الراهبات الحبيسات من حيفا إلى حريصا العالم من خلف شبّاك حديدي **** وحده الوجه الذي اكتست ملامحه ابتسامةً عريضةً، ظهر من الجسد الغارق في ثوب السيدة العذراء، فيما تكفل المنديل الأبيض بإخفاء الشعر والأذنين والرقبة. إنها احدى »الراهبات الحبيسات« او »راهبات الكرمليت المحصنات« تستقبل عائلتها من وراء الشباك الحديدي الذي يشكل الحد الفاصل بين العالم الخارجي وبين »دير والدة الإله والوحدة«. لم تكن تعابير وجه الصبية التي دخلت الدير في حزيران الماضي تتناغم وارتباك والدتها في الجهة المقابلة. كانت الام على الرغم من محاولتها إخفاء تأثرها، ضحية توتر أفلت منها ليشل حركتها حينا، ونظراتها حينا آخر. كيف لا وهي منذ ان قررت ابنتها ان تكون راهبة محصنة او »جاءت رسالتها« كما يفضّلن القول لا تراها الا مرة واحدة في الشهر ومن وراء شباكين حديديين يبعد كلاهما عن الآخر حوالى خمسين سنتيمتراً. تخرج الراهبة المحصنة او »الحبيسة« من »حصنها« فقط في الحالات الطارئة والتي لا يمكن للدير ان يلبيها مثل العمليات الجراحية. وعندما تغادر الراهبة المحصنة منزل ذويها لا تعود اليه أبدا حتى حين تموت إذ يتم دفنها في الدير أيضاً، كما ان اهلها لا ينعمون بفرصة ضمها او ملامستها مرة واحدة في حياتهم. يبدو الامر صعبا »وخصوصا على الأهل« كما تقول والدة احدى الراهبات وهي تمسح دموعها »ولكنه اختيارها، والله أراد تقديسي باختيار ابنتي لهذه الرسالة. وهي سعيدة وهذا المهم«. »أعود الى كنيسة الدير فأراها كل يوم أحد وهي »تتناول« من وراء الشباك الحديدي، كما أواظب شهريا على زيارتها والتحدث اليها«، تنهي الام كلامها وتنفض يديها كمَن يعلن عجزه عن المزيد وترحل. يصعب الحديث عن الراهبات »الحبيسات« كأفراد، فبمجرد ان تصبح الراهبة محصنة، تتخلى عن اسمها، تبقيه خارج الشباك، إمعاناً في الخروج من العالم الذي يفصلها عنه. »أنا الراهبة التي على الدولاب«؛ انه اسم التي تحدثك عبر نافذة خشبية مزودة بلولب خشبي مقسم الى خانات. تضغط على الجرس، يدور اللولب لينسل صوت هادئ ومتزن قائلا »المجد لله«، قبل ان يسألك عن حاجتك وهدفك من الزيارة. تتواصل راهبات الكرمليت اي الراهبات المحصنات مع العالم عبر اللولب المسمى الدولاب. يأخذن حاجياتهن عبر خاناته ويعطين ما يشأن عبرها أيضاً. حين تكون المشتريات أثقل من قدرة الدولاب على الدوران بها، تفتح احدى الراهبات الباب من دون ان يظهر منها أدنى تفصيل، بما في ذلك وجهها، تطللب من العامل إدخال الأغراض الى باحة الدير فقط. ومن هناك تتعاون الراهبات على حمله. يعود تاريخ وجود »دير والدة الإله والوحدة« في حريصا في لبنان الى العام 1962، بعد أربعمئة عام على تأسيس الدير الام في منطقة أفيللا في اسبانيا على يد القديسة الام تيريزيا الكبيرة »التي أعطت النفحة المحصنة الى هذه الدرجة لرهبنة الكرمليت وأوصلتها الى حدود النسك والتصوف وصولا الى مساعدة العالم عبر الصلاة...«. هكذا تقول الراهبة التي دخلت الدير منذ العام 1978 ولم تخرج منه الا مرة حين خضعت لجراحة لأذنيها واخرى حين ذهبت لتبصم على هويتها الجديدة. واحد وعشرون عاما، أليست مدة طويلة؟؟... تجيب وابتسامة شفافة تعلو وجهها الشاب النضر، »لا نحسب أعوامنا بهذه الطريقة، نحن وكما قالت القديسة تيريزيا الصغيرة، (وهي فرنسية غير الكبيرة الاسبانية) »بقلب أمي الكنيسة سأكون الحب« ونحن نسعى الى هذا الهدف، نصلي لنكون الصلاة نفسها ولنتحد مع ربنا، وعندها نصل الى اسمى قمة الرسالة، هناك يمكننا القول »إنني لستُ حيّا وانما المسيح حيّ فيّ«... ولكن أليس من الصعب تحمّل هذا الوضع؟؟. تجيب الراهبة بالابتسامة عينها، »ليس صعبا لمَن تحمّل الرسالة، فحين تأتي رسالة إحدانا، فهذا يعني انها ستشعر بالفرح الداخلي وبالسعادة الحقيقية في كل ما تفعله. حين تتخذ الراهبة منا السيدة العذراء مثلها الأعلى بعد يسوع، فإنها تكرس نفسها لخدمة الكنيسة، فنحن ليس لدينا رسالة خارجية ككل الراهبات، رسالتنا تسند الكنيسة. إننا مثل الجذوع المخفية التي تمد الشجرة بالحياة، والكنيسة شجرتنا ونحن جذوعها وبنا تستمر«. لدى الراهبات فلسفة اخرى للحياة الحبيسة تعود بجذورها الى خطيئة الانسان الأولى التي أدت الى تفككه والى تشتيت قدراته وميوله التي كانت موجهة الى الله وحده. ومع الخطيئة، أضحت تتجاذب الانسان ميول متعددة لتبعده احيانا عن الله، »نحن نهدف الى جمع كل الميول المشتتة وتصويب اتجاهها نحو الله ونحوه وحده... وعندها نشعر بالفرح ونختار رسالتنا على هذا الاساس«. ولكن كيف يتم اختيار الراهبات المحصنات؟؟ تقول رئيسة الدير »إن مَن تأتيها رسالتها، تختارنا ونحن لا نبشّر ولا نبحث عنهن«. تأتي الراغبة بالرهبنة، تجري مقابلتها، وأحيانا كثيرة من المقابلة الاولى يتم التأكد من اختلاف رسالتها عن رسالة الراهبات المحصنات، عندها يتم ارسالها الى رهبنة اخرى او الى دير آخر. عندما تجد رئيسة الدير والراهبات القديمات بوادر الرسالة في احدى القادمات، يتم فتح باب الدير لتدخل... يلزم الراهبة الجديدة من سنة ونصف سنة الى سنتين ونصف سنة لتنذر نذورها الأولى المؤقتة. وتتم خلال هذه الفترة مراقبة او ملاحظة أحاسيسها وانفعالاتها ومشاعرها ومدى تأقلمها مع الحياة الجديدة ومع الرسالة التي انتدبت نفسها لها. الفرح هو أولى علامات الانسجام مع الغاية والهدف؛ »من تبدو حزينة وشاردة ومضطربة، تنقصها الرسالة الكاملة، وقد يكون بإمكانها الحياة كراهبة عادية ولكن ليس كراهبة محصنة حبيسة...«. »فتح باب الدير للخروج أسهل من فتحه للدخول«. »وللراهبة الحق في الخروج من الدير وترك حياته متى تشاء... إنه اختيارها وبه فقط تبقى«. تتحدث الريسة التي تتحدث العربية بلكنة أجنبية واضحة، فهي اسبانية أتت الى لبنان، والى هذا الدير بالذات في العام 1962 ولم تغادره الا في الحالات الطارئة. يبدأ يوم الراهبات الحبيسات عند الخامسة من فجر كل يوم. يرفعن الصلاة وينصرفن إلى أعمالهن. تتوزعن الى فرق عمل. البعض يهتم بحديقة الدير ومزروعاته من الخضار وأشجار الفاكهة، »فنحن لا نشتري الفواكه من السوق، نأكل من عريشة العنب الوحيدة عندما تثمر ومن شجرتي الخوخ والإجاص... لا ندفع الأموال على الكماليات ولكننا نأكل الحلوى والفواكه الأخرى من الهدايا والعطاءات التي يحملها الينا زوارنا والعائلات الميسورة التي تساعدنا«... أما الجزء الآخر من عملهن فيتركز على الاشغال اليدوية والحياكة.. »نحن نخيط أثواب الخوارنة والرهبان للرهبنات الاخرى ونتقاضى ثمنها.. كما اننا نبيع من منتجاتنا اليدوية ومن انتاج دجاجاتنا، قدر الإمكان، أي ما يفيض عن استهلاكنا...«. لا تأكل الراهبات الحبيسات أنواع اللحوم كافة باستثناء السمك... »نتغذى بطريقة نحافظ فيها على قدرتنا على الاستمرار بصحة جيدة، من دون ان ننسى تقشفنا ونذرنا الإماتة...« (أي تناول ما يكفي للبقاء على قيد الحياة). يعيش في الدير اليوم احدى وثلاثون راهبة محصنة وهو رقم يفوق قدرة الدير على الاستيعاب »ولكننا استوعبنا هذا العدد لأننا ننوي إنشاء دير آخر يحتاج الى فريق جاهز«. ولم يحدد موعد لبناء الدير الجديد، فالراهبات ينتظرن »إشارة الله«. لا يتجاوز عدد الراهبات المحصنات احدى وعشرين راهبة في العادة »وذلك حفاظا على الهدوء والسكينة المطلوبين، إذ تخصص غرفة لكل راهبة لتتمكن من الصلاة ومن التواصل الروحي مع الله...«. تقيم الراهبات الحبيسات الذبيحة الإلهية مرة كل أسبوع ويرأس القداس خوري من الرهبنة البولسية، التي دعا رئيسها الأب بول أشقر في العام 1962 رهبنة الكرمليت الى المجيء الى لبنان. يومها منحت الرهبنة البولسية أرض الدير الحالية للراهبات العشر اللواتي أتين من أديرة مختلفة في اسبانيا. بَنَتْ الراهبات ديرا صغيرا اتسع مع الوقت. تعلمن العربية للتواصل مع المحيط. ماتت ثلاث راهبات منهن وتم دفنهن في الدير، فيما لم تزل سبع راهبات اسبانيات في الدير حتى اليوم والرئيسة واحدة منهنّ. لا تخرج الراهبات الحبيسات من وراء الشباك الحديدي حتى في القداديس، حيث يتناولن القربانة من وراء الحاجز... إلا في حال ترأس القداس بطرك.. او زار الدير بطرك او كاردينال او البابا نفسه. وكان البابا يوحنا بولس الثاني لدى مجيئه الى لبنان في العام 1997 قد زار الراهبات المحصنات في ديرهن. تقدم الراهبة الحبيسة نذورها المؤبدة بعد ست سنوات على دخولها الدير، يقام قداس احتفالي بالمناسبة، يدعى اليه الأهل والأصدقاء... ولكنها أبدا لا تخرج من وراء الشباك الحديدي... بعد تأدية النذور المؤبدة، ترتدي الراهبة منديلا أسود فوق منديلها الأبيض في إشارة الى إخلاصها الأبدي ليسوع ولرسالتها. ولا تخلع الراهبات »ثوب العذراء« الطويل ومناديلها إلا عند الخلود إلى النوم... ولكن هل يحق للراهبة التي أدت نذورها المؤبدة ان تتراجع وتترك الدير وحياته المحصنة؟؟. »دائما بإمكانها الخروج ولكنها بعد النذور الأبدية تخطئ بحق يسوع... لأنها وعدته وعادت وتركته... تصبح كمَن يُطلق ويعود عن الارتباط...«.