As Safir Logo
المصدر:

حوار مع التراث ابو بكر الشبلي: اسواق الدنيا(صورة)

المؤلف: الحكيم سعاد التاريخ: 1999-02-05 رقم العدد:8216

حوار مع التراث أبو بكر الشبلي: أسواق الدنيا ***** نزلتُ طبقات الدهر إلى القرن الثالث الهجري الموافق للتاسع الميلادي، وقصدت مدينة جديدة لم يمض على إعادة عمارتها وتنميتها لتسرّ من يراها، أكثر من ربع قرن.. بعيدا عن صخب بغداد، اختار هارون الرشيد في سنواته الأخيرة بلدة ريفية واقعة على الفرات، هي الرقة. أما المعتصم، أخو المأمون، فبعد أن رقي العرش اتخذ لنفسه مقرا جديدا في سامرا، شرقي نهر دجلة على بُعد مئة كيلومتر شمال بغداد، وعرّب اسم المدينة الفارسي في الاستعمال الرسمي فأصبح: »سُرَّ من رأى«.. رأيت سامرَّا بين دجلة وقناتين متفرعتين منه، في منعة حصن بحري، وجامع كبير بناه المتوكل ويستغرق صحنه الداخلي أربعة وأربعين ألف متر مربع أي حوالى سبع مرات صحن آيا صوفيا في استانبول.. رأيت المدينة في أيام صلاحها وعمارتها وزيادتها، في سنة 247ه (861م) وهي السنة التي وُلد فيها أبو بكر الشبلي وقُتل المتوكل.. وفي زمن »استبداد أمراء الجيش وتبدل الحكام المتواصل« على ما يقول بروكلمان في تاريخ الشعوب الإسلامية، كان المعتضد، الخليفة السادس بعد المتوكل، والذي نقل عاصمة خلافته إلى بغداد، ترباً للشبلي. * * * الشبلي تركي العرق، رجل جاه وغنى، كان وأبوه من موظفي البلاط العباسي في سامرَّا، أيام شوكة العنصر التركي، ثم تسلم إمارة إقليم.. لقد عاش ثلاثين عاما قبل أن يتوب، عاش شاهدا على الظلم والاستبداد والعذاب والمصادرات، ومشاهداً لتحول الإنسان من حال إلى حال، من الغنى إلى الفقر، ومن الصحة الى الضعف، ومن السلطة والخلافة والعز إلى الموت صلبا أو ذبحا وأحيانا الترك عاريا في الشوارع على مرأى من الناس... لقد ولاّه الموفق في زمن خلافة أخيه المعتمد إمارة دماوند... والموفق كان »ملكا جبارا مطاعا بطلا شجاعا كبير الشأن«، ثم رأى الشبلي نهاياته وقد أصابه داء النقرس، حتى قال: »في ديواني مئة ألف مرتزق ما أصبح فيهم أسوأ حالاً مني«. آلاف الناس يشهدون يوميا تحولات الأحوال... ويبقى التحول الذي نراه في الآخرين، لدى الواحد منا في حيز الخبر، نتأثر به آنيا ولكنه لا يغير حياتنا، دقائق معدودة من الصمت والإطراق والحزن ثم نستأنف مسارنا كأن شيئا لم يحدث. ولكن بعض النفوس الحية، تظل تتفاعل فيها أخبار الناس وتتراكم حتى تحدث نقلة في نمط حياتها.. وها هو الشبلي يعود عام 278ه، وهي السنة التي توفي فيها الموفق، إلى إمارته ليبرّئ ذمته من الفلاحين والعاملين تحت إمرته، فيقول: »أنا كنت صاحب الموفق، وكان ولاّني بلدتكم، فاجعلوني في حلّ«.. * * * اتخذ الشبلي طريقة إلى خير النسّاج ليسلمه قيادة نفسه ويكون له »مريدا«، فوجهه إلى أستاذ الصوفية قاطبة في زمانه وهو: الجنيد البغدادي. دخل الشبلي مجلس الجنيد.. وقال له، على حسب بعض الروايات: لقد حدثوني أن عندك جوهرة العلم الرباني، فإما أن تمنحنيها وإما أن تبيعنيها. فأجابه شيخ الطائفة: لا أستطيع أن أبيعكها، فما عندك ثمنها. و إن منحتها لك، أخذتها رخيصة، فلا تعرف قدرها.. يا أبا بكر، إن في رأسك غرورا، ولن يكون فيك فائدة إلا إذا قصدت السوق واستجديت كل من لقيته من الناس لتعرف قيمتك. ظل الشبلي يستجدي في السوق عاما كاملا، دون أن يلتفت إليه أحد أو يهتم لأمره.. ونترك أحداث القصة جانبا لنهتم بالدرس الذي أراد أن يعطيه الجنيد للشبلي من خلالها.. لقد أراد أن يبرهن له أن الإنسان كشخص لا قيمة له عند معظم الناس، وأنه إن وضع في السوق فهم فيه من الزاهدين، ان غالبية الناس لا ينظرون إلى ذات الإنسان بل الى ممتلكاته ومكتسباته ومركزه وفعالية مواقعه، ويقدرونه اعتمادا عليها.. لقد أراد الجنيد أن يحرر الشبلي من الالتفات إلى الناس ليُقبل بكليته على الله. * * * وأقول، طوبى لزمن كان البيع والشراء فيه يتمان في السوق فقط، وأخال الجنيد يصعق لو دخل دنيانا، من منظر الأسواق الممدودة في كل مكان. ندخل إلى مؤسسة لنطالب بحق من الحقوق فنجد سوقا.. نلتفت إلى العلاقات الإنسانية والروابط الاجتماعية لنمد جسورا فنجد سوقا.. لقد حكمت علاقات السوق تفاصيل حياتنا وأخضعتنا لمعاييرها وقيمها.. * * * رأيت الشبلي يخرج من أسواق الدنيا، نقياً من الأغيار، هو هو صرفاً.. وقد حركت الحرية إبداع مشاعره في كل اتجاه، فتلون في الأحوال: غاب ووجد، سكر وصحا، جنّ وعقل، نطق وصمت.. يبلّغ الناس ما يسمع من نداء الدنيا، فيقول: قد نادت الدنيا على أهلها لو أن في العالم من يسمع : كم واثقٍ بالعمر وارَيْتُه وجامع فارقتُ ما يجمع ويقول راصداً تغيّر قيم العشق بين الناس: لا تُشْغَلِ اليوم بالصباباتِ فالعِشْقُ ضربٌ من البليّاتِ قد كان فيما مضى الهوى حسناً يبذله سادةٌ لساداتِ وتوالت أشعار الشبلي في العشق الإلهي.. حاملة لتصريحه بالجنون والكتمان، معلنة تخلل روحه بالحضور المقدس.. باح مجنونُ عامرٍ بهواه وكتمت الهوى فَفُزْتُ بوجدي وإِذا كان في القيامةِ نُودي: أيْنَ أهْلُ الهوى؟ تقدَّمْتُ وحدي ليس تخلو جوارحي منك وقتاً هي مشغولةٌ بِحَمْلِ هواكا ليس يجري على لساني شيءٌ عَلِمَ اللّهُ ذا سوى ذِكراكا وتمثَّلتَ حين كنتَ بعيني فهي إنْ غبت أو حضرت تَراكا ذكرتك لا أنّي نسِيْتُك لمحةً وأيْسَرُ ما في الذكرِ ذكرُ لساني وكِدْتُ بلا وَجْدٍ أموتُ من الهوى وهام عليَّ القلبُ بالخفقانِ فلما أراني الوجدُ أنَّك حاضري شَهِدتُكَ موجوداً بكل مكانِ فخاطبتُ موجوداً بغير تكلم ولاحظت معلوماً بغيرِ عيانِ قد تخلَّلْتَ مسلكَ الروح مِنّي ولذا سُمِّيَ الخليل خليلا فإذا ما نطقتُ كنتَ حديثي وإذا ما سكتُّ كنتَ غليلا وقفت أمام الشبلي الذي استطاع أن يكون ذاته في أزمنة الاستلاب، ورفض أن يُعرض ضمن البضاعة المزجاة في سوق الدنيا الكبير، فلم يملكه شيء وكان كله لله.. أنصت إلى أقواله لمريديه وسائليه.. فسمعته يقول: »الصوفي لا يرى في الدارين مع الله غير الله«.. »لو خطر ببالي أن الجحيم بنيرانها وسعيرها تحرق مني شعرة لكنت مشركاً«.. ساءَلته عن نفسه، فقال: »كتبت الحديث والفقه ثلاثين سنة حتى أسفر الصبح، فجئت إلى كل من كتبت عنه فقلت: أريد فقه الله، فما كلمني أحد«.. ثم شبّه نفسه بشخصين، بمجنون بني عامر وبالحلاج.. فقال: »أدخلت المارستان كذا مرة فلم أزدد إلا جنونا«... »هذا مجنون بني عامر كان إذا سئل عن ليلى يقول: أنا ليلى. فكان يغيب عن ليلى حتى يبقى بمشهد ليلى، ويغيّبه عن كل معنى سوى ليلى، ويشهد الأشياء كلها بليلى«. أما عن الحلاج، فقال: »أنا والحلاج شيء واحد، فخلّصني جنوني وأهلكه عقله«. * * * في الليلة الأخيرة من حياته.. ناجى ربه بأبيات لعبد الصمد بن المعذل أو لديك الجن.. فقال: يا بديع الدلّ والغنج لك سلطانٌ على المُهَجِ إنَّ بيتاً أنت ساكنُه غير محتاج إلى السُرُجِ وجهُك المأمول حُجَّتنا يوم يأتي الناس بالحججِ وظل يقول هذا الشعر حتى انطلقت روحه من حيز البدن الفاني إلى معدن الخلود.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة