As Safir Logo
المصدر:

اربعة اعوام على وفاته جبرا ابراههيم جبرا مشاء شارع الاميرات(صورة)

المؤلف: منيف عبد الرحمن التاريخ: 1999-02-12 رقم العدد:8222

أربعة أعوام على وفاته جبرا إبراهيم جبرا مشّاء شارع الأميرات ******* دوّن جبرا إبراهيم جبرا، في كتابين مستقلين، وتحت عنوان السيرة الذاتية أو أجزاء منها، قسما من سيرته الذاتية. وإذا كان كتاب »البئر الأولى« قد تناول الطفولة، حتى الثالثة عشرة من عمره، فإن الكتاب الثاني وهو »شارع الأميرات« كرّس، بشكل أساسي، للفترة الأولى من إقامته في بغداد، بعد النكبة الفلسطينية، واقتصر هذا الكتاب على سنة أو سنتين من حياته الجديدة، مع ارتدادات سريعة الى حياته في فلسطين، بعد »البئر الأولى« ثم لقطات من حياة الدراسة في إنكلترا. إلى جانب هذين الكتابين، بث جبرا مقداراً غير قليل من »السيرة« في ثنايا ما كتب، أولاً في الروايات، ثم في الكتب النقدية. وهذا المقدار يحتاج الى جهد دراسي لجمعه ثم مقاطعته بمعلومات أخرى، تمهيدا لتوثيقه، لأن مجموع ذلك يلقي الأضواء على مسيرة هذا المبدع الكبير، ويضع كامل السيرة في سياق منسجم ومتناسق. وإذا كان الكثيرون قد فتنوا وفوجئوا بما كتبه جبرا في »البئر الأولى«، وتمنوا أن يواصل كتابة سيرته الذاتية، حتى الأيام الأخيرة، بنفس الطريقة، نظرا لغنى هذه السيرة وعذوبتها وجمالها، ولأنها تعكس في جوانب مهمة، تاريخ مرحلة، وحياة أكثر من جيل في أكثر من مكان، فإن ازدحام حياة جبرا، وتنوع اهتماماته ومشاغله، ثم تلك الرغبة التي لا تتوقف في اكتشاف الحياة والفن، وعيشهما بعمق، وأيضاً اكتشاف أساليب جديدة في الكتابة، جعلته يقدم نموذجا آخر، وهو يتعامل مع هذه السيرة، خاصة ان هذا اللون من الكتابة لم يدخل بعد، في صلب اهتمام الأدب العربي المعاصر إلا على شكل ومضات خجولة ومتباعدة. كان وراء افتتان الكثيرين، ومفاجأتهم، في »البئر الأولى«: الجرأة في التناول، ثم إعادة اكتشاف هذا المبدع في مراحل تكوينه الأولى، مقارنة بالصورة التي كان يراد وضعه في إطارها بشكل تعسفي. وهكذا بدد جبرا الكثير من الأوهام، وظهر لكل من يريد ان يعرفه معرفة حقيقية شخصاً قُدّ من الفقر، وواجه المصاعب، ومشى حافيا، بعض الأحيان، وهو يذهب الى المدرسة. وبالتالي فإن الأوصاف والصور التي كانت تروّج، ولا تزال، لتصنيف المبدعين، لعل باعثها بالدرجة الأساسية التصنيف السهل أو المتسرع، خاصة ان الضجيج السياسي الذي ساد مراحل عديدة في تاريخنا المعاصر، حجب الكثير من الحقائق، أو اعتمد السهل والرائج من المقاييس في التعامل مع القضايا والقامات التي كانت تستعصي على القوالب الجاهزة. إن الإطلال على عالم جبرا، الغني والمتعدد، في مراحله المختلفة وأماكنه العديدة، يتطلب جهدا مشتركا من الذين عرفوه ورافقوه، وأيضا من الذين يدرسون تاريخ المرحلة والمنطقة، خاصة في جانبه الابداعي، لأن تدوين هذا التاريخ بمقدار ما يلقي أضواء على جبرا المبدع، فإنه يلقي أضواء هامة على المخاضات الكبرى وترسيمات تلك المرحلة في مجالات إبداعية هامة، تحديدا في الشعر والرواية والنقد التشكيلي، لأن جبرا إبراهيم جبرا يعتبر أحد المساهمين الكبار في إعطاء هذه الحقول الابداعية ملامح ومسارات معينة. مهمة من هذا النوع لا تحتمل التأخير، لسبب أساسي: لأن عددا من الذين رافقوا مسيرة جبرا الابداعية، وربما منذ بدايتها، لا يزال حيا، ولديه ما يقوله، ويحضر في الذاكرة، الآن أخوه يوسف وإحسان عباس، ثم تتوالى الأسماء منذ أن وصل الى العراق، رفعت الجادرجي، البياتي، التكرلي، شاكر حسن، ناظم رمزي، قحطان عوني، مكية، عبد العزيز الدوري، أحمد صالح العلي، بكر عباس، خالد القصاب، دنيس جونسون ديفيز، عاصم سلام، مظفر النواب، وآخرون عرفوا جبرا في مراحل متعددة. هذه المهمة بمقدار ما تتناول جبرا الإنسان والمبدع، فإنها بمثابة المرآة التي نستطيع من خلالها أن نرى الكثير، قبل أن يتقدم الزمن ويغيب الشهود. ثم إن المساهمين في الحقول التي أشرنا إليها، أي الشعر والرواية والنقد والفن التشكيلي، لديهم الكثير ليقولوه، سلبا وإيجابا، عن المرحلة التاريخية، الأمر الذي يساعد على كتابة تاريخ حقيقي للمرحلة، على الأقل في الجانب الأدبي والفني. فإذا تم تدوين هذه الشهادات من خلال الإدلاء بها، سواء على شكل مذكرات أو ذكريات، فإن من شأن هذا إذا تم، أن يزوّدنا بكمّ وافر من المعلومات والوقائع، ويجنبنا الاجتهاد والتقدير، أما بعد غياب الشهود الحقيقيين، ونظرا لعدم وجود التقاليد والوثائق، أو لتحريفها والتلاعب بها، فلا بد من ان يخلق الكثير من التداخل والتشويش، وبالتالي ان يعاد كتابة التاريخ، في هذا الجانب، وفقا لرغبات الأقوياء والمتنفذين أو لأصحاب الأسماء التي صُنعت وفقاً لمقاييس معينة. يضاف الى ما تقدم، ان روح القبلية وبالتالي التعصب، من جملة صفات العصر العربي الذي نعيش فيه الآن، إذ ان انتساب المبدع العربي الى قبيلة سياسية أو الى كانتون سياسي راهن، هو الذي يحله المكانة أو يعطيه الجدارة. وأي مبدع يخرج عن السرب، أو لا يكون »دخيلا« لدى أحد هذه الكانتونات، يحاول تغييبه، أو يصعب تصنيفه، مما يولد التباسا في قراءة المرحلة، أكثر مما يولد التباسا في قراءة المبدع، لأن ما يتركه المبدع من آثار هو الذي يدافع عنه ويحله المكانة التي يستحقها. خارج السرب جبرا أحد الذين خرجوا عن السرب، وأكثر الذين رفضوا الدخالة، بالمفهوم القبلي، فقد كان، منذ ان وطئت قدماه أرض العراق عام 1948، جديدا ومختلفا، إذ بمقدار ما كان نزيها ومخلصا في خدمة الثقافة التي عاش في ظلها، فإنه لم ينكر ولم يتنكر، سواء للثقافة الأوسع، أو لجذوره وبداياته الأولى. ومع أن العراق كان أحد الأماكن القليلة في الوطن العربي الذي يحتفي بكل ما هو عربي، ويستقبل الذين يريدون اعتباره موطناً، إلا أن القبائل السياسية ضمن أفكارها ومقاييسها، لم تكف يوماً عن محاولة اجتذاب الطيور التي خرجت من أسرابها. وأي طير يرفض ذلك يعرض نفسه لمصاعب وتحديات، لا تطيقها كل الطيور المهاجرة أو المتمردة. جبرا منذ أن وصل العراق كان يقول بجهير الصوت إن العراق امتداد للوطن الذي يحبه ويؤمن به، لكنه ليس بديلا من فلسطين أرض الزيتون، الأمر الذي جعله في منتصف المسافة بين القبائل، وهذا ما سبب له مقدارا غير قليل من صعوبة التصنيف، وتاليا التقييم. لا يعني ذلك ان جبرا كان محاربا أو مغبونا، بل كان عصيا على التصنيف، وكان من الصعب وضعه في خانة أو في حيز ضيق، خاصة في الأقفاص المسبقة الصنع، ليصبح في النتيجة صوتا أو امتدادا لوضع معين، جغرافي أو سياسي، وهذا ما أدى الى أخطاء في فهمه، وبالتالي في تصنيفه. حتى الإطار الفلسطيني، القبلي، لا مكان لجبرا فيه، تماما كما هي الحال بالنسبة لمحمود درويش او ادوارد سعيد. صحيح ان أياً منهم لا ولم ينكر هويته ولم يتخلَّ عنها، لكن أياً منهم أكبر بامتداده وتأثيره من تلك الكانتونات التي يحاول تسويرها ثم تأبيدها، وأيضا أكبر من تلك التصنيفات التي يراد من خلالها التعرف عليهم أو التعريف بهم. ولعل جبرا، بحكم الإقامة، أكثر الثلاثة الذي حاول أن يندمج في مناخ بمقدار ما هو خاص فهو عام. ومن هنا فإن آثار إقامته في العراق ولدت صيغة لما يجب أن يكون عليه الإبداع العربي، وغيرت في مسارات فنون معينة، يصعب وجودها لولا السمات الشخصية التي ميزت هذا المبدع في مرحلة تاريخية بالذات. إن ذلك، رغم ارتباطه بالسيرة، متعلق بالتاريخ الأدبي والفني لهذه المرحلة مما يحتمل ترك الأمر ورهنه بالمستقبل، خاصة ان جبرا لم يتطرق مباشرة، لهذا الوضع، لقناعته بأن صنع الاشياء وتقديم المثل والنموذج، أفضل من الدفاع أو التبرير. فإذا اعتبرنا ان »البئر الأولى« سيرة ذاتية لمرحلة جبرا الفلسطينية، فإن »شارع الأميرات« سيرة ذاتية لبعض المرحلة العراقية، البغدادية في فترة الخمسينيات، بشكل خاص، وفي أحد منعطفاتها الأكثر أهمية وخطورة، وهذا ما يستدعي وقفة لإلقاء حزمة ضوء على مرحلة من مسيرة هذا الانسان المبدع. المشّاء كان جبرا مثل أحد معلّميه القدامى: سقراط، أحد المشائين الكبار، لأن »الأفكار تأتيه على إيقاع السير وتتهاوى الذكريات وتتسارع الخواطر« و»يسعدني ان أقول إنني منذ بداياتي، من عشيرة هؤلاء المشائين. ففي طفولتي وحداثتي حتى سن الخامسة عشرة، لم أركب عربة أو سيارة إلا مرات معدودات متباعدات. وكانت روحاتي وعوداتي الى الدار والمدرسة على القدمين«. وشارع الأميرات أحد أجمل الشوارع في القسم الغربي من بغداد، وقد سكن جبرا الشارع القريب والموازي له. و»قامت علاقة حب عميق بيني وبين شارع الأميرات« لأنه »يتميز بانفتاح معظمه من ناحيته الغربية على امتداد الأراضي المكشوفة التي أنشئت فيها ساحة السباق وملحقاتها، كما يتميز بمبانيه السكنية الأنيقة على الناحية الشرقية منه، والجزء الجنوبي من ناحيته الغربية. ولئن تظلل أشجار النخيل قسماً من امتداده الجنوبي، فإن معظم رصيفيه مظلل بأشجار اليوكابتوس الوارفة، وقد علت وكبرت مع الزمن«. بعد أن توثقت علاقتي بجبرا، ولأني مثله من المشائين، فقد أصبح »شارع الأميرات« المضمار الذي نذرعه ونقضي فيه وقتا قليل. كنا نفعل ذلك في عصاري الأيام المعتدلة، أو في أول مساءات الأيام الحارة، وكنا ننتهي في أغلب هذه المسيرات عند الفنان ناظم رمزي أو عند أحد الفطاسيين: قتيبة الشيخ نوري أو علي كمال، بعد أن نكون قد تحدثنا طويلا في أمور شتى ونواصل هذا الحديث أو ما يمثله عند هذين الصديقين اللذين كانا فنانين بمقدار ما كانا طبيبين بارعين. ما فاتنا من أحاديث، أو ما لم نستكلمه في شارع الأميرات، تابعناه لاحقاً في شوارع باريس وحدائقها، في العقد اللاحق، عقد الثمانينيات، حيث تعوّد جبرا زيارة باريس خلال ذلك العقد. كنا في أحد هذين المكانين نقضي ساعات طويلة كل مرة، ولا نعرف كيف يمر الزمن أو كيف تتفجر الأفكار والمشاريع، التي تبلور بعضها في روايات كتبتها أو كتبها جبرا، بما فيها »عالم بلا خرائط« روايتنا المشتركة، والتي ما كان لها أن تُكتب لولا ساعات المشي الطويلة، وتلك المناقشات المتواصلة. كما أن مشاريع روايات أخرى فكرنا فيها وخططنا لها، وكنا نؤمل أن يسعفنا الزمن، ويكون كريماً معنا، لكي يساعدنا على إنجاز كل أو بعض ما كنا نحلم به، لكن الزمن قادنا في شعاب ملتوية طويلة، وجاءت بعدها الفواجع، خاصة الحروب، لتعجل برحيل جبرا، وتبقى الأفكار والمشاريع مجرد أحلام عبرت رؤوسنا في شارع الأميرات أو في غابة بولونيا الباريسية! في إحدى عصاري 1976، وكنا على موعد لبدء مسيرتنا في شارع الأميرات، رأيت جبرا متلبثاً ينتظر في الشرفة الأمامية لمنزله، وكان قد انتهى لتوّه من قراءة »حين تركنا الجسر«. ما كدنا نلتقي حتى قال لي: »سيكون مشينا هذا اليوم مختلفا عن أيام سابقة، لأن الخوض في أوحال ومياه المستنقع ليس سهلا، وأنا منذ الليلة الفائتة أجد قدمي غارقتين في الأوحال، ولا أتنفس إلا رائحة الرطوبة والقصب... بعد أن انتهيت من حين تركنا الجسر«. وانطلقنا للحديث عن الصيد، تلك الهواية التي استبدت بي بعد هزيمة حزيران، الى ان خفتت ثم تراجعت بعد أن كتبت تلك الرواية. كان الصيد بالنسبة لي، تعويضا. ومع أن جبرا ليس من هواة الصيد، فإن علاقته بالطبيعة بكل مكوناتها من أشياء وكائنات وتقلبات، إحدى العلامات البارزة في رؤيته وكتابته، ولعل طفولته، بالبيئة والتجارب التي عاشها في بيت لحم، العامل الأساسي في هذه العلاقة، إذ كان يتلقى بصدره العاري، أو بملابسه القليلة، تأثيرها ثم أصداءها، وهذا ما نلمسه بوضوح في »البئر الأولى« أولاً، ثم في ذلك الاندماج بالطبيعة أثناء إقامته في إنكلترا، حيث الأمطار والرعود، ثم الغابات والجبال، وكيف كان يندفع الى تلك الأماكن، ليس من أجل اكتشافها فقط، بل وللتفاعل معها والاندماج فيها، على عادة بعض الشعراء الإنكليز الذين أحبهم جبرا، وكان من صفاتهم التوحد مع الطبيعة. وأذكر مرة أخرى، وقد أعطيته »النهايات« ليقرأها، وفي ذات الشرفة الأمامية لمنزله، وقبل بدء المسيرة، طلب أن نجلس قليلا كي يقرأ لي ما كتبه ليكون على غلاف تلك الرواية. لقد اكتشفت خلال تلك اللحظات شيئين إضافيين: مدى معرفة، ثم تعلق جبرا بالبيئة الصحراوية، وثانيا تلك الطريقة الأخاذة في الإلقاء. كان وهو يقرأ تلك الكلمة ينطق بكل جوارحه، تماما كأي مسرحي محترف، بطريقة الإلقاء، بتجسيد الكلمات وإعطائها قواما حيا، وحتى بوقفاته حين يصمت، الأمر الذي يثير الاهتمام ويحدد مدى علاقة جبرا بالكلمة. حرفة الكتابة أما »البحث عن وليد مسعود«، وهي رواية سيرة ذاتية من بعض الوجوه، فقد ترددت أصداؤها مرات عديدة في شارع الأميرات، وكانت لا تزال مخطوطة، بعد أن طلب إليّ جبرا، وإلى توفيق صالح ان نبدي رأيا بخصوص عدد من الأمور، بما في ذلك الجانب السياسي منها، إذ لم يكن مطمئنا الى بعض الصياغات، مع الاشارة ان جبرا ضنين بإطلاع أحد على ما يكتب قبل أن يأخذ صيغته الأخيرة، وقبل أن يكون مطبوعا. إن حس الناقد لدى جبرا شديد الحضور، بالغ الرهافة، وهذا ما يجعله يقلّب الفكرة، بل وحتى الجملة، قبل أن تحتل مكانها على الورقة، وكان المشي يتيح له أن يناقش ويمتحن حالات واحتمالات عديدة، الى ان تستقر على الصيغة التي يعتبرها ملبية لما يريد. وهذا ما يجعل كتابته صارمة، دقيقة، مفكراً فيها كثيرا قبل أن تأخذ الشكل الذي أخذته أخيرا. ثم هناك صفة أخرى تميز جبرا، وهي انه لا يكتب شيئا مجانيا، بمعنى ان أي شيء يكتبه، فكرة أو مشهدا، وحتى جملة، في أحد أعماله، قد لا يتوافق مثلا، مع السياق الروائي، لكنه يتوافق أكثر مع موضوع نقدي، لذلك لا يتردد في أن يخرجه من السياق الأول ليجد له سياقا مناسبا في مكان آخر. وهذا ما يجعل حرفة الكتابة لديه بالغة الإتقان، محددة المعالم، بلا زوائد أو ترهلات، وهذا ناتج عن الحس النقدي الصارم الذي يلزم نفسه به، وتاليا يطالب الآخرين بالتزامه. كثيرا ما كان حضور الناقد في العمل الفني أحد عوامل كبحه، أي يمنع انطلاقته الى المدى الأقصى، كما يحد من انفعال اللحظة، لكن عند جبرا فإن حضور الناقد لا يقيد ولا يمنع، ورواياته شاهد على ذلك. كما أن »شارع الأميرات« يحفل بما يصطرع في داخله من شجاعة تمكنه من قول أشد الأمور خفاءً وأكثرها حميمية، لكن دون ابتذال ودون مباهاة. ان الفنان وهو يسلم نفسه لعواصف خفية تشتعل في داخله، لا يعرف على وجه الدقة والوضوح ماذا تحمل تلك العواصف، أو الى أي مكان يمكن أن تقوده. جبرا، برغم الجموح في العواطف والأفكار، لم يستسلم لجنون اللحظة، ولم تغره البروق الخلبية، اذ كان يأخذ نفسه بالشدة لكن دون كبت أو خوف، ويتعامل مع الكثير من القضايا بصرامة الجراح، ولا شك بأن هذا وليد حس المسؤولية الذي يحدد له ماذا يقول أو كيف يقوله. فإذا كان حجم العواطف والأفكار التي تجتاحه أكبر من ان تستوعبها الرواية، أو لا يرى ان قولها بهذه الطريقة هو الأنسب، كان يلجأ الى الشعر أو الى الرسم، وعن طريق إحدى هاتين الأداتين يمكن أن يقول أشياء كثيرة، وقد أشار الى ذلك بوضوح في مواضع عديدة، وفي »شارع الأميرات« إضاءات تساعد على »قراءة« جديدة، وربما مختلفة، لكثير من الأعمال التي قدمها في مجالي الشعر والتصوير. فالكلمة، رغم عناية جبرا في اختيارها ووضعها في سياق يكاد يكون رياضيا، قد لا تكون كافية، أو لا توصل الشحنة التي يريد ان تصل الى القارئ، وهذا ما يجعله يلجأ الى الكثافة، وبعض الأحيان الى التجريد، مراهنا على ثقافة الملتقي، وعلى المناخ النفسي الذي يتولد بفعل التماس، وأيضا اعتمادا على الإشارات التي يبثها هنا وهناك، تاركا للقارئ ان يعيد تجميعها ثم ترتيبها ليصل الى المجال الذي يعتبره أكثر ملاءمة. ان الشعر، بما يحمل من كثافة وتلخيص، يمكن أن يقرأ بأشكال متنوعة، وتبعا لكمٍ غير قليل من العوامل، أي انه قابل لقراءات متعددة. وهذه القراءات لا يشترط ان تكون متفقة أو حتى متقاربة، لأن الصورة الواحدة يمكن أن ترى من زوايا متعددة، وأحيانا مختلفة، ومهمتها أن تخلق حالة شعورية أكثر مما تشرح أو أن تفسر. ولعل اللوحة التشكيلية، بأسلوب جبرا، أشد تجريدا، وبالتالي أكثر قابلية لأن »تقرأ« بأشكال أكثر تعددا، مقارنة بأدوات التعبير الأخرى، وهذا ما جعله يلجأ إليها كوسيلة تعبير، ليقول من خلالها ما يعتلج في فكره وقلبه من عواصف ومشاعر وأفكار، وقد أحس بالحرية القصوى في »القول« دون خشية من أي نوع. اللوحة، في أحيان كثيرة، حوار مع النفس ومع الآخر، وقد لا تحمل رسالة من خارجها أو الى خارجها، أي أنها محكومة بقوانينها الداخلية كعمل فني، فإذا حملت رسائل فهي كإشارات، وغالباً ما تكون خاصة، وربما سرية، لكن دون أن تقتصر عليها، أي ان هذه الاشارات ليست وحدها التي يراد لها أن تصل، لأن مبرر العمل الفني، أي عمل فني، ينبع من داخله بالدرجة الأولى، وضمن الشروط والمقاييس التي تحكمه، وبالتالي تمنحه الجدارة وإمكانية الاستمرار. حين نضيف الى ما تقدم علاقة جبرا بالموسيقى، كمستمع محترف ذي معرفة، دون ادعاء العزف، وما تحمله الموسيقى من تجريد، مقارنة بالفنون الأخرى، فلا بد عندئذ من الافتراض ان جبرا في لوحاته وبعض كتاباته استعان بروح الموسيقى ليقول أشياء هامة. أي أن الكثير من أعمال جبرا، خاصة في مجالات الشعر والرسم والرواية، يحتمل عدة قراءات، ويتسم بكثافة لافتة، وأيضا قابل لأكثر من تأويل، وهذا ما يجعلنا الآن، نتوقف عند »شارع الأميرات«، باعتباره سيرة ذاتية، ويحمل مقدارا غير قليل مما يمكن تسميته: لوحات من تجربة العمر. الفصول الثلاثة الأولى من شارع الأميرات، تتناول مرحلة دراسة جبرا في بريطانيا، وأية تجارب عاشها، وكيف انتقل من بيئة لأخرى، ومدى التأثير والعوامل التي ساهمت في تكوينه. لقد كانت تلك الفترة استثنائية من حيث الاستعداد الشخصي لاستقبالها، ومن حيث الظروف التي رافقتها، فأن يصل الى بريطانيا في بداية الحرب العالمية الثانية، وبعد أن كوّن صداقات وبداية استقرار، جاءت الحرب، باتساعها وامتدادها واستمرارها، لتنتزع عددا من زملائه الى جبهات القتال، ولتولد لديه أحاسيس جديدة: »... بدا كأن الإحساس بالخطر الجماعي، يضاعف من التعلق بالحياة وأحاسيسها، ولو لذلك اليوم، ولو لتلك الساعة، هذا إذا كان لا بد من الموت. لكن الموت على كل، كان سيقاوم بهذا الحب للحياة وبهذه الكثافة في التفكير وهذه الحرارة في المشاعر«. هذه الأحاسيس تعتبر مركزية لفهم جبرا، لأن الشعور بدنو الكارثة، أو حتى العيش وسطها بعض الأحيان، يجعله شغوفا لإيجاد معادل لها أو ما يوازيها، لأن الكارثة يمكن أن تؤدي الى الهلاك فالعدم، وأحد مظاهر المقاومة عدم الخضوع مما يستدعي تكثيف الإحساس بالحياة، أي بالزمن المتاح، ومحاولة إخضاع هذا الزمن، أو ما تبقى منه، الى زمن نفسي مليء بالعنفوان والحيوية. لقد تولد هذا الإحساس لدى جبرا منذ وقت مبكر، نتيجة الشعور بالخطر الذي لمسه قبل أن يضع قدمه على سلم الباخرة، بسبب ما كان يدبر ويجري لوطنه، فلسطين. فأن يولد جبرا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وأصداء المدافع لا تزال تتردد في الآذان، وأن يعيش طفولة صعبة، ثم يرى الخوف والانتظار في عيون الذين حوله تحسبا من الأيام الآتية، نظرا لما يدبر لوطنه الصغير. وما ان يشب ويكبر قليلا حتى تبدأ الاضطرابات تتوالى وتتسع، وقد أصبح الخطر ماثلا، فيشعر بأن كل إنسان مستهدف، ولا بد من ان يتسلح ويحارب للدفاع عن النفس وعن الأرض، وأن وسائل الحرب متعددة بما فيها العلم، وحين تتاح له تلك المنحة الدراسية لإنكلترا، بعد أن تأجلت أكثر من مرة، لا يتردد في قبولها، آملاً أن يعود من هناك أقوى وأكثر كفاءة ليستطيع المواجهة وإثبات الجدارة، وهكذا تبدأ هذه المرحلة المليئة بالأفكار والأحلام والاستعداد. في ظل الحرب، وقد اقترب كثيرا من الجزر البريطانية، التي كان يُظن ان لا أحد يقوى على محاصرتها أو الوصول إليها، وبعد سحب الطلبة وإلحاقهم بساحات القتال، يصبح الإحساس بالخطر، وبالتالي الكارثة، قويا وعاما. لذلك يندفع جبرا بكل قوته للاستفادة من كل ثانية، وليجعل الحياة، أي الزمن الباقي، ممتلئا قبل أن يأتي العدم، خاصة وقد تنبأ لنفسه بأنه لن يعيش أكثر من ستة وعشرين عاما، مثل بعض الشعراء! وهكذا نجده في هذه المرحلة يغرف بنهم من الحياة، يغرف علما وموسيقى ومسرحا، وشتى أنواع المعرفة، بما فيها الرحلات الخلوية تحت المطر وتسلق الجبال، واكتشاف الحب والعلاقة مع الجنس الآخر، ليؤكد لنفسه بالدرجة الأولى، ان مقابل الكارثة فالعدم اللذين يزحفان ويقتربان، هناك عبقرية الحياة بغناها وتنوعها، وهي وحدها القادرة على المواجهة، ومقاومة قوى الكبح التي تريد إلغاء كل شيء أي إلغاء الحياة ذاتها. ولأنه يعرف ويحس بالكارثة التي تحيط به هنا، وتلك التي تنتظره هناك حين يعود الى وطنه الصغير، ولا يستطيع أن يبدد الحياة، أي الزمن، بالانتظار، يلقي نفسه في خضم تجارب وجودية على كل صعيد، لتكون صيغة من صيغ المقاومة أولاً، ثم لتكون سلاحا، على أكثر من مستوى، لما سيأتي من أيام. أما بعد ان أنهى دراسته، وعاد الى فلسطين، فلم يطل الأمر كثيرا حتى وقعت الكارثة الكبرى التي زعزعت كل شيء، ليس في فلسطين وحدها وإنما في المنطقة العربية كلها، وبمقدار ما أصابت جبرا أصابت الكثيرين، أصابت الجميع، وتركت آثارها الزلزالية في كل روح منذ ذلك الوقت وحتى الآن. كان بإمكان جبرا البقاء في إنكلترا لمواصلة دراسته، كما عُرض عليه بإلحاح، لكن هاجس العودة كان يسد عليه الدروب، لأن لديه الكثير ليفعله في الوطن، إذ بالاضافة الى ضرورة المساهمة في تغيير عقل المواطنين، ليتغير سلوكهم، لكي يتصلوا بروح العصر، فإن لديه هواجسه الخاصة في مجال الكتابة، الروائية بشكل خاص. وهكذا عاد ليحاول من خلال التدريس، ثم العلاقات التي كانت له، وأيضاً التي تكونت بعد أن عاد الى الوطن، في إيجاد مناخات تتلاءم وإيقاع العصر، إلا أن ما كان يدبر للوطن الصغير والكبير معاً من الضخامة والخطورة بحيث عصف بكل المحاولات الفردية أو الصغيرة، وجعلها أثرا بعد عين، حيث تجسدت الكارثة بكل معانيها وأبعادها، وأصبحت الهجرة أحد الأبواب، وربما الباب الوحيد لكثيرين، وكان جبرا من هؤلاء، وألقت به المقادير في العراق. العراق خلال تلك الفترة، تحديدا بعد كارثة فلسطين، وربما من أكثر الأقطار العربية، مليء بالتفاعلات والجيشان، وتصطرع داخله القوى والأفكار والأحلام، بحثاً عن صيغ وأشكال جديدة للحياة والفن. وأن يصل جبرا الى بغداد في ذلك الوقت، وأن يصبح جزءا من البنية العضوية لذلك المخاض الكبير، هذا التوافق التاريخي حيث تتمازج وتلتقي الشروط ثم تتكامل، قليل الحدوث، فإن حدث تكون نتائجه كبيرة وبالغة الأهمية. وصول جبرا الى بغداد عام 1948، مع بزوغ الشعر الحديث، ومع عودة الفنانين التشكيليين الذين ذهبوا للدراسة في الخارج، ثم هذا المناخ من الحوار والبحث، وأيضاً الاستعداد، جعل البذرة ثم النبتة تلاقي أنسب الشروط للنماء ثم الإزهار، وكانت مساهمة جبرا في كل ذلك أساسية وبارزة. »شارع الأميرات« رغم انه يتناول أحداث سنة أو سنتين من سيرة جبرا العراقية، أو كما يقول في نهاية ذلك الكتاب: »... ما تحدثت عنه هنا ليس إلا السنة العجائبية 1951، والسنة التي تلتها«، مشيرا الى علاقته بلميعة، زوجته، وتلك الأوقات الحافلة التي ميزت هذه العلاقة منذ البداية حتى الختام، فإنه يضعنا في قلب الحدث الأدبي والفني ويعرفنا على أجواء وشخصيات كان لها تأثير بارز في مسيرة الإبداع في المنطقة كلها، ويرسم طيفا واسعا من الآثار التي احتضنت تلك المرحلة وأعطت نتائجها في ما بعد. فالحلقات الفنية الأدبية التي تكونت في بداية عقد الخمسينيات، وكانت تحفل بالأفكار والأحلام الكبرى، وضعت الأساس لما تلاها من حركات وإبداعات على أكثر من صعيد، وساهمت في خلق ذائقة فنية جديدة. كما ان الجمعيات الفنية التي تكونت في ذلك الوقت، وكانت لها رؤيتها، وتاليا إنجازاتها، هي حصيلة لقاءات مجموعة من الفنانين ونقاد الفن، وقد ساهم المعماريون في ذلك أيضا. كما أن ثورة الشعر الجديد، ويعتبر العراق مهداً لها، بزغت ثم تبلورت في تلك الأجواء. ان الطيف الأدبي والفني الذي يرسمه جبرا لتلك المرحلة شديد الدلالة، ولولا هذه الإشارات بالأسماء والوقائع والإنجازات، قد لا نستطيع استيعاب التطورات اللاحقة، ولذلك تعتبر شهادة جبرا في هذا المجال أساسية، خاصة ان هناك محاولات لإعادة قراءة المرحلة وفقا لأهواء ورغبات مختلفة عما كانته فعلا. لم يكن جبرا، على الأقل في هذا الكتاب، يؤرخ أو يوثق، لكن الهوامش التي حفل بها الكتاب تلقي أضواء على الكثير من الوقائع والمناخات التي كانت سائدة. وربما ضمن هذا المنظور تتبدى أهمية إضافية للسيرة الذاتية، أية سيرة، لأنها بمقدار ما يكون الشخص محورها، وتتابع مسارا معينا، فهي تتطرق بالضرورة، الى أحداث وأشخاص كثيرين، مما يساعد على لملمة أجزاء الصورة، ثم إجراء مقارنة، تمهيدا لإعادة بناء المشهد ومعرفة الجوانب المختلفة. عدا عن الوقائع التي يتميز بها شارع الأميرات، فإن الجرأة في قول الأشياء، وبكثير من الصراحة، ميزة أخرى، الأمر الذي لم يتعود عليه أدبنا، حتى الآن، إلا بأمثلة محدودة، مما يجعله قدوة يمكن أن تحتذى. الجرأة والصراحة لا تعنيان تجريح الآخرين، أو الانتقاص من أدوارهم ومساهماتهم، كما لا تتكئان على النرجسية التي تعتبر النفس مركز الكون. الجرأة والصراحة هنا تعنيان النزاهة والشعور بالمسؤولية والخروج من لحظة الانفصال الآنية، وأيضا رؤية المشهد من كل جوانبه، بحيث يستطاع من خلال السيرة الوصول الى الحقيقة، أي الى الصدق، حتى ولو بمنظور فردي. وهنا، كما يقال، تظهر الشجاعة الحقيقية، لأننا، كشهود أو كقراء، ليس لنا عواطف مسبقة، وبالتالي ليس لنا مواقف ناجزة ونهائية، وإنما نعتمد على الوقائع والقرائن لكي نحاكم ثم نحكم. ربما لا يكون هنا مكان أو لحظة التطرق الى بعض »مدونات« السيرة الذاتية العربية التي كتبت في العقود الأخيرة، لكن جزءا منها يعتمد على المبالغة أو النرجسية، وجزءا آخر لا يرى إلا اللحظة التي يعيشها الآن، بحيث تكونت صورة خاطئة عن مفهوم السيرة الذاتية من خلال النماذج التي يراد لها أن تشيع. ان من أهم مصادر غنى السيرة الذاتية: صدق الرواية، والتفاعل مع الآخر، وقيام العلاقات الإنسانية تبعاً لشروط الزمان والمكان؛ ولأنها تكتب، في الغالب، بعد فترة من وقوع الأحداث، فيجدر بها ان تتسم بالنزاهة، والقدرة على إصدار الأحكام بمعزل عن انفعال اللحظة، أو حساب الربح والخسارة. وأعتقد ان جبرا ابراهيم جبرا، في »شارع الأميرات«، قدم شهادة صادقة ونزيهة، إذ قال الكثير عما يعتلج في القلب والفكر، وقدم نماذج جريئة، كما صوّر مرحلة كاملة بكل ما فيها من أفراح وأحزان وهزائم. أما ما يحز في النفس فذلك الفراغ الذي خلفه بغيابه، في الوقت الذي كان عنده الكثير ليقوله... في السيرة وفي شؤون أخرى.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة