحثاً عن »هويتها«... وتعثر عليها في النتيجة، وتنتهي منتصرة بها، بالحياة، على الموت أو الغياب. المكان الغائب طمس الملامح وتداخلها لا يقتصر على أسماء الكاتبة وشخصياتها، وحدها، بل يتطرق أيضاً الى الأزمنة والأمكنة وسائر الأشخاص، من أصدقاء وصديقات ومن ممرضين وممرضات وأطباء. ففي مسرح الرواية، أو حيّزها المكاني، يتحول المستشفى الى فندق، والفندق الى جبل، والجبل الى مطبخ، والمطبخ الى سفارة... ويتم تنقل (وهمي) بين شتورة وبيروت والقاهرة ولندن، وبين طائرة ومركب في نهر، ولا يتم الإمساك على مكان بعينه هو المستشفى، لتثبيته كمسرح للرواية... فالمستشفى لا ينكشف للكاتبة، إلا بعد الشفاء.. ومنه تنكشف لها وهمية سائر الأمكنة... ومنه أيضا تنكشف وهمية الأزمنة والأشخاص. فقد اختلطت في مخيلة »ليلى«، بفعل المرض وعذابه، والغيبوبة، الأزمنة أيضاً... فما يحضر على أساس أنه ذكرى من الماضي، أو بقع من أزمنة قديمة عاشت فيها الكاتبة، يحضر وكأنه يعاش للتو، ويفعل فعله في الحاضر. وإذ تستفيق فيها ذكرى طفولتها في القاهرة والنيل، وصوت الكروان، وصديقتها »صفية«، فإنما يحدث ذلك، وكأنها تستدين المشاعر من ماضيها، من خلال هذا الإبحار في الزمان.. إبحار في مركب في بحر هائج مؤلم، أو في طائرة مروحية معلقة في رياح عاصفة. والأشخاص أيضاً، تتشوش صورهم على امتداد رحلة العذاب والوحدة، وهم إذ يظهرون ويختفون، فإنما يكون ذلك، لا لتبديد الوحدة، بل لتوكيدها. وفي هذا الهول المتواصل، تتغير حقائق الأشخاص المحيطين بليلى.. وينتقلون مع رحلة الشفاء الطويلة الصعبة، من منطقة الخوف والهلوسة والكابوسية، من ليل الغياب المرعب، الى منطقة الضوء والوضوح.. الى حميمية الحياة. فقد تخيّلت في بداية الرواية انها موجودة في منطقة شتورة (من لبنان) محاطة بمجموعة صاخبة من الشبان وتقدم منها شاب وأخذ يضربها من الخاصرة نزولاً الى بقية جسدها وساقيها، وفي عينيه رغبة في اغتصابها، وهو صديق للمخابرات الإسرائيلية، واسمه محمد حركة... ثم يتغير اسم محمد حركة ويصبح اسمه سمعان، يلاحقها من مكان لآخر، يلسعها بالخيزرانة ويؤذيها... ولا تعرف إلا في آخر المطاف، أن سمعان ليس سوى ممرض في المستشفى، كان يدلك أصابعها المشلولة بعناية ودأب، وأنه هو الذي أعاد الحركة والإحساس لهذه الأصابع، بعد أشهر المرض الطويلة. تنتهي إلى أن تتعلق بسمعان، تعلقا شغوفا، يلامس أحيانا حد الجسدية. تصرخ به في إحدى محطات الرواية »احضنّي يا سمعان«.. كذلك الحال مع الجراح الدكتور عصام حيث يظهر لها في البداية كسفاح، أو قاتل، أو رجل غامض وشرير، ثم تنجلي لها الرؤية إليه بعد ذلك بالتدريج، فتدرك أنه جراحها اليقظ الدؤوب... فتتعلق به تعلق المريض بالطبيب، محرك الحياة في الموات... ورواية ليلى عسيران رواية مثقلة بالتفاصيل التي تستوقف القارئ ليطرح على نفسه أسئلة في عمق التجربة الإنسانية، في الحياة والموت والأصدقاء، في المرض والألم العظيم كشاهد على الحياة، بل كشاهد على الإنسان نفسه. وإن الإنسان الذي يُعطى نعمة الحياة، يُعطى في الوقت عينه قوة خفية للدفاع عنها في أصعب لحظات الخطر، وتبقى أسرار التشبث بالحياة والانتصار على الموت، بما يشبه المعجزة، أسراراً غامضة على كل حال. فقد يصل المريض، في بعض الحالات، الى مرحلة شديدة الصعوبة من تلف الجسد والأعضاء، ومع ذلك، وفي تلك اللحظة الأخيرة الحرجة الفاصلة بين الحياة والموت، تراه ينتفض وينهض حياً معافى مثلما ينهض الفينيق من رماده في الأسطورة. هكذا كانت حال الكاتبة في روايتها. ولعل في سياق الرواية وتفاصيلها ما يمنح المتأمل بعض مفاتيح الحياة المستعادة. هنا مفتاحان جميلان بل معجزان لاستحقاق الحياة، أشارت إليهما ليلى عسيران في كتابها: الأول الأمومة وتعلقها بابنها رمزي... لقد منحت لها الحياة مجددا بسحر الأمومة ومجدها. تقول »أمسك رمزي الأفق وألقاه أمام عيني«... والثاني الكتابة... الكتابة كحياة في الحياة... فأول ما عادت الحركة الى أصابع يدها اليمنى المتصلة بالقلم. أليس هذان الأمران كفيلين باستمرار الحياة؟