As Safir Logo
المصدر:

الحب بعد الاربعين لانني احيا(صورة)

المؤلف: شمس ضحى التاريخ: 1999-02-16 رقم العدد:8225

الحب بعد الأربعين؟ لأنني أحيا... ****** إذا كان شعورنا بالاستفزاز هو الذي حرك فينا السؤال عن سبب تناول الصحافة لعيد العشاق من بوابة الشباب صغار السن، وكأن الغرام هو حق هذه الفئة دون غيرها، فإن هذا التساؤل افضى بنا الى ملاحظة هامة جداً، وهو ان الموضوع كان دائماً هكذا: في الاعلانات في الملصقات وليس التناول الصحفي إلا انعكاس لما هو مكرس: عيد العشاق هو لفئة »الطعش«. اي لمن هم تحت العشرين او فوقه بقليل! مما يعزز الصورة السائدة، من أن الحب هو حق بديهي لهذه الفئة دون غيرها من خلق الله! وكأنها هناك ارتباط بين الحب، و... حب الشباب مثلاً، او بينه وبين خلو الوفاض وعدم الاستقرار. وكأن به سلوك »أهوج«، لكنه محبب لانه يذكرنا »بشبابنا« قبل ان يزول الحب بالزواج والاستقرار الجديين والعابسين. ومما يعزز هذه الصورة، ان كل من قرأت عنهم بهذه المناسبة هم من... العازبين!! كما لو ان من شأن الزواج »انهاء« الحالة الغرامية بما يسمى »بالهابي أند« اي النهاية السعيدة. وهي، وان كانت سعيدة، إلا انها لا تخرج عن كونها نهاية. فيتحول تعريف الحب، استنتاجاً واستنباطاً الى الرغبة غير المحققة بالوصال. او الوصال غير المعترف به، السري! وبالتالي فهو يتعارض مع الزواج بما هو اشهار وإستقرار اجتماعي. وربما كانت الصورة »الكليشيه«، الاشهر التي تعبر عن هذه الفكرة المضمرة، هي مشهد الأب في الافلام المصرية القديمة الذي يطلب من ابنته المغرمة، التخلي عن عاشقها والزواج بعريس لقطة، فتصرخ بالجملة الشهيرة: بحبو يا بابا، ما اقدرش! فيصفعها وهو يقول: »بلاش حب وكلام فارغ«!. منذ متى لم نطرح على أنفسنا هذه الاسئلة البسيطة: ما هو الحب؟ ماذا نريد منه؟ كيف نحب؟ وما هو التغيير الذي طرأ على مفهوم الحب ونحن مصرون »إلحاحاً« على الاقتداء بتقاليد وتعابير الطريقة القديمة المنمطة في الحب، في حين ان التغييرات التي طرأت منذ عقود على الرجل والمرأة كافية لتحقيق التعاسة لكليهما لو لم يعيدا النظر فعليا بمفهومهما للحب؟. وهل تصلح صورة الحب السائدة ونماذجه المتداولة في المخيلة الجماعية لاحلامنا كأفراد اليوم؟؟. ماذا يحل اليوم بعاشق مثلاً، يغازل حبيبته عبر اصطحاب فرقة موسيقية للعزف تحت شرفتها؟ الارجح ان الشرطة ستحرر بحقه محضر مخالفة اقلاق راحة عامة، خاصة إذا ما كانت تسكن في الطابق العاشر مثلاً...!!. يقول موسى (45 عاما أب لمراهقين) في تعليل رواج هذا النمط عن الحب انه يجب البحث في... الافلام العربية! يريد بذلك الافلام المصرية القديمة: »لقد أُغرم جيلنا متتبعا »ارشادات« الافلام العربية. النظرة، اللفتة، امكانية الوصول الى آخر مراحل الحب من دون حصول لمسة واحدة. وفي الوقت نفسه يجب الا تفكري ان هذا الحب وهم. أبداً، لكن كانت له معان اختلفت الآن. لا افهم