As Safir Logo
المصدر:

عمود الملح كتاب السفير تنشر فصولا من كتاب عن احدى ادق المراحل المسيحية بين سقوط عون وتوقيف جعجع ( الحلقة الثالثة والاخيرة) كيف تسلق ميشال عون في الهاوية واين اخطأ؟ اسئلة كثيرة اثيرت حول تفجير كنيسة الزوق وكيف امكن العثور على اجابات(صور)

المؤلف: خشان فارس التاريخ: 1999-02-08 رقم العدد:8218

»عمود الملح« كتاب فارس خشان »السفير« تنشر فصولاً من كتاب عن إحدى أدق المراحل المسيحية بين سقوط عون وتوقيف جعجع (الحلقة الثالثة والأخيرة) كيف تسلّق ميشال عون »في الهاوية«.. وأين أخطأ؟ أسئلة كثيرة أُثيرت حول تفجير كنيسة الزوق.. وكيف أمكن العثور على إجابات ***** كانت الحقبة الممتدة من 13 تشرين الاول العام 1990 وحتى 20 نيسان العام 1994 واحدة من ادق المراحل في لبنان بعد الحرب المديدة بالسلاح والسعي لتجسيد »اتفاق الطائف« مسيرة حياة للسلم الاهلي. في الموعد الاول تم إنهاء سيطرة العماد ميشال عون بخروجه من قصر بعبدا الى السفارة الفرنسية في مار تقلا، وفي الموعد الثاني تم توقيف قائد »القوات اللبنانية« الدكتور سمير جعجع، وبين الموعدين جرت مياه كثيرة في الجدول اللبناني، وصبت فيها روافد عديدة اقليمية ودولية لعبت دورا في الدوافع كما في النهايات. زميلنا في »السفير« فارس خشان تابع هذه الأحداث عن كثب، وكان كتابه الذي يصدر بعد أيام بعنوان »عمود الملح« عن »دار مختارات« محاولة تصوير حية لتلك المرحلة. »عون وجعجع والمسيحيون بين السياسة والقضاء«، هذا هو محور الكتاب بدءا من التداعيات التي اوصلت عون الى رئاسة الحكومة العسكرية، ثم اصطدمت بالحروب المتعددة التي كانت أقساها تلك التي خاضها مع جعجع، وصولا الى محاولة جعجع حصر »إرث المسيحيين« به بعد 13 تشرين الاول 90. وفي الكتاب رصد لمواقف البطريرك الماروني نصر الله صفير، الرئيس الياس الهراوي، الرئيس رفيق الحريري، وللتأسيس الثاني للجيش بقيادة العماد اميل لحود، وللعلاقة السورية مع »القوات«، ولمرحلة حل الميليشيات واقرار قانون العفو العام. »السفير« اختارت بعض فصول الكتاب للنشر على صفحاتها قبل طرح الكتاب في الأسواق. التسلّق في الهاوية لم يكن العماد ميشال عون، عند تسلّمه رئاسة الحكومة العسكرية قد تحوّل الى اسطورة شعبية لدى بعض اللبنانيين، بل كان بنظرهم قائدا ناجحا للجيش اللبناني الذي كان ولا يزال مطلبا لبنانيا شعبيا. أطلّ العماد عون على اللبنانيين كشخصية آتية من عالم أحلامهم اليومية التي بنتها كوابيس الحرب مستفيدا من امور كثيرة أهمها: عطش اللبنانيين الى البزة المرقطة التي ظنوا ان تغييب دورها أوصلهم الى مرحلة ضياع الوطن. إطلالة عون الاعلامية، شبه اليومية، بحيث ظهر في الموقع الوسط بين رجل السياسة ورجل الميليشيا. كان مباشرا وصريحا في كلامه فتخطى بذلك تحفظ رجل السياسة، وكان لبنانيا شموليا في خطابه وناقدا من داخل البيت المسيحي، فتخطى بذلك رجل الميليشيا. قد تكون هذه النقطة بالذات من اهم مميزات الجذب العوني الذي لم يتبلور إلا في 14 شباط 1989 حين اصطدم مع »القوات اللبنانية« عسكريا لأيام، دون ان يكمل معركته، لأسباب كثيرة أبرزها تصوره انه سيدفع ثمنا من دون مقابل محسوم، وهو، تكفيه معركة خاطفة ليظهر، لمن يريد ان يرى، موقفه السلبي من منطق التعايش الاضطراري المفروض بين ميليشيا وجيش. سبقت 14 شباط 1989 محطة مهمة في موقع عون الجديد تمثلت بالصورة العربية التي أُضيفت عليه، بعد اجتماعه في تونس، مع اللجنة السداسية العربية المكلفة ايجاد حل للأزمة اللبنانية وكانت برئاسة الكويت وعضوية الامارات العربية المتحدة، الجزائر، الاردن، تونس والأمانة العامة لجامعة الدول العربية. كان 14 شباط نقطة تحوّل أساسية في صورة »الرئيس العماد«، اذ سمحت له المعركة بالظهور الاعلامي حيث فجّر مخزوناً وافياً من المطالب التي كانت قاسما مشتركا بين اللبنانيين وتحتاج الى »مسيحي قادر« لإعلانها على اعتبار ان »المسيحي العاجز« او »المسيحي الخائف« أو »المسؤول الاسلامي«، إنما يسعون الى تحقيقها لإضعاف قوة »ميليشيا المسيحيين«. سمحت له إطلالة الحرب من جهة، وسجله النظيف في قيادة الجيش من جهة ثانية، بالكلام على الخوات وتشعبها في الادارات الرسمية والخاصة وصلا الى الحواجز الثوابتة التي تقطع اوصال الوطن والمرافئ غير الشرعية وتنهك الخزينة العامة، التي تُطالب بتقديم خدمات عامة، فيما تثرى خزائن الميليشيات التي لا تهتم إلا بمن يندمج فيها. وبالفعل حقق ميشال عون بعض ما اراده من 14 شباط. فالشعب »لقط الطعم« و»القوات« اقفلت الحوض الخامس لمرفأ بيروت، وتخلت عن النقطة المالية التي كانت تضعها على حاجز البربارة. الخطوة الايجابية ل »القوات« أبرزت كما هي أصول العدالة الطبيعية سلسلة تساؤلات، كان أبرزها على الاطلاق: ماذا عن وضعية المرافئ غير الشرعية التي تتحكم بها ميليشيات أخرى مناوئة؟ حسب العماد عون، أنه خطا في ذلك اليوم الى منتصف الطريق، ليلاقي القيادات الاسلامية ولا سيما رئيس الحكومة »الموازي« الدكتور سليم الحص الذي طالما تحدث عن الدور المدمّر للمرافئ والمرافق غير الشرعية على الاقتصاد الوطني، وضرورة ازالتها. وبالفعل، رحبت »حكومة الغربية« بتدابير »حكومة الشرقية«، وبدأت اتصالات لاتخاذ قرارات مماثلة تشمل مرفأي الاوزاعي والجية، غير الشرعيين ووافقت على ملاقاة قرار حكومة عون بفتح معبر المرفأ. وفيما كان الحص يجري اتصالاته لتحقيق غايته تدخل رئيس حركة »امل« نبيه بري ورئيس »الحزب التقدمي الاشتراكي« وليد جنبلاط لتعطيل الترجمة الميدانية بحجة أن السبب الذي أدّى الى استحداث هذين المرفأين لا يزال قائما وهو سبب حياتي لفك قدرة »المسيطرين« على مرفأ بيروت على فرض حصار تمويني على الغربية عندما تقضي السياسة بذلك وتقرر، كبديل عن إقفال المرفأين استحداث نقاط جمركية ومراكز للأمن العام فيهما. اغتاظ العماد عون من »الطرف الآخر«، لأنه لم يقرأ الرسالة، بلغته ورأى ان في هذه السلوكية الجانحة نحو تسوية تميّع النتائج، خطا بيانيا واحدا يتكامل مع الأسباب التي حالت دون اكتمال حكومته العسكرية. وأعاد »الطرف الآخر« التذكير بمسألة الفراغ الدستوري وأشار الى ان العمل منصبّ، على اختيار رئيس للجمهورية يضمن ببرنامجه، حداً ادنى لإرساء مصالحة وطنية وليس على حل لإشكاليات الجمهورية الكثيرة المتفرعة عن المسألة الأمن: رفض إدخال تعديلات على الدستور تساوي بين سائر شرائح المجتمع اللبناني، وحسم التوجّه اللبناني الوطني العام من إسرائيل. وراح العماد عون يدفع الأمور الى التأزم بإصراره على ان يحقق الرئيس الحص خطوات مماثلة لتلك التي حققها هو في الشرقية، من دون ان يقبل بالحلول الوسط المقترحة وأصرّ على إقفال المرافئ غير الشرعية بالقوة من خلال غرفة العمليات العسكرية التي فرضت حصارا بحريا على الساحل الممتد الى جنوب العاصمة. وبدأ الوضع يتأزم ميدانيا في 11 آذار بحيث قصفت مرابض بأمرة قائد الجيش بالوكالة سامي الخطيب مرفأ بيروت لثلاثة أيام متتالية ردّ عليها العماد عون في 14 آذار. لم يقبل العماد عون تسويات مرحلية في الغربية في قضية المرافئ تكون مماثلة للتسويات المرحلية في الشرقية في المجال الأمني المضبوط بلجنة مشتركة من الجيش اللبناني »والقوات اللبنانية«، بالرغم من ان هناك من نقل له قبول الرئيس السوري حافظ الاسد به كمرشح قوي الى رئاسة الجمهورية. اعتبر العماد عون ان وصوله الى رئاسة الجمهورية امر مسلّم به، وهو غير مستعجل على اللقب، طالما ان صلاحياته في الحكومة الانتقالية، اهم من صلاحيات اي رئيس للجمهورية، فكل المرافق الحيوية بين يديه، وبالتالي فعلى الآخرين، بما فيهم سوريا، استرضاؤه وليس العكس. لذلك فهو ردّ على العرض »بأن همّه الجمهورية وليس الرئاسة، لأنه ليس ممن يعطون الجمهورية لأخذ الرئاسة«. »حرب التحرير« في 14 آذار هاجم العماد عون وضربت المدفعية المحيطة بوزارة الدفاع منطقة الاونيسكو وكورنيش المزرعة حيث قُتل عدد من الأطفال وهم في طريقهم الى مدارسهم تحت شعار »إجبار المسلمين على الانتفاضة ضد الجيش السوري«. وكانت »حرب التحرير« في 14 آذار 1989. كان واضحا ان »القوات اللبنانية« التي دخلت هذه الحرب بالإسناد الناري غير المتناغم مع السياسة الحربية التي وضعها عون، لم تكن راضية عن خطوة العماد التي حسبتها، وهي تراقب استعدادات قطعه العسكرية، أنها كانت تستهدفها. وقد برز ذلك من لهجة الاعلام »القواتي« الذي كان، حتى عشية مجيء عون يسمّي الجيش السوري بالعدو، إلا أنه »غيّر رأيه« مع بداية التحرير بحيث أضحى الجيش السوري مجرد قوات سورية في لبنان. وكبرت دائرة الاعتراض »القواتية« على هذه الحرب التي اعتبرتها انتحارية، نظراً لعوامل عدة أهمها عدم توفر التغطية الدولية وبالتالي عدم تكافؤ القوى، الأمر الذي سيحوّلها من حرب الى انتحار. كانت »حرب التحرير« بمفهومها وأسبابها ومبرراتها تناقض نظرة سمير جعجع الى المنطقة الشرقية. فهو عمل منذ تسلّمه قيادة »القوات اللبنانية« على خلق العوامل المساعدة للإبقاء على »الشرقية« بحدودها المعروفة أطول فترة ممكنة، بحيث يتم ضبط وضعها الداخلي وتبريد خطوط التماس المحيطة بها لتصبح أقرب الى الحدود منها الى »زيح حرب«. إلا أن »حرب التحرير« عبثت بخطته وتخوّف من أن تقضي عليها، فوقف في الحيثيات اليومية للحرب ضد العماد ميشال عون وركّز على وجهها المأساوي والتدميري. ولكنه في المقابل رفض ان يعلن جهارا معارضته لها، لاقتناعه أن العماد عون مستعد لتغيير اتجاهات المدافع لتنصب حممها على »القوات اللبنانية«، كما كان جعجع يبلغ المقربين منه في تلك الآونة. مرة واحدة وقف جعجع ضد العماد عون في »حرب التحرير« عندما طلب عون منه ان يفتح جبهة الشمال فرفض ذلك مستندا الى اسباب عدة ابرزها ان مدافع »القوات« لن تصيب سوى المناطق المسيحية في البترون والكورة في حين ان النيران المعادية ستطاول مناطق لا تزال آمنة نسبيا في الشرقية تحوّلت الى ملجأ للهاربين كما هو الوضع في عنايا حيث كانت الخيم تؤوي آلاف العائلات. لقد دفع الوطن غاليا ثمن هذه الحرب التي كانت ذات استهدافات اقليمية عالمية واضحة: فالعراق الذي فتح منذ العام 1988 أكبر خط تسلّح عرفه لبنان بإرساله بواخر اسلحة وذخائر الى طرفي الشرقية يريد الانتقام من سوريا التي ناصرت ايران في حرب الخليج وهو يريد أيضا نزع ورقة لبنان من يدها ليتمكن هو من الإمساك بها وفرض نفسه معادلة أساسية على أي طاولة مفاوضات خصوصا وان علاقته قد تعززت كثيرا، مع منظمة التحرير الفلسطينية التي أعلمته بما يجري بينها وبين السفير الأميركي في تونس روبرت بليترو من مفاوضات سرية ترمي الى تحريك »جبهة« السلام داخل فلسطين، واعتراضها على الطرح الاميركي، لأنه يهدف الى ابعادها، ارضاء لاسرائيل، عن طاولة المفاوضات. الفرنسيون يريدون استعادة لبنان الى حضنهم، فسوريا البراغماتية بعيدة عنهم، واسرائيل أميركية بامتياز والفلسطينيون في الداخل مرتاحون لمظلة الدعم الاميركية للانتفاضة. فأين إذن موقعهم في الشرق الأوسط؟ وقد ظهرت بوضوح دائرة التعاطف الفرنسي بحيث راحت وفود شعبية تزور »لبنان عون« وتناصره وتشجعه وتلقي عليه رداء »ديغول المحرّر«، فيما ترسل فرنسا الدولة بواخر نفط وغذاء في محاولة لكسر طوق الحصار المضروب على المناطق الشرقية، في محاولات لم تنجح بإتمامها وكانت تهدف الى اعطاء حرب التحرير اكبر زخم ممكن بتخفيف الصور المأساوية المحيطة بها. وهكذا بدت الحرب سورية عراقية وفرنسية اميركية، أحجار الشطرنج فيها اللبنانيون. وتحركت الوساطة وكانت لجنة عربية ثلاثية قوامها العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز والعاهل المغربي الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد. وأتى شكل هذه اللجنة بعد اعتراض سوريا على البلدان الاخرى التي كانت في اللجنة السداسية لانها اعتبرتها قد ناصرت عون وشجّعته على شن حرب عليها في لبنان. مهمة هذه اللجنة كانت التوصل الى حل للأزمة اللبنانية. إلا أنها سرعان ما اعلنت في الأول من آب عن وصولها الى طريق مسدود. الطاغية قانوناً أين أخطأ عون؟ هل نتجرأ ونقول: في مسيرته الحكومية بالمطلق. لنقرأ الوقائع على هدي المفاهيم والنتائج: أتى العماد عون رئيسا لحكومة انتقالية، إلا أنه تخطى إطاره الدستوري، فبدلا من ان يعمل على المجيء برئيس للجمهورية تتحمل المؤسسات الدستورية تبعة اعماله، حاول ان ينقذ على طريقته الجمهورية. وهو قد حوّل نفسه عن دراية أو عن جهل الى طاغية بالمفهوم القانوني. وهو، عندما أعلن »حرب التحرير«، اقترف خطأ استراتيجيا كبيرا، اذ فرض رؤيته على الآخرين وارادهم مجرد مناصرين، بدءا بالولايات المتحدة الاميركية مرورا بالبطريركية المارونية ونواب »بيروت الشرقية« وصولا الى »الكتائب« و»القوات اللبنانية«. وخاض العماد عون حربه ضد »القوات« لئلا يستبدل موقعه باتفاق الطائف، مع أنه أدرك بوضوح ان الطائف يجب ان ينجح، وليس أدل على ذلك من تصريح السفير الاميركي في اهدن، وتكوكب الارادات المحلية والخارجية، لانتخاب بديل عن الرئيس معوض، بعد ساعات على اغتياله، والتدخل الاسرائيلي القوي لصالح »القوات اللبنانية« منذ اندلاع »حرب الالغاء«. يتذكر إعلامي كان يعمل في الاذاعة اللبنانية التابعة للعماد عون، أنه اتصل بالمستشار الاعلامي في قصر بعبدا يوسف الاندري، وسأله عن موقف الجنرال من الغزو العراقي للكويت، ليكون مضمونه محور تقرير في برنامج سياسي أسبوعي. فأجابه الاندري، بثقة وفرح وأمل، بأن هذا الغزو يعني شيئا وحيدا وهو سقاط اتفاق الطائف، لأن الطائف اتى وليد اتفاق اميركي سعودي، وقد أسقط صدام حسين هذا المحور. لو أحسن العماد عون القراءة، لكان الواقع المسيحي في لبنان مختلفا جدا؛ لا احباط، لا وجوم، لا استقالة من وطن، لا معارضة عشوائية، لا مقاطعة برلمانية، لا نفي ولا سجن ولا فراغ في الزعامة. اخطأ عون، فدخل الطائف بالفرض الى جمهور معبأ ضد رموزه. فما كان عليه الحال لو اتى الطائف ومسيحيو لبنان مقتنعون بأنه مدخل معقول الى السلم الذي كان سيبقى مستحيلا، لو لم يعبث العماد عون مع الكبار. وماذا كان عليه واقع لبنان لو سار الطائف في ظل تماسك المسيحيين وتمتعهم بالقوة والاحترام؟ هل كان شكل الحكومات سيأتي كما أتى لاحقا؟ أم كان بمقدور عون وجعجع وداني شمعون وحزب »الكتائب« ان يحققوا الكثير ولا يتركوا فراغات لمستوزرين لاحقين عومتهم »حرب الالغاء« لا غير؟ رجال البندقية كان هدف حكومة »المصالحة الوطنية«؛ التسمية التي اطلقت على حكومة الرئيس رشيد كرامي لانها ضمت في صفوفها سائر المتقاتلين، باستثناء »حزب الله« و»الحزب الشيوعي اللبناني«، بعدما تم إعلانها في 24 كانون اول 1990، حل الميليشيات، تمهيدا لانتشار الجيش في اماكن تواجدها، بعدما نجح في تجربة بيروت الكبرى، وتمكن من بسط سطوة الامن وازال التعديات التي استهدفت بيوت الكتائب في المتن والاشرفية. وكانت قوى »الحزب السوري القومي الاجتماعي« و»حزب الوعد« التابع لايلي حبيقة قد احتلتها، واوقف موجة الاغتيالات التي استهدفت بعض ضباط »القوات اللبنانية«، ووضعت في إطار تصفية حسابات بين قوتين تناحرتا حتى آخر نقطة دم، أمكن هدرها. وانطلقت مسيرة حل الميليشيات في جلسة عقدها مجلس الوزراء في 16/1/1991، قرر فيها تأليف لجنة برئاسة وزير الدفاع ميشال المر وعضوية وزراء الداخلية والخارجية والزراعة سامي الخطيب، فارس بويز ومحسن دلول، مهمتها تتلخص بالآتي: وضع خطة لحل الميليشيات، نزع السلاح، بسط سلطة الدولة. وكلف الوزير المر في تلك الجلسة، بصفته وزيرا للدفاع، اتخاذ القرارات الآيلة الى تحقيق الآتي: منع حمل السلاح وتخزينه، استعادة كامل عتاد القوى المسلحة، منع الجبايات غير الشرعية، كل ما من شأنه ان يحقق استتباب الأمن. وبدأت اللجنة اتصالاتها، ووضعت ضابطين لا يمكن تجاوزهما لارتباطهما بالسيادة وبأوضاع إقليمية: عدم شمول المخيمات الفلسطينية بقرار مجلس الوزارء، عدم شمول سلاح المقاومة في الجنوب والبقاع الغربي بخطة نزع السلاح. رفض الدكتور سمير جعجج خطة عمل اللجنة، فهو لا يرى عدالة في الطرح، فبقاء المخيمات و»حزب الله« يستدعي بقاء »القوات اللبنانية«، لأنها، من وجهة نظره، ذات وظيفتين: الاولى مسيحية داخلية تتمثل في مواجهة »امل« و»الاشتراكيين« و»القوميين« إذا قرروا الاعتداء على المسيحيين، اما الثانية فسيادية تعود الى اسباب نشوء »القوات اللبنانية« اي لمحاربة الوجود الفلسطيني في لبنان الذي سعى الى انشاء دولة ضمن الدولة، وقد امتدت الوظيفة الثانية الى مقاومة الهيمنة الايرانية المتمثلة ب»حزب الله« الاصولي الداعي الى انشاء دولة إسلامية. في الواقع كان موقف جعجع يتقاطع مع موقف الادارة الاميركية التي كانت تنظر الى »حزب الله«، على انه تنظيم »ارهابي«، ولا تعترف كما عادت وفعلت عام 1998 بأن اعماله العسكرية ضد الاحتلال الاسرائيلي إنما تهدف الى تحرير الأرض. وبالفعل ضغط السفير الاميركي في بيروت ريان كروكر في هذا الاتجاه، حتى بدايات آذار، وقدم ما يكفي من دعم لجعجع ليبقى على تصلبه، فتحقق واشنطن مرادها المرتبط بتصور اقليمي، ويحقق قائد »القوات« حياة أطول للميليشيا وبالتالي شروطا أفضل تساعده في ازالة ما يعترض عليه في السياسة. إلا أن آذار 1991، سيشهد انقلابا في الموقف الاميركي. فماذا حصل؟ في القسم الاول من شباط 1991 خرج وزير الخارجية الاميركية جايمس بايكر باقتراح يقضي بتحريك عجلة السلام في الشرق الأوسط، بعدما اضحت الولايات المتحدة اكثر تحكما بالأمور، بفعل انهيار الاتحاد السوفياتي من جهة وبفعل نتائج حرب الخليج من جهة ثانية. وقد عرض فكرته على الكونغرس الاميركي، اولا، ثم على الرئيس جورج بوش الذي وافق عليها، فبدأ وزير خارجيته يعد الأرضية اللازمة لتحركه الذي اوصله في 13 آذار 1991 الى سوريا للقاء الرئيس حافظ الاسد الذي تدرك اميركا انه المفتاح الذي يمكنه ان يسمح بالولوج الى تقدم ذي شأن، على اعتبار ان قبول الأسد بعملية السلام سيعني حتما ان الجهود الاميركية مشروعة في عيون العرب. في ذاك اليوم لم ينتقل بايكر الى لبنان الذي كان لا يزال منذ 13 تشرين الاول، بقرار اميركي، في عهدة سوريا لمساعدته في ازالة مظاهر الحرب، الأمر الذي ادى الى انتقال وزير الخارجية فارس بويز ومعه سفير لبنان في واشنطن نسيب لحود الى دمشق. الحديث اللبناني الاميركي تطرق في جانب منه الى خطة بايكر في عقد مؤتمر دولي للسلام برعاية اميركية سوفياتية، يجمع الدول العربية مع اسرائيل، إلا أنه بحث في الجانب الآخر في الوضع الداخلي اللبناني والعراقيل التي تحول دون حل الميليشيات وموقف السفير الاميركي في بيروت الذي لا يشجع على عبور هذا الاستحقاق بسلام. وعد بايكر بحل هذه الاشكالية، واعلن تمسك بلاده باتفاق الطائف، وكرر دعوتها جميع الافرقاء اللبنانيين الى التزامه حرفيا والتعاون مع السلطة الشرعية المنبثقة منه على استكمال تنفيذه، واوصلت الخارجية الاميركية عبر موفدة سرية الى جعجع رسالة واضحة بضرورة التحاق »القوات اللبنانية« بالشرعية. كان واضحا من كلام بايكر أنه سار بالمفهوم اللبناني للأمور، المتفق كليا مع المفهوم السوري لها. اولى نتائج هذا التحرك الاميركي الجديد وما رافقها من مواقف داعمة لسوريا، ترجمت ايضا انقلابا في موقع جعجع، بحيث رفع الضغط الذي كان يمنع التحاق رئيس حزب الكتائب جورج سعادة بالحكومة، بالرغم من حيوية الحقيبة المسندة اليه (وزارة الاتصالات السلكية واللاسلكية). وفيما التحق سعادة أعلن جعجع أنه يسمي روجيه ديب ممثلا ل »القوات اللبنانية«، على ان ينضم الى مجلس الوزراء في اول جلسة يعقدها في 20 آذار. وقبل يوم واحد على التحاقه بالحكومة زار ديب سوريا، حيث التقى مطولا نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام. في هذه الاثناء كثفت اللجنة الوزارية المكلفة ايجاد الطرق الآيلة الى حل الميليشيات عملها، ووضعت لمساتها الأخيرة على تقرير ترفعه الى المجلس عن نتيجة اتصالاتها والتصور الذي توصلت اليه، عاكسة باللهجة التي استخدمتها حجم الصعوبات التي كانت قد اعترضتها ولا سيما لدى »القوات اللبنانية«، مطالبة بالاستعانة بالقوات السورية في ضرب كل ميليشيا تعترض على حل نفسها وتسليم سلاحها. اما رئيس الجمهورية الياس الهراوي، في ضوء المعلومات التي وفرها له صهره الوزير فارس بويز، من دمشق عن الاجواء الاميركية السورية والاميركية اللبنانية، فقرر ان »يضرب على الجامد« بحيث تكون جلسة 20 آذار هي جلسة حل الميليشيات. في صبيحة يوم القرار حدث ما لم يكن متوقعا، إذ ان رئيس اللجنة الوزارية المكلفة موضوع الميليشيات، ونائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع ميشال المر، تعرض لمحاولة اغتيال باستهداف سيارة مفخخة كانت متوقفة في وسط الدلتا الفاصلة بين مسلكي الطريق قبالة بطريركية الارمن في انطلياس. إلا أن الوزير المر الذي اصيب في رأسه، نجا من الموت بعدما قطعت سيارته موقع السيارة المفخخة واصبحت خارج نطاق قوة العصف، بمجرد وصولها الى تحت الجسر الممتد فوق الاوتوستراد. لم يقرأ احد في مجلس الوزراء هذه الجريمة التي اودت بحياة سبعة مواطنين وجرح نحو خمسة وعشرين آخرين، إلا في كتاب حل الميليشيات الذي اضحى حبره لبنانيا، وسوريا وأميركيا. قدمت اللجنة الرباعية تقريرها الذي لقي معارضة وزراء الميليشيات من دون استثناء، الا ان المجلس، وإن لم يتبن ما ورد في التقرير، فاتحا المجال امام مزيد من المناقشات، قرر في تلك الجلسة من ذاك اليوم الصاخب بالدم والخوف والتحدي »الموافقة على حل الميليشيات تنفيذا لمضمون وثيقة الطائف«. وانفض الاجتماع، على ان يعقد التالي في 28 آذار اي الخميس التالي... وراح الوزراء يتكهنون بمن يمكن ان يكون قد استهدف الوزير المر بانفجار انطلياس، ويعاتبون وزير الزراعة محسن دلول على ما ابداه في الجلسة من رغبة في تقديم استقالته من اللجنة ويمازحونه: »هل خفت ان تضبط معك بعدما فشلت مع أبو الياس؟«. ولم تكد جلسة حكومة »المصالحة الوطنية« المكتملة العدد للمرة الاولى، تنتهي حتى شنت »القوات اللبنانية« هجوما إعلاميا على تقرير اللجنة الرباعية التي كاد رئيسها يقتل في انطلياس. فشككت بلبنانية اعضائها وتمسكهم بسيادة لبنان، وتناولت واقع الاجهزة الامنية التي تحتاج الى »ازالة الشوائب منها واعادة تركيبها بعيدا عن اي اختراق داخلي او خارجي، بشكل يوحي بالثقة لجميع الفئات اللبنانية«، ودعت الى ان يتزامن حل الميليشيات مع اعادة تمركز الجيش السوري. واقترحت ان تتحول الميليشيات الى وحدات اقليمية من قوى الامن الداخلي توضع بتصرف المحافظ. وبدا واضحا من طروحات »القوات« أنها ترفض إعادة تأهيل مقاتليها للانضمام الى القوى المسلحة، بل تريد ان يصار الى دمجهم »على علاتهم« ولكن ليس في الجيش إنما كقوى محلية، بمعنى ان ينتشر عناصر »القوات« في مناطق »القوات« وعناصر »أمل« في مناطق »امل« فتتمكن بذلك كل ميليشيا، من الاحتفاظ برجالها وان ارتدوا اللباس الشرعي. دوي نام اللبنانيون والمهتمون بشؤونهم في تلك الليلة يحاولون رسم آفاق مقررات هذه الجلسة ومدى تأثيرها على السلم الأهلي، ليفيقوا في التاسعة من صباح اليوم التالي على انفجار ثان في انطلياس، في المحلة نفسها للانفجار الذي استهدف الوزير المر قبل تسعة ايام، تبين انه ناتج عن سيارة مفخخة كانت متوقفة على مسافة خمسة عشر مترا من السيارة الاولى وقرب جدار بطريركية الارمن وادى الى مقتل اربعة اشخاص وجرح عدد كبير. وظهر ان السيارتين كانتا مفخختين بالكمية نفسها من مادة ت.ن.ت وهي سبعون كيلوغراما في كل سيارة. وتبين ايضا، بمراجعة الصور الفوتوغرافية التي اخذت في الانفجار الاول ان السيارة الثانية كانت متوقفة في المكان نفسه منذ الانفجار الاول ومصابة بأضرار ناتجة عنه. وسط هذه الصورة الاعلامية الأمنية حاول الوزير ديب مد اوثق جسور مع سوريا، فزارها في 27 آذار (عشية انعقاد مجلس الوزراء) ثم في 22 نيسان حيث التقى رئيس هيئة الاركان العامة في الجيش السوري العماد حكمت الشهابي. وقد مهد لهذين اللقاءين رئيس الجمهورية الياس الهراوي. اللقاءان كانا يتمحوران حول وضعية »القوات اللبنانية« في ظل حل الميليشيات ونظرة سوريا إليها والى دورها في المنطقة المسيحية، في ضوء الحذر بين الطرفين، كانعكاس للتأزم الممتد منذ انتفاضة سمير جعجع على الاتفاق الثلاثي. إلا أن الطرف السوري شدد على ان أي علاقة مع »القوات اللبنانية« يجب ان تمر عبر الشرعية، فكلما ثبتت مواقعها في النظام اللبناني كلما تعمقت علاقتها مع سوريا. وتسارعت الخطوات فتقرر استيعاب عشرين ألف مقاتل من الميليشيات في اجهزة الدولة، مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، بعد ان يصار الى اعادة تأهيلهم، ودخل الجيش اللبناني، وفق شروط »القوات اللبنانية« لقيادة القوة وعديدها، الى كسروان وجبيل والشوف والبترون في الاول من أيار، من دون ان يتمكن من سحب ما لديها من سلاح، سيصبح محور مفاوضات تنتهي الى السماح ل »القوات اللبنانية« بتصدير اسلحتها الثقيلة الى الخارج، بموجب قرار اتخذه مجلس الوزراء في 12/6/1991 كلف بموجبه وزارة الاقتصاد والتجارة إصدار اجازة مسبقة لتصدير المعدات الحربية والاسلحة والذخائر العائدة ل »القوات« الى الخارج، فيما سمح للحزب التقدمي الاشتراكي ان يسلم اسلحته لسوريا. وبناء على قرار مجلس الوزراء نقلت »القوات« اسلحتها الى اسرائيل وخزنتها هناك لتبيع قسما منها، في وقت لاحق الى الكاثوليك في كرواتيا الذين كانوا يخوضون حربا ضد مسلمي البوسنة والهرسك وارثوذكس يوغوسلافيا. إلا ان الجيش اللبناني لن يكتفي بانتشاره الظاهري، اذ سيعمد لاحقا الى تنفيذ انتشار عملاني يسيطر فيه على منطقتي كسروان وجبيل بأكملهما، بعدما غيرت القيادة القوة التي سبق ان ارسلتها بداية، لتسهل على مجلس الوزارء مهمة إقناع »القوات« بدخوله. وجاءت خطوة الجيش هذه أثر انتشار ناجح ولكن بالقوة في منطقة شرقي صيدا حيث كانت تنتشر المنظمات الفلسطينية. الجاني المجهول من فجّر كنيسة »سيدة النجاة« في الزوق؟ سؤال راح يكبر يوما بعد يوم. بعض المسؤولين السياسيين اعتبر ان الجريمة أتت في لحظة لا تناسب إلا اسرائيل، لتخفف عنها التركيز الاعلامي المستمر منذ 25 شباط حين قتل يهودي مؤمنين مسلمين يصلّون في جامع الحرم الابراهيمي، بلفت الانتباه العالمي، الى ان المسيحيين يقتلون في كنائسهم بالتفجير بواسطة اعدائهم. كثير من المسيحيين تساءلوا عما اذا كان هناك طرف إسلامي متطرف قام بهذه الجريمة، قاصدين بذلك السؤال عن دور »حزب الله« الذي استاء من تطبيع العلاقات الاسرائيلية الفاتيكانية فرد بهذه العملية، فصدّق ما قاله المصري نبيل مكرم المرسي لأمين سر البطريركية ميشال عويط في بكركي وأعلنه القاضي رحمه على انقاض »الكنيسة الشهيدة«. هل هذا محتمل؟ لنقرأ الوقائع: قبل تفجير الكنيسة، بنحو شهر ونصف شهر وتحديدا في كانون الثاني 1994، توجه هذا المصري الى سيدة تدعى انجيل كساب (في العقد السادس من عمرها ولها نشاطات دينية متنوعة) كانت قد دأبت على تعليمه مبادئ الدين المسيحي منذ مدة بناء على طلبه، وأبلغها ان له صديقا يدعى جولان ضيا، وهو ابن صاحب محل التنجيد الذي يعمل فيه على مدخل النبعة، طلب منه ان يشاركه في عمليات لتفجير الكنائس في لبنان. وعلى الفور اصطحبت انجيل نبيل وأخذته الى بكركي، حيث قابلا الأب عويط واخبراه بالأمر، فأخذه على محمل الجد، خصوصا وان التحضيرات جارية لزيارة البابا الى لبنان. فسارع عويط الى وضع البطريرك صفير في الاجواء، وعمد الى الاتصال بفرع الامن العام في جونيه الذي استدعى نبيل وأحاله الى المديرية العامة للامن العام في بيروت حيث أصر امامها على خبريته فتمت احالته فورا الى مديرية المخابرات في الجيش في وزارة الدفاع الوطني في اليرزة التي عمدت الى الاستقصاء عن الاسماء التي اوردها المصري في اقواله، فتبين انها لأشخاص غير موجودين. في وزارة الدفاع تراجع نبيل المرسي علي، عن أقواله لدى السيدة كساب والأب العويط والامن العام، وقال انه اختلق رواية تفجير الكنائس لاسترضاء الكنيسة المارونية على امل ان تساعده في الحصول على الجنسية اللبنانية او ان تمده بالمال. وأصر على ان لا أساس لروايته من الصحة وانه اختار جولان ضيا، لأن هذا الاخير سبق وأخذه إلى »حزب الله« في الضاحية الجنوبية ليتجند مخبرا في صفوفه، ويزوده بمعلومات، يستقصيها من الشريط الحدودي. ما علاقته بالشريط الحدودي؟ لقد تعرف في النبعة، في مكان قريب لمحل يوسف ضيا حيث كان يعمل، على فتاة مسيحية تدعى داليدا روكز وأقام معها علاقات عاطفية ثم تزوج منها لدى الشيخ غسان اللقيس في جبيل. عندما اتم مراسم عماده بمساعدة انجيل كساب التي كانت عرابته، اجرى مراسم زواجه من داليدا في الكنيسة ورزق بابنتين، وذلك على الرغم من انه متزوج اصلا وله زوجة وولدان في مصر. توجه نبيل وزوجته داليدا في مطلع كانون الثاني لزيارة اقارب زوجته في بلدة دير ميماس ومنهم شقيقتها التي نزلا في ضيافتها، بعدما استحصل زوجها سالم الخوري المقيم هناك على تصريح لهما للدخول الى المنطقة الخاضعة للاحتلال الاسرائيلي. وبعد عودته بأيام معدودة توجه الى انجيل كساب، ومنزلها في جونيه، وابلغها الخبر وهي ادعت بأنه كان في حال من الاضطراب. بناء على تراجعه وعدم ثبوت ما كان قد قاله احيل هذا المصري، بحسب الصلاحية الى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان التي اخلت سبيله وادعت عليه بجرم اختلاق اخبار كاذبة وافتراء، واحالته بدورها على الحاكم الجزائي المنفرد في كسروان. إثر الانفجار اعيد توقيف نبيل وجولان ضيا واخضعا مجددا للتحقيق فنفيا معرفتهما بقضية تفجير الكنيسة وأصر المصري على انه ابتدع هذه القصة ليحصل على الجنسية ولكنه هذه المرة أبقي قيد التوقيف ودخل عداد لائحة المدعى عليهم الأول في القضية، وراح الجهاز الامني الملحق بمديرية الاستخبارات يوقف عشرات الاشخاص من الضاحية عله يوفق بشخص ممن ذكر المصري اسمهم في عداد المخططين لتفجير الكنائس. ولكن مرسي علي سيخرج من القرار الاتهامي وقد منعت عنه المحاكمة مع جولان ضيا الذي طرده من محل والده »لأنه كذاب وخراب بيوت«. فمن أين أتى هذا الرجل بخبر سيتحول بعد مدة وجيزة الى حقيقة مؤلمة؟ هل يعقل ان يؤلف قصة ويعمد الى تمثيلها؟ الجنسية اللبنانية قد تستحق ذلك، فعذابات العرب والاجانب المقيمين في لبنان لا ترحم! ولكن الرواية تحققت؟ النائب العام التمييزي عدنان عضوم الذي مثل الحق العام في المحاكمة قال في مطالعته امام المجلس العدلي برئاسة القاضي فيليب خير الله ان »القوات اللبنانية« مهدت لتفجير الكنيسة بحملة شائعات عن إمكانية حدوث تفجير لكنائس رددتها اجهزتها بالتعاون مع المخابرات الاسرائيلية. قد يكون هذا الكلام معقولا لأن الخبر أتى بعد زيارة الشريط الحدودي، حيث ل »القوات اللبنانية« مفوضية ناشطة، وحيث ابلغت الاستخبارات الاسرائيلية بقدوم هذا المصري وتزودت بنبذة كافية عن حياته ومقر إقامته وزوجته وطائفتها، ولكن هذا الكلام وان كان معقولا، فهو يبقى في إطار التحليل لأن لا معطيات كافية لتحوله الى واقعة ثابتة. وتستحق هذه الواقعة، وقفة، عند مقابلة اجراها المحقق فريحة بين جولان ضيا والمصري بعدما كان قد امر بوضعهما في الانفراد. وقد جاء في محضر تلك المواجهة ما يمكن ان يؤكد ان »المؤلف المصري« قد جر ضيا وهو شيعي اقام طوال الحرب في منطقة النبعة التي