السنوات المجهولة من عمر السيد المسيح بشّر المنبوذين في الهند فتآمر عليه الكهنة **** بإهمال لافت ومستغرب، يمر الباحثون والمؤرخون ورجال الدين وعامة الناس بالفترة من عمر السيد المسيح بين الثانية عشرة والتاسعة والعشرين، وهي مرحلة هامة تزيد على سني عمره المعروفة، وتشمل معظم سنوات شبابه. ولسنا هنا في معرض تقييم الأثر البالغ الذي أحدثه السيد في حياة البشرية وتطورها خلال السنوات الثلاث الأخيرة من عمره. ومع أن بعض الباحثين تنبهوا إلى ذلك الأمر الهام وذهبوا في بعثات متتالية منذ ما يزيد على مئة عام، الى الأماكن التي قيل ان السيد المسيح تنقل فيها وتعلم وعلَّم الهند وكشمير فإن ما كتبوه ونشروه وترجموه وناقشوه ظل يتفاعل خلال مدة قصيرة وكأنها مضبوطة، ثم ينسى الناس ويلف الغموض هذه الأحداث. من الكتب التي ظهرت حديثاً كتاب عنوانه »السنوات المجهولة من عمر المسيح«، مؤلفته أليزابيت بروفث الأميركية، ظهرت الطبعة الأولى منه في الولايات المتحدة عام 1987، وقد عثرت، بعد جهد طويل، على نسخة من طبعته الثانية التي صدرت عام 1988، أحضرها عزيز لي من نيويورك. حظّرت مؤلفته نشر أو ترجمة هذا الكتاب الفريد وسمحت فقط بكتابة مقتطفات أو خلاصات من محتوياته بقصد التحقيق العلمي، فحاولتُ الى حد بعيد أن أتقيد برغبة الكاتبة. أورد الكتاب بالتفصيل رحلة الصحافي والكاتب الروسي الأرثوذكسي نقولا نوتوفتش الى الهند بعد أن ترامت إليه أخبار عن رحلة للسيد المسيح الى الشرق. وُلد الكاتب عام 1858، وذهب في 14/10/1887 الى الهند عن طريق أفغانستان ثم توجه شمالا الى كشمير فإلى مقاطعة »لاداخ« فيها وقد عرف ان هناك مستندات قديمة وهامة تشير إلى إقامة السيد المسيح في تلك البلاد منذ ألفي عام، ومنها ما هو محفوظ في معبد »هميس« في قرية »لي« المطلة على وادي نهر »الأندوس« من مقاطعة »لاداخ«. قصد الكاتب الروسي هذا المعبد وتقرب من كاهنه الأكبر الدلاي لاما وأعرب له عن رغبته. فطلب الكاهن أن يأتيه أحد مساعديه من على أحد الرفوف بلفافتين كبيرتين من الورق القوي يعلوهما الاصفرار بفعل الزمن وتعودان إلى ألفي عام. أوضح الكاهن أن المخطوطات الأصلية التي تتعلق بإقامة السيد المسيح في تلك المنطقة استُقدمت من الهند الى النيبال ومن النيبال الى التيبت وقد كُتبت بلغة »بالي«، وهي اليوم في مدينة »لاسا« في التيبت. ولكن نسخة منها بلغة التيبت هي الموجودة عنده في معبد »هميس« في المخطوطتين، وهي التي اطلع عليها الكاتب الروسي. وقد قرأها عليه مساعد الدلاي لاما بلغة التيبت وترجمها له مرافقه بالفرنسية، ودوّنها الكاتب بعناية باللغة الفرنسية على دفتر خاص. قال الكاتب نوتوفيتش ان هذا »المستند العجيب كُتب بشكل مقاطع منعزلة يفتقد الكثير منها الى التسلسل«. وهو يحتوي على 244 مقطعا في أربعة عشر فصلا، الفصول الثلاثة الأولى منها تتناول حياة اليهود في فلسطين ثم خروجهم الى مصر ثم عودتهم منها الى فلسطين حيث أثاروا غضب الله وتخلوا عن شريعة موسى، فاضطهدهم الرومان الى أن ظهر السيد المسيح. ويبدأ الفصل الرابع بسرد لحياة السيد المسيح منذ ولادته حتى وصوله الى الهند، وهذه السيرة رواها للكهنة البوذيين آنذاك التجار الهنود والفلسطينيون الذين كانوا يترددون بين فلسطين والهند وينقلون الأخبار. وكذلك أكملت روايات التجار مراحل سيرة السيد المسيح بعد عودته من الهند وبلاد فارس الى حين صلبه وهي التي تضمنتها الفصول من التاسع الى الرابع عشر والأخير. وفي الفصول التي تناولت حياته في الهند وعُرف في المستندات بالقديس عيسى سرد لحياته خلال السنوات الست الأولى التي كان خلالها يتعلم ويعلم في »جوكرنوت« وو»راجاكريها« و»بنارس« وغيرها في الهند. وهناك صطدم مع البراهمة و»الكشاتريا« وكانت ديانتهم سبقت البوذية بمئات السنين. كتابهم المقدس »الفيدا« ولا يسمح الكهنة الهندوس بتعليمه لطبقتين »الفازيا« أصحاب المزارع والتجار »والسُّدْرا« الفلاحون والعمال من البراهمة. لم يتقيد عيسى بهذه الممنوعات وكان يعمم تعاليمه على كل الطبقات الهندوسية مما أغضب الكهنة البراهمة وأفرح الطبقات الدنيا منهم فتعاطف معهم وتعاطفوا معه. حاول الكهنة قتله فتابع مسيرته الى سفوح جبال الهملايا وجنوبي النيبال مسقط رأس بوذا قبل خمسة قرون فتعلم وعلم هناك جماهير البوذيين الذين أحبوه وقضى هناك ست سنوات أخرى ثم تابع مسيرته الى بلاد فارس. وهناك تابع إرشاده إلا أنه اصطدم بكهنتها عبدة الشمس وأتباع »زوروواستر«، ومن هناك عاد الى أورشليم. حياة القديس عيسى في عام 1894 نشر نوتوفتش أخبار رحلته والنصوص التي حصل عليها من معبد »هميس« في كتابه باللغة الفرنسية »حياة القديس عيسى«. وطبع من الكتاب أكثر من ثماني طبعات عام 1895 وظهرت له ثلاث طبعات مترجمة في الولايات المتحدة وواحدة في لندن في السنوات التالية. وتُرجم الكتاب الى الألمانية والاسبانية والسويدية والايطالية. وترجمت الكاتبة فيوليت كريسب الى الانكليزية النصوص ال244 التي احتوتها الفصول الأربعة عشر كما وردت في كتاب نوتوفيتش، وهي الترجمة التي دوّنتها الكاتبة بروفت في كتابها »السنوات المجهولة من عمر المسيح« والتي اعتمدتها أنا في ترجمتي العربية لها. وذكرت الكاتبة كريسب في مقدمة ترجمتها التي حملت تاريخ 1/2/1895 انها تقبلت بحسن النية، التأكيدات التي أعطاها لها الكاتب والمتعلقة بنصوص معبد »هميس«. وأضافت انها في قراءتها لما كتبه بعض الرواد والإرساليات التي قصدت الهند قبل نوتوفيتش بعشرات السنين وجدت أن في كتابات البوذيين وتقاليدهم آثاراً من الديانة المسيحية التي كما اعتقد الرواد، تركتها التعاليم التي بشر بها رسل المسيح الأوائل أثناء مرورهم بتلك البلاد. فأهل التيبت يقدمون الخبز والخمر في القداس ويضرعون بالصلاة فوق رأس المريض ولهم معابد منفصلة للكهنة والكاهنات ويرتلون في خدمة القداس كالكهنة الرومان ويصومون ويمشون عراة ويقبلون الاعتراف. هذا ولا نريد أن نسترسل فنقول ان هذه التقاليد قد يكون بعضها مما تركته رحلة السيد المسيح، إذا صحت روايات الباحثين عن تلك الرحلة، أو تقبلها السكان من الرسل الأوائل بترحاب لمعرفتهم السابقة بزيارة السيد المسيح واحترامهم له ولتعاليمه. في الصفحات الأولى من كتاب اليزابيت بروفت ذكرت المؤلفة انه، ما عدا بعض القصاصات الباقية من ورق »الببايروس« التي تعود للقرن الثاني الميلادي، وفيها شذرات من العهد الجديد، فإن النسخ المعروفة من الأناجيل تعود الى القرن الرابع. وكانت النصوص متناثرة وعرضة للتغير من قبل الناسخين. ولم تتثبت النصوص إلا في منتصف القرن الرابع الميلادي. ولذلك لا نستطيع التأكد، تقول المؤلفة، ان لدينا طريقة نعرف بها ان ما استلمناه من الأناجيل هو سليم لم يُمس وخالٍ من الأخطاء والتبديل وأنه لم يعدل ليخدم بعض غلاة الكنيسة في صراعهم مع الهراطقة. ذكر أحد المؤرخين المسيحيين »لا توريت« ان ما سجل من حياة السيد المسيح لا يكاد يملأ صفحة واحدة من إحدى الجرائد الكبيرة وأن أكثر هذه المرويات والتعاليم تناولت السنوات الثلاث الأخيرة من عمره. ويمكن للباحث أن يجد بعض الدلالات التي تشير الى إمكانية رحلة السيد المسيح الى شمالي الهند. يذكر »ويل ديورانت« في موسوعته الشهيرة »قصة الحضارة« (الصفحة 77 من الجزء الثالث) ان هناك تعاليم لبوذا تشبه بعض تعاليم المسيح شبهاً عجيباً، منها ان على الإنسان أن يتغلب على غضبه بالشفقة وأن يزيل الشر بالخير وأن الكراهية يستحيل في هذه الدنيا ان تزول بكراهية مثلها، إنما تزول الكراهية بالحب، وبوذا عاش في القرن السادس قبل المسيح. ويقول »ويل ديورانت« أيضا (الجزء 11 صفحة 214): »ولا يذكر أصحاب الأناجيل إلا القليل الذي لا يغني عن شباب المسيح«. وفي الصفحة 315 »ان جيرانه كانوا يتساءلون كيف يستطيع هذا الرجل أن يعلّم وهو لم يذهب قط الى المدرسة«. وفي الصفحة 215 »وما من شك في ان عيسى قد عرف شيئاً عن الاسينيين (فرقة دينية عاصرت السيد المسيح ونُسبت إليها مخطوطات وادي قمران) وعن حياة الزهد الشبيهة كل الشبه بحياة البوذيين«. هذا وقد يكون خبر مجيء وفد من المجوس من الشرق ليستطلعوا نبأ ولادته المنتظرة من الأحداث التي علقت في ذاكرته ودعته الى زيارة الشرق والبلاد التي أتوا منها. كان آخر ما عُرف عن طفولة السيد المسيح انه وهو في الثانية عشرة افتقدته أمه مريم وخطيبها يوسف في أورشليم فوجدوه في الهيكل يحاور زواره، فأعادوه معهما الى الناصرة. ثم ظهر وهو في الثلاثين مع يوحنا المعمدان على نهر الأردن حيث عمّده يوحنا في مياهه. وقد ذكر لوقا عنه في الفصل الرابع: »فبهتوا (المستمعون) من تعليمه لأن كلامه كان بسلطان«. أحدث كتاب نوتوفيتش لدى صدوره هزة في الأوساط الدينية والفكرية، وعزم الكثيرون على السفر الى الهند ليتحققوا من النتائج التي توصل إليها الكاتب. أحد الذين سافروا كان الأميركي ارشيبالد دوغلاس الذي عاد لينفي ما ورد في كتاب المؤلف الروسي عن النصوص، إلا ان بعض ناقديه آنذاك قالوا ان دوغلاس عجز عن رؤية المخطوطات في الهند فلا يحق له القول إنها غير موجودة. ومن الذين قرأوا كتاب نوتوفيتش ومالوا الى الاقتناع بمحتوياته المبشر الهندي والعالم في اللاهوت سوامي أبهيداناندا، فذهب بنفسه الى معبد »هميس« وهناك استقبله اللامات بالترحاب والاحترام وأقروا له بصحة المعلومات التي أوردها نوتوفيتش وأخبروه بأن النسخة الأصلية للمخطوطات التي سيعرضونها عليه موجودة في معبد »مار بور« قرب »لاسا«. تأكد سوامي من صحة رواية الكاتب الروسي ودوّن بعض محتويات اللفائف التي عُرضت عليه وضمنها كتابه »كشمير والتيبت« وهي نصوص متقاربة مع تلك التي دوّنها نوتوفيتش في كتابه. وأنزلت المؤلفة بروفِت تلك النصوص القليلة في كتابها. وخلال أعوام 1924 1928 طاف بحاثة ورسام روسي هو نقولا رورتتش بلاد الهند والتيبت ومنغوليا وزار معبد »هميس« وكتب عدة كتب يؤكد فيها ما كتبه نوتوفيتش وقال انه وجد ان قصة سفر السيد المسيح متداولة في تلك البلاد وان بعض تعاليمه لا تزال معروفة. وتلا عليه رجل دين هندي في كشمير قوله التالي: »قال عيسى عليه السلام ان الحياة جسد إقطعه ولكن لا تبنِ عليه بيتا. ان مَن عنده أمل مقدار ساعة له أمل في الحياة الأبدية، والعالم ليس سوى ساعة اصرفْها في التعبد، وما تبقى فلا قيمة له (ص 64 من كتاب بروفت). وأخبره بعض المسؤولين في »لاداخ« ان كاهنا سابقا في معبد »هيمس« قال إن عيسى كان يعلّم بالقرب من شجرة وحوض ماء كانتا في بلدة »لي«. وأخيرا ذكرت المؤلفة بروفت (الصفحة 20) ان المقارنة بين روايات الهند وروايات الإنجيل تظهر بعض التباينات الهامة: لم يظهر في المخطوطات ذكر يوحنا المعمدان، وأغفل ذكر قيامة السيد المسيح بعد الموت وكذلك قُلبت الأدوار، ونتيجة نقل الأخبار بين فلسطين والتيبت فقد ظهر بيلاطس بدور الطاغية الذي يريد صلب المسيح في حين ظهرت هيئة المحكمة من اليهود بمظهر المتعاطف معه وتبرأت من دم »هذا الرجل الصالح«، بغسل الأيدي بالماء المقدس. كما أوردت النصوص أن موسى كان الابن الأصغر لفرعون مصر. نكتفي، لضيق المجال، بنشر ترجمة الفصول الثلاثة الخامس والسادس والسابع من كتاب نقولا نوتوفيتش الموضوع أصلا باللغة الفرنسية والذي ترجمته السيدة الفرنسية كريسب الى الانكليزية واحتواها كتاب المؤلفة بروفت. وهذه الفصول تتناول حياة عيسى منذ ترك فلسطين وهو في الرابعة عشرة من عمره وسفره عن طريق أفغانستان الى الهند والتيبت وبقائه هناك يدرس ويعلّم الى ما قبل عودته الى فلسطين عن طريق إيران. وإن هذه القصة المدعمة بالمستندات والتحقيقات المنفصلة، ولكن المتماثلة، حريّة بالدراسة والمتابعة، وإننا لا نرى فيها، إذا صحت الرواية، ما يضير سيرة السيد المسيح المجيدة ولا تنتقص من تعاليمه السامية. الفصل الخامس: بشر المنبوذين 1 في سن الرابعة عشرة جاء عيسى اليافع، المبارك من الله، الى هذا الجانب من السند وحط رحاله بين الآريين على الأرض التي يحبها الله. 2 وذاعت شهرة هذا الصبي العجيب في طول شمالي بلاد السند. وحين قطع بلاد الأنهر الخمسة »وراجبوتانا«، توسل إليه المتعبدون للإله »جين« ان يقيم بينهم. 3 لكنه ترك الخطاة الذين يعبدون »جين« وذهب الى »جوكرنوت« في بلاد »أوريسّا« حيث ترقد رفات »الفايزريا كريشنا« وحيث استقبله كهنة »براهما« البيض بفرح. 4 علموه أن يقرأ ويتفهم »الفيدا«(*) وأن يشفي بالاستعانة بالصلاة، ويعلم ويشرح النصوص المقدسة، ويطرد الأرواح الشريرة من أجساد الناس، معيدا إليهم سلامة عقولهم. 5 أمضى ست سنوات في »جوكرنوت« و»راجا غريها« و»بنارس« وغيرها من المدن المقدسة. أحبه الجميع لأنه عاش بسلام مع »الفيازا« و»السدرا« الذين علّمهم النصوص المقدسة. (فرق نبذها البراهمة والكشاتريا). 6 إلا أن البراهمة و»الكشاتريا« أخبروه أن »البارابراهما« الكبير منعهم من الاقتراب من الذين خلقهم من أطرافه وأقدامه. 7 وان »الفايزيا« مخولون فقط الاستماع الى قراءات من »الفيدا« ولكن ذلك في أيام الاحتفالات فقط. 8 وان »السدرا« ممنوعون ليس فقط من حضور جلسات قراءة »الفيدا« وإنما أيضا من التمعن بهذه القراءات لأن قدرهم هو ان يخدموا دوماً كعبيد للبراهمة و»الكشاتريا« وحتى »للفايزنا«. 9 »الموت وحده يحررهم من عبوديتهم«، قال »بارابراهما«. اتركهم إذاً وتعال وقدّس معنا الآلهة التي تغضب منك إذا عصيتها«. 10 إلا أن عيسى لم يصغ الى كلامهم وذهب إلى »السدرا« مبشرا ضد البراهمة و»الكشاتريا«. 11 إنه ندد بأفعال رجل يدّعي لنفسه القدرة على حرمان أتباعه من حقوقهم في الانسانية، وقال: »ان الله الأب لا يفرق بين أولاده وكلهم لديه أعزاء متساوون«. 12 وأنكر عيسى الأساس الإلهي للفيدا و»البورانا«، وتابع مخاطبا أتباعه: »لأن الشرع أُعطي للإنسان ليرشده في تصرفاته«. 13 »خافوا ربكم واركعوا أمامه فقط، وقدّموا له وحده القرابين الحاصلة من أرباحكم. 14 أنكر عيسى »التريمورتي« وتجسُّد »بارابراهما« في »فيشنو« و»سيفا« وغيرهما من الآلهة وقال: 15 »ان الحاكم الخالد، الروح الأبدية، تتفهم روح الكون الواحدة والتي لا تتجزأ، والتي وحده يخلقها ويحتويها ويحيي الجميع«. 16 هو وحده قد أراد فخلق، وهو وحده وُجد منذ الأزل، وليس لوجوده نهاية. ليس له نظير لا في السماء ولا على الأرض«. 17 لم يُشرك الخالق العظيم في قدرته أحدا لا من الأحياء ولا من الأشياء غير الحية، كما علموكم، إذ انه وحده القدرة الكلية«. 18 »هو أراد فكانت الدنيا. وفي تدبير إلهي جمع المياه وفصل عنها اليابسة من الأرض. انه المسؤول عن الوجود الغامض للإنسان، الذي نفخ فيه جزءا من كيانه«. 19 »وهو سخّر للإنسان اليابسة والمياه والوحوش وكل ما خلقه هو وأبقاه في نسق ثابت محددا لكل شيء مدة بقائه«. 20 »ان غضب الله سينفجر قريبا في وجه الإنسان، لأنه نسي خالقه، وملأ معابده بالموبقات وهو يعبد مجموعة من المخلوقات التي أخضعها الله له«. 21 »انه يقدم الضحايا البشرية التي يسكنها جزء من روح الكائن العلي من أجل ان يقدس حجارة ومعادن«. 22 »انه يذل هؤلاء الذين يعملون بعرق جبينهم من أجل أن يبتغي مرضاة من يتربع متكاملا على منصته الفخمة«. 23 »ان الذين يحرمون إخوانهم من السعادة الإلهية سيحرمون هم أنفسهم منها. ان البراهمة »والكشاتريا« سيصبحون »كالسدرا«، ومع »السدرا« سيقيم الإله الخالد الى الأبد«. 24 »لأنه في يوم الدينونة سيُصفح عن السدرا و»الفايزيا« بسبب جهلهم، في حين ان الله على عكس ذلك سيعاقب بغضبه الشديد أولئك الذين انتحلوا لأنفسهم شرائعه«. 25 وتملّك الفايزيا والسدرا الإعجاب الشديد بعيسى وطلبوا منه أن يرشدهم كيف يتعبدون حتى لا يخسروا سعادتهم الأبدية. 26 »لا تعبدوا الأصنام فإنها لا تسمعكم، لا تستمعوا إلى »الفيدا« لأن حقيقتها مزوّرة. لا تضعوا أنفسكم في المقام الأول ولا تذلوا جاركم«. 27 »ساعدوا الفقير، ساندوا الضعيف ولا تلحقوا الضرر بأحد، ولا تستولوا على ما ليس لكم والذي يخص الآخر«. الفصل السادس: الكهنة قرروا قتله 1 ان الكهنة البيض والمحاربين، وقد اطّلعوا على أقوال عيسى الموجهة الى »السدرا« قرروا قتله وأرسلوا بهذا القصد خدامهم ليتعقبوا النبي الشاب. 2 ولكن عيسى وقد حذره السدرا من هذا الخطر، ترك ضواحي »جوكرنوت« ليلا ووصل الى الجبل ووطد مقامه في منطقة »الجوتاميد« مسقط رأس بوذا وفي وسط شعب يعبد »براهما« الواحد والسامي. 3 وبعد أن أتقن لغة »بالي« انصرف عيسى الصالح لدراسة »السوترا« المقدسة. 4 وبعد ست سنوات أصبح عيسى الذي اختاره بوذا لينشر كلمته المقدسة المعبر التام عن التعاليم المقدسة. (هذا كلام البوذيين. لم يذكر عيسى بوذا في أقوالهم. بل حذر من عبادة التماثيل التي تراها العين). 5 ثم ترك نيبال وجبال الهملايا ونزل الى وادي »راجبوتانا« واتجه نحو الغرب مبشرا مختلف الشعوب بالكمال السامي للإنسان. 6 وهو أن يفعل الإنسان خيرا لجاره لأن ذلك هو السبيل الأكيد ليذيب الإنسان نفسه سريعا في الروح الخالدة. »ان من يستعيد طهارته الأصلية« قال عيسى »يموت وقد حصل على الغفران لذنوبه ويكون له الحق بالتأمل بعظمة الله«. 7 وأثناء اجتيازه لأراضي الوثنيين علّم عيسى المبارك من الله أن عبادة الآلهة الذين تراهم العين هي مخالفة لقانون الطبيعة. 8 قال عيسى »لأن الإنسان لم يُسمح له برؤية صورة الله، ومع ذلك آوى أربابا على شاكلة الله الخالد«. (يصنع البوذيون التماثيل لبوذا، وعيسى ينكر عليهم ذلك في نصوصهم). 9 »وفوق ذلك لا يتوافق مع إدراك الإنسان أن يعمل من المواد التي ليست في مستوى عظمة الطهارة الإلهية حيوانات وأشياء تصنعها يد الإنسان من الحجارة والمعادن«. 10 »ان الله الخالد واضع الشريعة هو واحد، وأن لا إله إلا هو. ولم يشرك في الكون أحدا، كما انه لم يفصح عن نواياه لأحد«. 11 »وكما يُعامل الأب أولاده فإن الله يحاسب الناس بعد موتهم بمقتضى قوانين الرحمة لديه. وهو لن يذل ابنه كأن يجعل روحه تتقمص خلال المطهر، جسد حيوان«. 12 »ان القانون الإلهي« قال الخالق بلسان عيسى »يتعارض مع تقديم القرابين الى صورة او الى حيوان، إذ إنني سخرت للإنسان كل الحيوانات وكل ما تحتويه الأرض«. 13 »الأشياء كلها سُخرت للإنسان الذي يرتبط بي بصورة مباشرة وحميمة أنا أبوه. ولذلك من يأخذ مني ولدي سيحاسب ويعاقب بقسوة »وفقا للقانون الإلهي«. 14 »الإنسان هو لا شيء أمام الله الخالد، مثلما ان الحيوان هو لا شيء أمام الإنسان«. 15 »لذلك أقول لكم اتركوا أصنامكم ولا تمارسوا الطقوس التي تفصلكم عن أبيكم وتربطكم بالكهنة الذين تخلّت عنهم السماء«. 16 »ان هؤلاء هم الذين قادوكم بعيدا عن الله الحقيقي وهم الذين بخرافاتهم وقساوتهم أفسدوا روحكم وأفقدوكم كل معنى خلقي«. الفصل السابع: تحطيم الأصنام 1 انتشرت كلمات عيسى بين الوثنيين في البلدان التي مر بها، وتخلى السكان عن أوثانهم. 2 وقد رأوا محاولة الكهنة عندهم لإخضاعه هو الذي مجد اسم الله الحقيقي، وهو الذي كان بحضورهم يسفه أفكار هؤلاء الكهنة ويظهر تفاهة أصنامهم. 3 وأجابهم عيسى بقوله: »إذا كانت أصنامكم وبهائمكم قادرة وتمتلك حقاً عزماً يفوق الطبيعة فلتسحقني«. 4 أجابه الكهنة: »قم لنا بمعجزة، وليهزم ربك آلهتنا إذا ما أوحت له بأنها تزدريه«. 5 إلا أن عيسى قال عند ذاك: »ان معجزات إلهنا توالت منذ اليوم الأول الذي خُلق فيه الكون. انها تحدث كل يوم وكل ثانية. وإن من لا يرى هذه المعجزات يكون قد حُرم من إحدى أجمل هبات الحياة«. 6 »ان غضب الله لا ينصب على قطع الحجارة والمعدن أو الخشب التي لا حياة فيها، وإنما على الناس الذين إذا أرادوا خلاصهم فعليهم أن يحطموا كل الأصنام التي صنعوها«. 7 »حتى الحصاة وحبة الرمل التي هي لا شيء في نظر الرجل تنتظر، بصبر، اللحظة التي سيأخذها ويصنع منها شيئاً«. 8 »لذلك على الإنسان أن ينتظر النعمة الكبيرة التي سيمنحها له يوم الدينونة«. 9 »ولكن الويل لكم، يا أعداء الناس، إذا لم يكن الذي تنتظرونه نعمة وإنما الغضب الإلهي الويل لكم إذا كنتم تتوقعون المعجزات لتشهد بقدرته«. 10 »إذ إنه لن يحطم الأصنام عند سورة غضبه وإنما الذين أقاموا هذه الأصنام. إن قلوبهم سوف تحرقها النار الأبدية، وإن أجسادهم الممزقة ستذهب لسد جوع الوحوش البرية«. 11 »ان الله سيطرد الفاسدين من بين عباده ولكن سيستعيد من بينهم أولئك الذين ضلوا، بسبب انهم لم يتبيّنوا الجانب الروحي في نفوسهم«. 12 وبعد أن تبيّن للوثنيين عجز كهنتهم، ازداد إيمانهم بأقوال عيسى، وخوفاً من غضب السماء حطموا أصنامهم الى قطع متناثرة. أما الكهنة فقد هربوا خوفاً من انتقام الشعب«. 13 وتابع عيسى تعليمه للوثنيين بأن لا يجهدوا لرؤية الروح الخالد بأعينهم وإنما ليحاولوا أن يشعروا بها في قلوبهم وفي صفاء أرواحهم ليصبحوا جديرين بأنعامه. 14 قال لهم: »لا تمتنعوا فقط عن تقديم الضحايا البشرية، وإنما لا تضحوا بأي مخلوق أعطيت له الحياة، اذ ان كل ما هو موجود قد خُلق لمنفعة الإنسان«. 15 »لا تسرقوا أغراض جاركم لأن بذلك تحرمونه مما حصل عليه بعرق الجبين«. 16 »لا تخدعوا أحدا حتى لا يخدعكم أحد. حاولوا أن تصلحوا أنفسكم قبل يوم الدينونة وإلا يكون آنذاك قد فات الأوان«. 17 »لا تغرقوا أنفسكم في الملذات فإن في ذلك انتهاكا لشرائع الله«. 18 »انكم ستصلون الى السعادة الكبرى ليس بتطهير أنفسكم فحسب، وإنما بإرشاد الآخرين الى الطريق التي تمكّنهم من الحصول على الكمال الأصيل«. (*) كتابهم المقدس.