الحضور البهيّ ***** جسرتَ الحياتينِ... ميتٌ، وكنتَ الحضورَ البهيّْ... ملأتَ رحابَ المجامرِ بالصمتِ، ها جرسٌ خطفَ النار من موقدِ الصحوِ، مسّ العروقَ جميعاً، كما ريشةُ النَّسرِ، تنسلُ آيَ القرارِ جواباً للحنٍ، ترتَّلَ، فاعشوشبتْ بالصلاةِ ضفافُ القلوبِ، وفي مصحفِ الوقتِ نقرأ أقدارَنا والدلالاتْ.. كيف رحلتَ؟!!! وكنا بقلبكَ دفئاً، وغيثاً، كما كنتَ فينا بخوراً، وقاطرةً للعبورِ، وبوصلةً للنجاةْ.. الوفاءُ بكى مرتينِ، لأجلكَ... كي لا تغيبَ عن القلبِ والباصرات.. عليكَ... دموعاً، بحجم الغيابْ.. المقاعدُ في صمتها لا تبوحُ... وتعرف كيف تُساسُ الخيولُ الأصائلُ، كي تتقنَ »الرَّمحَ« بين يدي الخليفةِ، لا تبتئسْ كلنا في غيابك نعبرُ عاماً جديداً عُراةْ.. ومن وحشةِ الغابِ دهشةُ عينيكَ، تشربُ ألوانَها المُترعاتْ.. وتهمي على غافياتِ القلوبِ مطرْ.. فتغسلُ أزمانَها الذاوياتْ.. لتعبرَ زورق بوحٍ تهادى... على موجةِ النبضِ منذُ الصِّغر.. قرأتُ الشرايينَ يرقصُ فيها الشبابُ على نغمةِ الدمعِ يطفرُ حزناً على زمنٍ، يُقتلُ الميتُ فيهِ مراراً.. ولا من يقولُ كفى... ما جرى؟!!!... أولُ القطرِ، في عالمٍ يحتضرْ.. بعينيكَ أسرجُ شمعَ الفؤادِ، لنبكي، معاً، دمعةً في الشآمِ، وأخرى على جسرِ بغدادَ قبلَ دخولِ الهلالِ، وبدءِ الصيامِ، وأخرى على ركن بيتكَ في »أذرِعاتَ«(1) وحرَّى كما جمرة الصيفِ إن دُحرجتْ من أَتونِ السماءِ، على جسر هذا الزمانِ الذي شاخَ تحتَ الخطى، وانحنى، وحين نأتْ جثةُ الميتِ عن قبرها ومشتْ..... مرتين جثا ثم خرَّ على وجههِ فانكسرْ.. وحتى الندامى، نسوا دمعهُ واقفاً في ممرِّ الشجونِ، يُداري على بُعدهم فانهمرْ.. نسوهُ بلا مُؤنسٍ في العراءِ، وكانَ الزمانُ مطرْ.. فأمسكَ من قلبهِ جذوةً، ثم أشعلَ قلبَ السحابِ، بسرِّ التي شربتْ من يديهِ الوفاءْ.. لتعبرَ بوابةَ العشقِ في موكبٍ من بهاءْ.. وكانَ على عجلٍ فانتضى سعفةَ الجرحِ أيقونةً للعبور إلى خلوةِ القلبِ، يقضي فروضَ العتابْ.. وكان على عجلٍ لوَّعتهُ وغابتْ... فصار على موعدٍ ليفكَّ مغاليقَ قفل السماء.. ويفتح أبوابها للذينَ انتموا للوفاء.. وما فرّطوا بالترابْ.. ليقطفَ تفاحةً لحبيبٍ تمادى به دَلُّهُ، في مقامِ المشيبِ، وما عادَ.... كان على عهدهِ دائماً دائماً، في سفرْ... تقلَّد جرحَ البلادِ، وقامَ يبشِّرُ بالنصرِ سَحّاً... سَكوباً... فقمنا نفجّ السواقي على وسعها فانجبرْ.. أجيئكَ........ أندَهُ.......... ما بيننا موعدٌ، وصفيحٌ وأعرفُ أنك سمعٌ، صموتٌ فأبكي على قبركَ الموحشِ الجنباتْ.. تقومُ، تكفكفُ دمعي... تقول: الدموعُ لما سوفَ يأتي... تقول: لأجلكَ فُتُّ مقامَ السماحِ، إلى العفوِ عمن يخوضون بحر دمايَ، ولم أروِ عنهم طوالَ الحياةِ خبرْ.. فليسَ لهم في مقم الصحابةِ ظلٌّ وليس لهم في دروب الحياةِ أثرْ.. هنا من عرفتُ وراء الصفيح بإيماءةٍ، يجمعون الشتيتَ، بلا زمنٍ، ينثرونَ حُروفَ الثواني... فترعلُ كلّ القبورِ زَهَرْ.. ندفئُ أوصالنا بالحديث الرطيبِ، ونتركُ في كل قبرٍ نزور حماهُ ذِكَرْ.. وفي الموتِ مثلُ الحياةِ، فتختارُ ما شئتَ من دوحةِ العشقِ والأصدقاءْ.. فدعهمْ على بعضهم ينفثون تعاويذهم، فيموتُ الربيعُ بلا موعدٍ وتغورُ مياهُ الينابيع من حزنها ويجفّ النهَرْ.. فيا، أذرِعات«!!!... مضى سيدٌ من ذراكِ سَما.. في حماكِ احتمى.. حين غابَ الدليلُ، وكانَ كما بيرقٌ من قماشِ الصحابةِ والأنبياءْ.. وظلَّ على عشقهِ للترابْ.. وحين انتمى للبياضِ، وأدرجَ في كفنٍ زركشتهُ العصافير بالأغنياتْ.. وسجَّاهُ أصحابهُ في رحابِ المسرّةِ والخلدِ ضيفاً على الحور والمرسلينَ تجبَّرَ من عَمِيَتْ مقلتاهُ عن الحق، كيفَ أقامَ الحسابَ »على كيفِهِ« ساعةً ويزيدُ، ولم يرَ نوركَ فوقَ المحاريبِ، يجلو قناديلها بالكلام المباركِ، والطِّيب والأغنياتْ.. الرؤى كيفَ عندكَ والأمنياتْ؟!!!.. وكيف الأعاريبُ؟!!!... دعهم على جهلهم بالزمانِ الذي فرَّقَ الشملَ، دعهم، فأحفادهم لا تقلْ في سُباتْ.. قل لهم: شامخٌ مجدُنا والغلالُ وفيرٌ، ختمنا زمانَ الفسادِ، وصرنا بعصرِ النَّهابْ.. والخليجُ تجاوزَ في زحفهِ الصينَ هيتَ لهمْ، صارَ نفطُ النفوذِ فراتْ.. وصار »تتارُ« المحيطينِ يبتردونَ بماء الخليجِ، ويُصلونَ بغدادَ »بالتوماهوكَ« حمائمُ ترعى سلامَ العراةِ، وفي »الكاظميةِ« و»العامريةِ« تفتحُ عرقَ البلادِ على وسعهِ، لتنوشَ غصيباً.... وترقصَ فوقَ شفاهِ الجراحِ، ذئابْ.. قل لهم: عاقرٌ كلّ هذا الكلام الذي غابَ عن فعلهِ، واعتلى مثلَ ديكٍ يباهي بألوانهِ، الشرفاتْ.. وكيفَ وجدتَ أبا محجنٍ والإمامَ، ومن ماتَ في »النهروان« وواصلَ والأنجمَ الواصلينَ لبابِ المعارفِ، لا ينطقونَ، ومن زهدهم في الحديثِ، تُرتَّلُ قدسيةً في محاريبها الصلواتْ.. أتساءلُ؟!!!.......... ماذا أقول:؟!!!!.......... كما نحنُ، نركضُ خلفَ المنى والرغيفِ، الذي سابقَ الريحَ عدواً وتحفى على خطونا الطرقاتْ.. أتساءلُ؟!!!......... ماذا أجيبُ؟!!!!........ كما نحنُ نعبرُ من دمنا للفؤادِ ونُسألُ!! عن موجبِ السيرِ من غير إذنٍ وعن عددِ النبضاتْ.. بماذا أجيب؟!!!!...... .................. انتظرني عليٌّ.... فلن أخلفَ الوعدَ.... لهفي إلى موعدٍ لا يجيءُ، لأنقلَ عن قلمٍ خطَّ في اللوح سفراً ولو كلماتْ.. سلامٌ عليكَ... إلى الملتقى يا حبيباً جفتهُ، وما أنصفتهُ الحياةْ.. بكتهُ شقائقُ »ذِرْعاتَ« واحتبستْ دمعةُ الأقحوانِ، ونامَ الهزارُ على صوتهِ حين ماتْ.. 15/1/1999 ملاحظة: 1 + 2: »أذِرعات« و»ذِرْعاتْ«: اسمان قديمان لمدينة درعا في الجمهورية العربية السورية.