كانت خاضعة لسيطرة »القوات اللبنانية«، ليأخذه الى احد مراكز »حزب الله«. وقال ضيا: »الحقيقة ان نبيل هو الذي طلب مني ان آخذه الى مركز »حزب الله« في الضاحية حتى يشتغل معهم، فأخذته بسيارتي وسألنا عن المركز في بئر العبد. وكان وقتها هناك قصف على الجنوب. اذكر انه في اوائل الصيف في تموز. فسألنا شخصا هناك عن مكان وجود مركز »حزب الله« فدلنا الى مركز الحزب. فدخلنا بناية وصعدنا الى اول طابق فشاهدنا الحاج الذي عرفنا أنه يدعى الحاج مصطفى. وعرفناه على اسمنا. وقلت له سيدنا في واحد اسمه جورج نورا من النبعة وهيدا كان بالقوات وعم بيجيب اخبار لجيش لحد. وله ابن عم يدعى الياس نورا ملقب بالطحش. كان بالقوات وعاد طلع الى الجنوب. فأعطيت الحاج مصطفى هذين الاسمين. وعندها استلم الحديث نبيل قال: أنا مستعد إطلع أجلب لكم معلومات من الحزام مقابل مبلغ من المال. فقال الحاج مصطفى برد عليكن خبر وانصرفنا«. في مطلق الاحوال، فإن رواية نبيل مكرم المرسي علي سوف تتكرر بعد نحو ثلاث سنوات على لسان مصري آخر في لبنان. فعشية زيارة البابا يوحنا بولس الثاني الى لبنان في 10 أيار 1997، اطلق المصري امين الزعبي شائعة مفادها ان مواطنه نافع البقري سيقدم مع آخرين لا يعرفهم على تفجير كنيسة مار الياس في الدكوانة، مع بدء زيارة البابا الى لبنان. وشاية تقدم بها الزعبي لدى رجال الامن العام الذين احالوه الى مديرية المخابرات في الجيش التي حقق رجالها معه لينتهي الى الاعتراف بأنه اخترع هذا الخبر ليوقع بنافع البقري الذي كان ينافسه في العمل. احيل هذا المصري على النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان التي ادعت عليه، واحالته بدورها موقوفا على قاضي التحقيق الاول في جبل لبنان فوزي داغر، ليسبر أغوار تلك المخيلة المصرية التي لم تنتج هذه المرة أي عمل ميداني. التحقيق لم يتوصل الى »حزب الله«، فهل يفعل القياس المنطقي للأمور؟ هكذا كان سؤال جميع من اطلع على قضية المصري الأول بكل تشعباتها وأعطت التحاليل أجوبة كالتي أعطاها التحقيق. لقد انخرط »حزب الله« في الدولة وشارك في الانتخابات عام 1992 وفاز حيث شاء وينصرف كليا لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي. وهو »صديق« للاجهزة الامنية ويعمل معها في مكافحة التجسس الاسرائيلي في لبنان. وهو حليف لسوريا وينسق معها كل الخطوات في الجنوب بحيث يقوي موقعها ولا يضعفه. وهو يسعى الى تحسين صورته مسيحيا بالاضافة الى كل ذلك فهو علم بقضية المصري وجولان ضيا وبالتالي اذا كانت لديه اي خطة مماثلة سيعمد فورا الى تعطيلها لأن اصابع الشك ستوجه بسرعة اليه. اكثر من ذلك ما هي مصلحته من تفجير الكنيسة. فزيارة البابا لا تزعجه وهو لا ينتقم، لتطبيع العلاقات الفاتيكانية الاسرائيلية بتفجير كنيسة لمجرد انها كنيسة بل يوجه ضربة للسفارة البابوية اذا صح انه يريد الانتقام، واذا فعل هذا يكون في موقع من يقدم لاسرائيل هدية مجانية فيما العالم مذهول لما اقترفه غولدشتاين في الحرم الابراهيمي ويتكلم الرأي العام العالمي وقادته كما لو كان »حزب الله« يتكلم. والنتيجة؟ التحقيق والقياس المنطقي يجعلان حزب الله خارج دائرة الاتهام. إذن، من فجّر الكنيسة؟ رد البعض: هم اولئك الذين حاولوا تفجير الجسر على طريق البلمند بالقافلة التي كانت تقل الاحبار الارثوذكس الذين عقدوا مؤتمرا عالميا لهم في دير البلمند في الكورة شمال لبنان. يحتمل! فهذه المجموعات التي تلقي عبوات ناسفة على المحلات التي تبيع المشروبات الروحية وعلى المنتجعات السياحية وتحاول اغتيال احبار اجلاء انتقاما لما يتعرض له المسلمون في البوسنة والهرسك على يد اليوغوسلاف الارثوذكس قد يقدمون على عمل مماثل خصوصا انهم امتداد لخط واحد يصدر نشرات باسم »جبهة التحرير الاسلامية« تهاجم المسلمين الذين يقيمون علاقات ولو عادية مع المسيحيين كتهنئتهم بأعيادهم. ولكن ليصح هذا الاحتمال يجب ان يقترن بأمور كثيرة. ليس المطلوب معلومات موثقة وأكيدة وإنما تكفي معطيات سطحية وبسيطة تزيل الالتباس الذي يشجع على النفي. فوسائل هذه المجموعات المتطرفة بدائية، بدليل العبوة التي كانت تحضر على طريق البلمند وانفجرت بمن كان يضعها وأدت الى مقتل احدهم في حين ان معطيات المتفجرة المزروعة في كنيسة سيدة النجاة في الزوق تدل على عمل محترف. أكثر من ذلك، فإن هذه المجموعات لم تكن تخرج من نطاق انتمائها الجغرافي، ولو كانت مسؤولة عن عمل مماثل لاختارت احدى كنائس طرابلس ام شكا ام عكار مثلا ولما قطعت مسافات الى منطقة لا تعرفها، لا بل ترهبها. كما ان الكشف الحسي على الكنيسة ووضعية المتفجرات فيها اكد، بدوره، على حقائق لا تحبذ توجيه الاتهام الى هذه المجموعات، لأنه عكس الحقائق الآتية: معرفة بالكنيسة وأوضاعها الداخلية وطريقة قفل أبوابها وإمكانية الدخول إليها ليلا واعادة اغلاق الباب من دون حاجة الى كسر وخلع. معرفة دقيقة بتركيب الارغن وما يحتاج من آلة لفكه واعادة تركيبه. إحاطة بتحركات كهنة الكنيسة وهم رهبان يقيمون في الدير الملاصق للكنيسة مع من يساعدهم من مستخدمين. إلمام بالأمور الطقسية، وبتفاصيل مراسم إقامة القداس ومواقع وأدوار كل من المشاركين فيه من كهنة، وخدام وجوفة ومصلين. إن كل هذا يوجه الى الاعتقاد بأن المحضرين والمنفذين لا يمكن ان يكونوا من غير محيط الكنيسة. النتيجة؟ استبعاد المجموعات الاسلامية حتى إشعار آخر. الآمر المطيع سمير جعجع من غدراس السلطة الى يرزة الطاعة... ومن آمر ناه الى »مأمور مطيع«... من يصدق؟ هو نفسه لم يكن ليفعل... ماذا حصل عند وصوله الى وزارة الدفاع؟ الحقيقة الكاملة ستبقى، حتى إشعار آخر، من أسرار الدولة العليا... أما الوقائع المتوفرة فهي »فريسة« ثلاث روايات: عومل باحترام فائق بمام يتلاءم مع اجواء التحقيق. تم عرضه على الموقوفين »القواتيين« الذين اجبروا على إهانته. لم يعرض عليهم إنما تم تمريرهم بمحاذاة الغرفة التي وضع فيها حيث كان يسمع على ألسنتهم روايات وروايات. ومهما كانت عليه الحال، فإن جعجع لم يكن في تلك الساعة قادرا على رؤية شيء او سماع شيء او الاحساس بما يدور في محيطه او ادراك ما يتطلبه جسده. وهو نفسه سيروي لاحقا لمقربين منه ان فكرة واحدة راودته: »لو كنت من سلالة إقطاعية هل رضي احد أن ألقى هذا المصير«. في 21 نيسان لم يطرح احد اسئلة على جعجع... لم يطلبه احد ولم يزره احد. أعطي ما يأكله فرفضه... فهم جعجع كان، منذ تلك اللحظة، ان يبقى على قيد الحياة... فالأمل اخذه بعيدا إلى نلسون مانديلا... تماما كما اخذ الامل في 13 تشرين الاول العماد عون الى الإمام الخميني. في 22 نيسان أعطي جعجع أوراقا بيضاء ليتكلم على ما يعرفه عن مسائل عدة. رفض جعجع، بداية، ما طلب منه لأن الأوراق غير رسمية... ولكنه اقتنع في النهاية أن يكتب ولكن من دون أن يوقع بسبب عدم رسمية الأوراق. وجها لوجه في منزله كان القاضي منير حنين، إبن دير القمر، ينتظر نتائج التحقيق وما اذا كان استكماله ممكنا حتى يستطيع ان يبدأ تحقيقه هو ليقرر في ضوئه، ما اذا كان جعجع سيبقى بالسجن ام يعود الى حياته الطبيعية. وما ان انتهى التحقيق حتى اجرى منظمه اتصالا بحنين وابلغه بالنتائج فأمره بختم التحقيق وايداعه إياه. على الفور اتصل حنين بالمحامي اسعد أبي رعد وطلب منه ان يكون جاهزا، قبل ظهر الاحد (اليوم التالي) لحضور جلسة التحقيق مع جعجع. طلب ابو رعد ان تكون الجلسة في قصر العدل في بيروت وليس في وزارة الدفاع... رد المحقق حنين: »من قال لك ان الجلسة ستكون في مكان آخر وأنا اخترت يوم الاحد لان الصحافة ستكون بعيدة والقصر خال«. في الليلة السابقة للجلسة اخذت الافكار الرئيس حنين الى البعيد، الى يوم اغتيال داني شمعون الذي كان بالنسبة اليه من اكثر ايام حياته اسودادا... فهو كان يعتبر نفسه، عن حق، جزءا من عائلة كميل شمعون وكانت تربطه علاقة استثنائية بالرئيس الراحل حتى اصبح منفذ وصيته. سأل منير حنين القاضي الذي فيه، عما اذا كان يستطيع ان يغلب عواطف الرجل الذي فيه، ليأتي تحقيقه موضوعيا وحياديا وقراره عادلا وناطقا بالحقيقة. رد عليه الرجل الذي فيه: »لانك تحب داني شمعون لن تفتش عن كبش محرقة بل عن قاتله«. اكد القاضي الذي فيه: »نطق الرجل بالحكمة«. يوم الاحد في الرابع والعشرين من نيسان 1994 خرق موكب فوج المكافحة هدوء قصر العدل في بيروت وخرج جعجع منه محاطا بالحراس من دون ان يصار الى تكبيله او حتى لمسه وأخذ الدرج المؤدي الى الطبقة الرابعة هرولة. وصل الى فوق وكان الرئيس حنين في انتظاره وكذلك المحامي ابي رعد. ادخل مباشرة الى غرفة التحقيق. قبل ان يباشر حنين في طرح اسئلته ابلغ جعجع بأن له الحق ان يطلب تنحيه وقال له: »دكتور جعجع يكفي ان اخبرك أنني منفذ وصية الرئيس شمعون حتى تدرك عمق العلاقة التي كانت تجمعني بهذه العائلة ولك يعود القرار في أن أبقى محققا عدليا او اتنحى«. اجابه جعجع: »أنا لي ملء الثقة بك حضرة الرئيس«. وبدأت الأسئلة والأجوبة. سمح حنين لجعجع بأن يجيب وهو يتمشى او وهو واقف. لكنه لاحظ ان قائد »القوات« مصر على وضع يده في جيبه، فطلب منه ان يرفعها إلا ان جعجع أصر فأصر حنين بدوره، فما كان من »بنطلون« جعجع الا ان يهبط ويكشف عورته... لقد هزل جعجع في الأيام القليلة السابقة بمعدل سبعة كيلوغرامات اغلبها منذ توقيفه. فسارع المحامي ابي رعد، بأمر من الرئيس حنين للسؤال عمن يملك سير »بنطلون« يناسب جعجع ولم يكن في الخارج سوى المحامي اميل رحمة الذي قدم لجعجع ما كان يرتديه. هنا اوقف حنين التحقيق وامر بإحضار عصير وبعض ما يمكن تناوله من طعام. عندما لبي امره دعا الدكتور جعجع ليتناول شيئا فلبى الدعوة وأكل بلهفة وقابلية خمس قطع من اللحم بعجين الامر الذي اثار استغراب الرئيس المحقق فسأله: } منذ متى انت من دون طعام؟ منذ توقيفي. } لماذا؟ لا اريد ان آكل مما يحضرونه. على الفور استدعى حنين المسؤول عن حراسة جعجع وسأله عن سبب عدم احضار ما يلزم من طعام للدكتور جعجع وذلك وفق ما يطلبه هو. رد عليه المسؤول: »لأن لا مال في صندوقه«، فسارع المحاميان ابي رعد ورحمة الى تزويد الصندوق بما كان يحملانه ومنذ ذلك اليوم يأكل جعجع ما يطلبه هو وكله طعام غني بالفيتامينات وخفيف بالدهون. لماذا يا دكتور جعجع؟ سألوه، اجابهم: »لأن البدانة تسرّع في موت الانسان«. في ذاك اليوم عاد جعجع الى سجنه وصدرت بحقه اول مذكرة توقيف وجاهية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة