فتحي غانم نظر في عينيّ الرئيس سينما الصراع على الجنس والسلطة *** روى الكاتب الراحل فتحي غانم، في احدى مقالاته لمجلة »روز اليوسف« المصرية، عن لقائه الاول مع الرئيس جمال عبد الناصر، اثناء حفل تكريم الصحافيين المصريين في الستينات. كان »الريس« في عز سطوته وتحفه مهابة يمازجها بعض الخوف المتأتي من الخطاب السياسي وأداء الأدوات القمعية والمخابراتية. شد عبد الناصر على يد فتحي غانم في قوة لم تعزّ على »المارد الأسمر«؛ لكن الكاتب اليساري الميول تماسك لينهض بأمر طالما أضمره: النظر مباشرة الى عينيّ الزعيم (...). وعلى ذمة غانم، فإنه لاحظ رد فعل واستغراب في نظرة عبد الناصر كأنه أدرك ما في قرارة غانم من جرأة مضمرة. الرئيس استبقى راحة الكاتب معصورة في يده وسأله عن اسمه (...). ربما تصلح تلك الواقعة الصغيرة نموذجا عما كانته تلك العلاقة المضطربة والمتناقضة والمثقلة، بين عبد الناصر والتيار الأعم من »اليسار« المصري. استدراكا، فإن استخدام مصطلح »اليسار« يشير لدى العرب الى ما درجوا عليه من جمع الشيوعيين والاشتراكيين، وأحيانا بعض الاحزاب القومية، في خانته. الأرجح انه يصعب اليوم الحفاظ على هذا الضرب من التصنيف، ليس من دون تحفظ مناسب وجوهري، لكن هذا الامر ليس موضع القول هنا. اليسارالحائر فتحي غانم كان يساريا ممارسا وان على تقلب وقلق. ميله السياسي راوح بين »الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني« (حدتو) = أشهر تنظيم شيوعي في التاريخ المصري الراهن = وبين المجموعة ذات الميول التروتسكية التي قادها فتحي كامل، ولو انهما كأنما قطبا الرحى (...). عبد الناصر قمع الشيوعيين كافة ولاحقت اجهزته خلاياهم وتنظيماتهم، وقضى في المعتقل قائد (حدتو) »عطية الشافعي« او »الرفيق شهدي«. لكن ناصر قرن قمعه مع سياسة ذات صبغة اشتراكية نالت رضى المركز الشيوعي العالمي (الاتحاد السوفياتي). مباركة خروتشوف للنظام المصري والترويج لمقولة »التطور اللارأسمالي« زاد في التباس موقف الشيوعيين من النظام، فأقدم قادة (حدتو) على حل تنظيمهم وتأييد عبد الناصر. أدى ذلك الامر الى جمع امور منها فتح السبيل امام اندراج ذوي الميول الشيوعية في سدى النظام الناصري. كان الاعلام والثقافة من المجالات التي وجد فيها قوم اليسار سبيلا غير موصد. كانت مجلة »الطليعة« = التي رأسها الراحل لطفي الخولي = منبرهم الأوضح. أما مجلة »روز اليوسف« و»صباح الخير« فقد حوت مزيجا متعدد المشارب، لكنه ينبع من عين اليسار إياه. وفي تلك المياه تقلب الكاتب فتحي غانم ومن اجوائها واضطراباتها استقى رواياته العديدة، وشخوصها وتماهياتها. ذلك قد يعني ان كلا الطرفين (ناصر واليسار) يمتحان من معين طرز متقارب من الايديولوجيا، مع تلاوين عالمثالثية وعربية، في معنى فائق المحلية والتموضع. في سيرة الكاتب انه عمل نائبا (1956) ثم رئيسا لتحرير (1973) مجلة »روز اليوسف«؛ وكذلك رئيسا لتحرير مجلة »صباح الخير« (1959). فتحي غانم هو محام ومتخرج من جامعة القاهرة (1944). أجواء الانتماء اليساري ومهنة المحاماة والعمل الصحافي والاعلامي سيطرت على معظم النتاج الادبي لفتحي غانم. وذلك ما يتبين لدى استعراض اربعة من اعماله الروائية التي حُوِّلَتْ الى افلام وهي: صوت من الماضي (1956)، »الجبل« (1965)، »الرجل الذي فقد ظله« (1968) و»قليل من الحب، كثير من العنف« (1995). واستباقا، فإن رواية »الرجل الذي فقد ظله« هي عمله الأشهر والأدل على دربته وذائقته الروائية. رواية »زينب والعرش« مثلت عودة الكاتب المتمرس الى عمله الأصيل، وقد حولت الى مسلسل تلفزيوني في مفتتح الثمانينات. سينما العلم اليساري »صوت من الماضي« هي قصة أدبية معدة للسينما، كتبها فتحي غانم بالاشتراك مع محمد التابعي، ونفذها المخرج عاطف سالم. يفتتح الفيلم على حدث درامي محوط بالغيبية والاجواء الحلمية التي تستدعي الطفولة ورموزها وصبواتها الجنسية المكبوتة. الام المتوفية (امينة رزق) تحضر في احلام الصبي لتحذره وتتنبأ في الغيوب. النبوءة الانذار هي ان الاخت ستموت ليلة زفافها وانه سيقضي ليلة عيد ميلاده الخامس والعشرين. حضور الام يتكثف مع تحول الصبي طبيبا (احمد رمزي) ووفاة الاخت يأتي متطابقا مع نبوءة الحلم (...). لكن الأم الأوديبية الممنوعة (بالموت الرمزي؟؟) لا ينقضها الا الجسد الانثوي الحاضر والملموس (إيمان) والمسموح ايضا في معطى الخطوبة (!!!). وهكذا تمنع الحبيبة الحاضرة الابن من الانتحار وتمر ليلة ميلاده الخامس والعشرين وهو في غرفة العمليات، التي يخرج منها ليغرق في الاحضان الدافئة. اضافة الى الجنس الخفي، هناك تيمة (Theme) ايديولوجية واضحة في يساريتها وحداثويتها: دحض التفكير الغيبي ومقارعة الايمان بالارواح وتلك امور ضاربة في عمق الثقافة الدينية والتقليدية. الحبكة الدرامية تسير في مسار كشح حداثوي ل »الرجعية« تتقصد الانتصار للعلم. جاء فيلم »الجبل« في ذروة التوجه الاشتراكي الناصري وما رافقه من ادوات منسجمة مع النص الايديولوجي للنظام؛ وهي ايضا مترعة بالمصادرات القسرية والقمع المديد لإحلال فكر نخبة ترى في نفسها قدرة على النيابة عن ارادة البشر. الفيلم يعرض لصراع بين مهندس (صلاح قابيل) يروم بناء مساكن جديدة لسكان الجبل بدل اقامتهم في المُغر. الفكر التقليدي يتجسد في العمدة (عبد الوارث عسر) ويصطدم مع ارادة المهندس. ثم يأتي الجنس (ليلى فوزي) ليؤيد التقليد ضد الحداثة؟!! الفيلم أخرجه خليل شوقي، ولم ينل صيتا واسعا، والواضح ان صورة المرأة فيه هي قيد تناول ايديولوجي صارم يميز بين الانثى المنتمية الى »الثورة« (ماجدة الخطيب) وبين تلك التي تقدم الجنس صرفا. في العمق، يزدري الايديولوجي اليساري الجنس ويتعالى عليه في تصعيد (Sublimation) فكري؛ لكنه تأييد لانشطارات من نوع الجسد والروح او المتعة والسمو... الخ، وكلها ذات جذر ديني لا يضارع!!! المرأة مركز الصراع لطالما وُصف فيلم »الرجل الذي فقد ظله« (والرواية) في انه سىرة ذاتية اسقاطية ومعكوسة، عن فتحي غانم نفسه. الفيلم أخرجه كمال الشيخ وهو من أقطاب تيار »الواقعية« في السينما المصرية. المكان الزماني المتوهم للشريط هو القاهرة عام 1942، لكنها غلالة رقيقة استخدمت غالبا للمرور من ثقوب الرقابة، توخيا لقول ما يعارض النظام القائم. مصر 1968 كانت تضج بالنقد المنفلت عقب هزيمة 1967 التي اسقطت الهالات من حول الناصرية وكشفت اهتراء وتكلس أدواتها السياسية. يدور شريط »الرجل الذي...« حول صحافي انتهازي أدى دوره كمال الشناوي، بعد عهد قريب من تجسيده لشخصية مماثلة في فيلم »اللص والكلاب« عن رواية نجيب محفوظ. الانتهازية هي ممالأة مَن في يدهم السلطة؛ والاسقاطات المتعددة جعلت من الصحافي يوسف السويفي رمزا لانتهازيي الناصرية، بل وحتى للنظام نفسه. النقيض اليساري لمتملق النظام هو الرسام شوقي (صلاح ذو الفقار)، والصراع بينهما يعبر عن نفسه في الموقف من المرأة، وتلك قيمة يسارية واضحة. أدت الفنانة المخضرمة، حينها، ماجدة دور الخادمة مبروكة التي يعتدي عليها والد يوسف (عماد حمدي) في مشهد ذكي الاخراج. الاغتصاب يتم إبّان غارة وسقوط مبروكة توازيه لقطة سقوط منزل؛ والبراعة المشهدية غطت على التماهيات الجنسوية بين المرأة والوطن (...). تلد مبروكة سِفاحاً لا يرى فيه يوسف أخا بل عارا وعائقا امام تطلعه لتسلق السلم الاجتماعي عبر علاقته مع فتاة اريستقراطية (يسرا). ان تكون المرأة رمزا لطبقة او وطن وحوزها هو فعل رمزي ل »الرجولة« في معناها الذكوري والفردي، فتلك ترسيمة شائعة تماما في الادب العربي، وخصوصا اليساري، ولعل عمل جورج طرابيشي »شرق غرب، رجولة وأنوثة« يدور حول ذلك المعنى. استخدم كمال الشيخ اسلوب الفلاش باك في كثافة مؤثرة في تصويره لتظاهرات طلبة جامعة فؤاد الأول وحادثة كوبري عباس = إطلاق النار وفتح الجسر كهاوية فوق النيل = مزج كمال الشيخ الروائي مع الوثائقي مما ضاعف أثر المشاهدة. موسيقى الفيلم من وضع الموسيقار اندريه رايدر، الذي وزع جل ألحان محمد عبد الوهاب؛ والمخرج أناب بها مهمة التفرد في التعبير عن حال الضياع التي تخبطت فيها مبروكة بعد طردها من قبل يوسف السويفي. ينتهي الفيلم الى ادانة وإن كانت تحمل طابع الكاثارسيس، اذ تسقط الوزارة ويفقد الباشا (نظيم شعراوي)، وخطيبة يوسف، مكانته، ويختتم الفيلم على احباط يوسف وضياعه وفشل مشروعه الانتهازي. المحبك الفعلي للرواية هو المنظور الايديولوجي ورؤيته للعلاقات الانسانية والاجتماعية وتصنيفاته الحادة للبشر. استطرادا، فإن رواية »زينب والعرش« (1977) ليست سوى استعادة، على مستوى روائي أعلى، لكافة مناحي »الرجل الذي...«، وهي تدور في نفس الاجواء وبطلها صحافي اسمه يوسف... الخ. وفي »زينب والعرش« نرى المشهد مقلوبا حيث الصحافي ثوري الانتماء ويصارع رئيس التحرير الوصولي على فتاة متحررة. رغم كل دعاوى اليسار، ظلت المرأة محلا وحقلا للصراع بين الذكور وأقيم التماهي الجنسي الدلالة بين حوزها وهزيمة الذكر الآخر. أليس ذلك عين ما يفعله محاربو القبائل في سبي نساء القبيلة المهزومة وهتكهن؟؟ إرادة الذكور فيلم »قليل من الحب، كثير من العنف« لا يغادر الرؤية الايديولوجية لفتحي غانم، بما في ذلك الصراع على المرأة والعبور على جسدها بين الارادات والطبقات. الشريط يعرض للمهندس طلعت (هشام سليم) ابن الطبقة الانفتاحية الساداتية والتي أضحت مقصدا للنقد اليساري. المهندس طلعت يُرغَم على الزواج من الفقيرة فاطمة (ليلى علوي) إرضاءً لأبيه الغني، لكنه سرعان ما يتعرف الى احد القطط السمان لعصر الانتاج الساداتي. مرسي يحاول التسلق الى ثروة الاب عبر عرضه الزواج من ابنته، لكن اخاها يحتج ولا يجد تعبيرا عن رفضه أفضل من المطلقة فاطمة (...). لكن هنالك تحويرا مصدره وجود عاشق لفاطمة هو سيد العتر، الذي يحبط لأن حبيبة عمره خانته مرتين. مرة اخرى ليس الا المرأة محطا ومساحة لإرادة الذكور، فيقتل سيد العتر فاطمة تعبيرا عن احباطه من حياته (؟!!). الفيلم بدا مناسبا للذائقة شبه السوريالية للمخرج رأفت الميهي، لكن الفيلم لم ينل سوى نجاح عادي من الجمهور، اما النقاد فقد قابلوه في ترحاب لم تغب عنه البرودة والتحفظ. أحمد مغربي (*) توفي فتحي غانم عن 74 عاما يوم الثلاثاء في الثاني من شباط 1999.