اليوم كيف يقول شاب للفتاة: »روحي يا سئيلة«. مثلا. هذا كلام لا يقال لفتاة، فهو يزيل السحر عنها. كانت المرأة التي نحبها تتحرك داخل حقل من الرموز من صنعها هي. رموز مبعثرة ومحملة بشحنات عاطفية هائلة لانها آتية من ثقافة غرامية ما، هي التي صنعت المشاعر. أنا حتى اليوم لا استطيع ان اعيش الغرام كما يفهمه جيل اليوم من انه »حصول الوصال«. نحن طبعا، كنا نحب الوصال كثيراً (يضحك) لكن من ناحية اخرى كنا نحس ان البنت هي حقل مرغوب جدا وممنوع منعا باتا. وكان هذا التجاذب بين الرغبة والمنع يلد قدرة هائلة على التخيل. اعتقادنا مثلا ان هناك مسافة عظمى تفصلنا عن لمس فخذ امرأة، تجعل لاي فخذين يتمشيان بالشورت مثلا توهجا رائعا«. وبعيدا عن عيون موسى التي ما زالت ترغب بالغرام بالأسود والأبيض (الخاص بالافلام العربية القديمة)، تقول سارة (46 عاماً أم لشاب ومراهقة) ان فكرة الحب السائدة بما هي توازن قوى بين الطرفين هي الاساس في تخصيص الصغار بصورة الحب. لان عمر الشباب بما هو مرحلة تكوّن يساعد على حصول تنازلات بين قوتين متصارعتين. وعندما »ينجح« هذا التوازن يحصل الزواج. اما عندما يكبر الانسان الفتاة خاصة يصبح الوصول الى هذا الاتفاق الضمني اصعب. لذلك يحبذ الرجال الزواج من فتيات صغيرات مثلا. وتردف: »هذه هي فكرة الحب السائدة دون الدخول في تفاصيل. لحظة السعادة هي التوصل الى توازن القوى بين الطرفين، والتوصل الى كيفية التمكن من الضغط على الآخر دون فقدانه للحصول على ما تريد«. أما الحب بالنسبة إليها فهو العثور على »صنو الروح«: »شخص ينتمي بدرجة عالية الى عالمك الحميم. لدرجة تحسين معها انك نشأت مع هذا الشخص ثم كنت قد اضعته وعدت فوجدته«. وتقول سارة انها بهذا الوصف تتحدث عن زوجها الثاني، الحبيب الذي تزوجت منه منذ ثلاث سنوات عندما كانت في الثالثة والاربعين، وتردف: »لست بحاجة الى الذوبان فيه كما تحث اساطير الغرام، ففي فكرة الذوبان بالآخر شيء من الديكتاتورية ونكران الفرد والوحدانية الآتية من الاديان التوحيدية غير القادرة على قبول التعدد كغنى بل اعتباره عداء وخلاف. ليس هناك في ثقافتنا ما يمكن ان يكون تعددا في مكان واحد«. بالنسبة لنجاة (50 عاماً أم لشاب وفتاة) ففكرة الحب المتداولة لم تعن لها شيئا ولا حتى لمرة واحدة في حياتها، او ربما: »عندما كنت في سن المراهقة، حيث الاعتقاد بالسائد هو محاولة انتماء للجماعة وبالتالي الحصول على اعتراف هذه الجماعة بك. أما أنا، فلقد كان لي دائما مفهومي الخاص، غير الثابت للحب. فلقد تطور هذا المفهوم مع حياتي وتجربتي. اما المفهوم السائد الثابت فأراه سطحيا معدا للاستهلاك وسخيف«. وعندما تتحدث نجاة عن حبها لزوجها تصفه بأنه: »الحاضر الذي يحوي تراكم الماضي وآمال المستقبل. مزيج من العاطفة وحب الحياة والطموح الى مستقبل نتشارك فيه مع الآخر، الحبيب. شيء لا استطيع القيام به وحدي ومن دونه. الآن أنا، افكر في نوع السعادة التي اريد ان اعيشها معه. لذلك اعتبر عمري وقفة اعادة تقييم لانطلاقة جديدة. ارغب كثيرا في تكثيف الوقت لاعيشه معه مضاعفا. لا اضيّع اي فرصة، ومستعدة لالغاء اي مشروع آخر مقابل مشروعي الاول في ان اكون الى جانبه«. أما كيف يمكن لمن نشأ على هذا النموذج الغرامي المتداول في ان يحب ويعشق بعد الاربعين والخمسين، تقول سارة: »تعلمين؟ لم اطرح أبداً هذا السؤال على نفسي. من طرحه عليّ هو الناس. بنظرة، بجملة، بدهشة. ولقد احتجت للرد على هذا السؤال لاستعادة كل الصور الجاهزة عن المرأة والرجل بعد الاربعين وان ابحث عن أسبابها. ووجدت ان الاصل في هذا الاعتبار قديما، ان الانسان عندما كان يصل الى الاربعين، يكون قد وصل الى مشارف نهاية حياته. اما اليوم ومنذ عقود، فالاربعين ليس إلا منتصف العمر اذا لم يكن أقل. وعندما استعيد في ذهني واقارن بيني وبين غيري، أرى ان ما جعلني اقدم على الحب تلقائياً، هو احساسي بأنني وبكل بساطة، احيا! لا احس انني كبيرة في السن، واعشق الحياة. في حين ان آخرين قالوا: خلص. عندما يستسلم الانسان لهذه ال»خلص«. يبدأ موته. حتى ولو كان ناجحا مهنيا. وهم يقولون خلص ربما عن كسل، او قلة مخيلة او للاعتقاد بأن نموذج الحب المتداول هو الحب! وربما لو عرف الإنسان ما هو معنى الحب لاستطاع تخيله وتمنيه وسعيه إليه«. ثم تقول: »النقطة الجوهرية في الاقتدار على الحب هو ان يكون لديك الخيال والسذاجة والصدق والقدرة للاستمرار على قيد الحياة وممارسة هذه الحياة. عندما تغلقين هذه النوافذ، وواحدة منها هي نافذة الحب، تكونين قد قررت الاستقالة والتخلي عن حقك. وعندما تتخلين عن حقك في الحب والسعادة تتخلين عن حقك في التجلي الحقيقي في اي مجال كان. فالقرار بالحياة ليس جزئيا. وأبعد الناس عن الحب هم اصحاب الحركة المتكررة بعلاقتهم بالبيت او الناس او المهنة. ينسجون بالتكرار حلقة تصبح حياتهم بدلا من ان تكون طريقهم الى الحياة«. أما موسى، فيقول ردا على سؤال لماذا لا يتوافر لدينا نموذج متداول للحب بعد الاربعين، فيرد: »صعبة في بلادنا وثقافتنا وأفلامنا. عادة يجب ان »يستحي على كبرو«. في هذا السن تصبح القضايا سرية. فلكل الناس محاولات غرامية بعد الاربعين لكنها تعتبر سرية«. ثم يردف: »لاحظي ان قسماً اساسيا من بهجة غرام الشباب هو الاحتفال بالغرام مع الاصحاب. تعمّ البهجة الحي كله من الدكنجي الى اللحام الى الناطور... في حين تضيق هذه المساحة مع تجاوز الاربعين. فعادة يكون الإنسان مرتبطا في هذه السن. أما اذا لم يكونوا مرتبطين فالهم الاول هو المهنة او المركز الاجتماعي«. وبانتظار ان يظن موسى ان من حقه ان يغرم بعد سن الاربعين دون تقمص شخصية الشرير المتزوج الذي يغوي الفتيات الصغيرات كما في الافلام المصرية القديمة، نقدم له ولكم هدية عيد العشاق: صورة نلسون منديلا وحبيبته ماشا.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة