رحيل المخرج الإذاعي والمسرحي والمدير الفني.. بعد 14 عاماً من الإقامة في الظل صبري الشريف رائد في النهضة الفنية.. ومخرج آخر مهرجانات بعلبك ***** غيّب الموت صبري الشريف المخرج الاذاعي والمسرحي والمدير الفني، مساء يوم السبت الماضي، عن عمر يناهز ال77 عاما. هنا تحية وداعية. لم ينذر صبري الشريف حياته للأدوار الثانية او الثالثة. لم يكن قريبا أبدا من مفاهيم النجومية الدارجة، بيد انه ترك نفسه لموقعه الظلي دائما. فهو موجود بقوة. ولكن في خفاء المساحات الفنية الظاهرة. حسنة في ما مضى، وسيئة في الوقت الحاضر. حتى انه حين توفي، لم يدرِ بوفاته الكثيرون. مات بهدوء. وأكاد أقول أنه مات غريبا من انجازاته الموسيقية والمسرحية والادارية. صبري الشريف الاذاعي بتميزه الاداري بالشفافية القوية، اختصر في شخصه أدوارا عديدة وخبرات فنية وسيكولوجية. فمن خلال الخبرات الفنية التي امتلكها، خلق في الآخرين الحاجة الى معرفة الدراما والاحساس بها. وكذلك الخبرة التشكيلية في استخدام الالوان والخطوط والمناخات والاجواء للتعبير عن المكنونات الفنية. يقال فيه انه المتأني، وانه فهم الحلول على أرض الواقع في الاذاعة والمسرح والتلفزيون. فما لا يعرفه عنه الكثيرون انه أشرف على ادارة انتاج مجموعة من المسلسلات التلفزيونية في الاردن وخارج الاردن: ذلك انه لعب دور المنتج المنفذ في خلال فترة الحرب الاهلية في لبنان لمسلسلي »الإرث« و»صبح والمنصور«. مسلسلين انطلقا من التاريخ الاندلسي، حفلا بالموشحات التي لحنها الموسيقار توفيق الباشا، أخرجهما انطوان ريمي، ولعبت نضال الاشقر دور البطولة في أحدهما. في حين لعبت منى واصف دور البطولة في الآخر. لا أحد يذكر تلك الايام السعيدة، التي أسست للنهضة الفنية في لبنان، عبر مجموعة ظريفة، هي في الحقيقة مجموعة كومندوس، تألفت من أسماء كبيرة، من صبري الشريف الى توفيق الباشا، ومن الرحابنة الى محمد كريم، ومن بديع بولس الى كامل قسطندي وعبد المجيد ابو لبن، ومن زكي ناصيف الى فيلمون وهبي وفيروز. حدثت انفلاتات عصيبة في تلك المرحلة واخرى ظريفة. وهذا قدر الجماعات الكبيرة، اثر تخطيها مراحل التأسيس الى التكوين والانتقال من الاعمال الاولى الى الاعمال المتميزة. غير ان سفر صبري الشريف بقي بحجم الجرح الكبير. فهو في إنجازاته الكبيرة في الخمسينيات والستينيات وبداية السبعينيات، بدا غيره في الثمانينات قبل ان يندر ذكره في التسعينيات. اكتمل حزنه عندها، وهو يستعيد فظاظة التطورات والانقلابات وحركات النزوح الفنية من مقلب الى آخر ومن جيل الى جيل، في انتظار يوم الحساب الكبير. لا شك في ان صبري الشريف قيض له ان يرتشف حلاوة الملكوت الفني. حدث هذا منذ فترة بعيدة، مع الرحابنة ومع غيرهم، فاذا قيل أنهم أعطوه، قال البعض أن هذا الكلام يندرج في محاولات أسطرة الحضور الرحباني في المساحة اللبنانية. اذ انه أعطاهم بقدر ما أعطوه، وربما اكثر على ما يؤكد البعض. انه يقف خلف انتشار صوت فيروز في العالم العربي، بلعبه دورا بارزا في توقيع عقد عملها والرحابنة مع إذاعة صوت العرب العام 1954 1955 اي بعد زواج عاصي من فيروز، عبر إذاعة الشرق الادنى التي شغل فيها مناصب قيادية، لعب من خلالها أدوارا ريادية توجيهية لصالح الفن اللبناني وكبار الفنانين اللبنانيين. رحلة أخيرة انها الرحلة الاخيرة لكل البشر. صبري الشريف يخوضها وهو في السابعة والسبعين. ولد في يافا عام 1922. وهو إذ حل في إذاعة الشرق الادنى في بدايات حياته المهنية، فانه لم يلبث ان دعا الجميع بطرق مباشرة وغير مباشرة الى حياة تعمها الاعمال الفنية والى أعمال فنية تبعثها الحياة نفسها. ثري بدلالات حضوره الانساني. إذ لا يروي احد سيرته الا ويأتي على ذكره عشرات المرات، مؤكدا انه أعطى بدون حساب. فتح قلبه ومكتبه لأبطال الموجة الجديدة في الموسيقى اللبنانية والاغنية اللبنانية في الخمسينيات. سخر كل ما تمتلكه إذاعة الشرق الادنى، لكي تحتضن تجاربهم. الميزانية وضعها في تصرف هؤلاء. هذا على الصعيد المادي، اما على الصعيد المعنوي، فقد أمن بث أعمالهم عبر أثير الاذاعة الواسعة الانتشار، حين كانت الاذاعة اللبنانية تصل في إرسالها الى منطقة ضهر البيدر بالحد الأقصى. لعله أمن من خلال ذلك استمرار الحوار الداخلي بين أطراف النهضة، وبين تجاربهم والتجارب الماضية. بحيث حملتهم التجربة المحضونة بالوعي من أعماق الذات الى أوسع الاطر الاجتماعية، مما أقام نوعا من الاشتباك الواعي بدوره مع الخصوصية المتفردة للتركيبة الانسانية، في جمالية شديدة العمق والبساطة، فجر ذلك طوفانا من المحاولات النوعية القائمة على تنافس ضمني في مسارات إعلاء الشأن الشخصي والشأن العام على حد سواء. كان ذلك دعوة الى امتلاك حياة والدفاع عن الوجود، لمواجهة شكل الحضور في الدولة وماهية حضور الدولة، في ظروف سمحت بذلك. لعبت إذاعة الشرق الادنى دورا هاما وخطرا على صعيد تربية أحلام وطموحات الفنانين اللبنانيين. كما لعبت دورا خطيرا على الصعيد السياسي، انتهى باستقالة جماعية لهؤلاء الفنانين من الاذاعة، أيام العدوان الثلاثي، حيث استولى الحاكم البريطاني لجزيرة قبرص على اجهزة الارسال والبث. غير ان الفترة الفاصلة بين تاريخ التعاون وتاريخ التمرد والاستقالة الجمالية، حفلت بفرصة لقاء عمالقة ذلك الزمن. شامل ومرعي الثنائي المعروف، نجيب حنكش، عمر الزعني وفنان كوميدي جدا اسمه توفيق إسحاق، الاخوان رحباني، توفيق الباشا... كانت »الشرق الادنى« مدرسة حقيقية في إشراف ثلاثة: مراقب الموسيقى والبرامج الموسيقية صبري الشريف. مراقب الدراما: كامل قسطندي، مراقب المنوعات: عبد المجيد أبو لبن. مدرسة منحت الثقة للذين عملوا فيها، ورسمت الدروب إليها بعض الضائعين في متاهات البحث عن دور او وظيفة. محقق فرص يذكر محمد كريم انه في يوم من الأيام استدعاه مراقب الموسيقى في الشرق الادنى صبري الشريف (»كتاب الراوي« سير دار التنوير تأليف عبيدو باشا)، حيث راح يطرح عليه سؤالا بعد سؤال. وعند نهاية الجلسة بينهما، أبلغ الشريف كريّم ان ثمة مركز مخرج موسيقى شاغرا، يريده ان يشغله. وكان كريم لا يزال بعد متعاملا مع الاذاعة وليس موظفاً ثابتاً. حقق له فرصة كبرى بهذا المعنى. وهكذا فعل مع الجميع. فتحت الشرق الادنى على القصيدة والأغنية والموشحات. وركزت على الاصوات الواعدة، في ظل صبري الشريف. الخمسة الكبار في تجربة الموسيقى والاغنية اللبنانيتين، بدأوا هناك، عصبة الخمسة، المؤلفة من توفيق الباشا وزكي ناصيف وعبد الغني شعبان وعاصي ومنصور الرحباني بدأت من هناك. عصبة على غرار عصبة السوفيات الخمسة الكبار. شكلت الاذاعة »بؤرته الثورية« بغير المعنى الغيفاري للكلمة. لم يلحظ احد قصورا في كلامه او في توصيفه او في إشاراته الدالة. كتب حكاية، بهذه الطريقة. كتب حكاية طويلة، بطريقة أشبه بطرق النضال السرية، التي يظهر فيها المقاتل غالبا في ثوب مدني. رائد إذا، له بصمات أكيدة في الطريق الى معرفة الحقيقة، كاسرا الحدود الفاصلة بين الحلم والواقع، مما أحال رؤيته الى رؤية اسطورية. من داخل هذه التركيبة الخارجة من حقيبة الاسرار، بدأ مساهماته الاخرى، كمخرج وكمدير فني وإداري وتنفيذي في مهرجانات بعلبك. هنا بدا الوجدان الجمعي أكثر مباشرة في علاقته بالناس وإزاحاته الكثيرة لواقعية الحكايات الرحبانية الى منطقة الخرافة والميتافيزيق. عاصي كبير، احتاج لكي يحقق رؤاه الى صبري الشريف، حين استقل عن الآخرين، وحين استقل الآخرون عنه بعد نجاح الدورة الاولى لمهرجانات بعلبك. الا انه حضر منذ الدورة الاولى، بعد ان تعود الجميع العمل معه. طرح اسمه للادارة الفنية من قبل الجميع في بادرة حددت موقعه الفعلي في إطار تنمية التجارب الفتية وقتها. مع الرحابنة وغيرهم العناوين كثيرة، تلك التي وقعّها مع الرحابنة وغيرهم. موسم العز، جسر القمر، البعلبكية، فخر الدين، جبال الصوان، ناطورة المفاتيح. هذا في بعلبك. كما انه رسم الاخراج لآخر مهرجان بعلبكي قبل الحرب العام 1974: »تضلوا بخير« استعراض كتبه ريمون جباره، واستعان فيه الشريف على الموسيقى بموهبة وقدرة وخبرة الموسيقار توفيق الباشا. وحين عمل الرحابنة في البيكاديللي وفي مهرجانات الارز، بقي معهم، وكذلك في معرض دمشق الدولي، في »بياع الخواتم«، »الليل والقنديل«، يعيش يعيش، الشخص، ناس من ورق. كل طلب طلبناه لباه صبري الشريف لنا. يقول توفيق الباشا. استطعنا ان نحول »الشرق الادنى« الى مختبر فعلي لأفكارنا وأعمالنا، وقت كانت الاذاعة اللبنانية متواضعة الحضور والسمات والتوجهات. غير ان الشريف الذي محض التجربة الفنية، المسرحية والاذاعية والسينمائية في لبنان (سينمائيات الرحابنة) اكثر سنّي عمره، ابتعد عن التنظير، لصالح التنفيذ الحار والداري والفاهم. قد يبدو الآن رومانسي النزعة في خياراته، تلك التي بدأها باتفاق شفهي قبض على اثره شيكا قيمته نصف ليرة لبانية. لم تقلقه الافكار الكبرى، كفكرة التعبير عن المجتمع، لأنها أضحت وأمست موجودة في أعماله او في الاعمال التي شارك فيها بقوة وحرارة. النتاج الفني تعبير عن العصر والبيئة، هكذا مضى يؤكد من دون تصاريح تأكيد. كما اكد من قبل على شحذ أذواق وتنمية حضور وتكوين عادات العمل الصحيح، لدى رعيل كامل، لم ينكر عليه ذلك. معاناة لا شك في أنه عانى في أيامه الاخيرة مرارة الوحدة. إذ يروي ابنه منجد في تصريح خاص ب»السفير«، انه قضى سنواته الاخيرة مقعدا فوق كرسيه المتحركة. بقي وحيدا من العام 1985 وحتى العام 1999، يراقب البرامج التلفزيونية والبرامج الاذاعية، ويتصل بأصحابها لإبداء ملاحظة. وحده فوق كرسيه المتحرك طوال 14 سنة، لم يزره أحد طوال هذه المدة. هكذا يقول ابنه. لم يزره أحد، سوى زكي ناصيف، من سانحة الى اخرى. بحسب وضعه الصحي. شلت يده، بحيث لم يعد قادرا على الكتابة، منذ أجريت له عملية »الديسك« العام 1982، في احدى المستشفيات. اخطأ الطبيب في عملية »دودة الرقبة« فشلّ الرجل الذي وسم مرحلة كاملة بميسمه. لم تفده الاوسمة الكثيرة التي حازها، وسام الاستحقاق اللبناني المذهب، وسام الارز من رتبة فارس، جائزة عاصي الرحباني، جائزة سعيد عقل. اسس الفرقة الشعبية اللبنانية العام 1962، عمل مستشارا فنيا لمؤسسة التلفزيون الاردني من العام 1973 حتى العام 1982. ساهم في تأسيس الاذاعة الاردنية والليبية والتونسية. انشأ العام 1973 مؤسسة الانتاج التلفزيوني. حركة ابتعدت عن الحذلقة وتصر على البساطة والمواقف التي لا تتسم بالمفارقات. قوة مولدة كان، بعيدا عن التعليقات الانفعالية. ان هذه معادلة كفيلة بكثير ازدهار، تراجع لحظة انهزمت بيروت العام 1982. من ينسى؟ وكيف نحمي تراثه، الذي تتناتشه الذئاب المقنعة؟ لم يكن ثقلا على أحد. في يومه الاخير، نظر الى منجد ثم بكى قبل ان يترك رقبته تستقر على صدره في حركة اخيرة. انه المغرب. صباحا، ووري صبري الشريف الثرى في جبانة الشهداء. شهيد آخر ينضاف الى قائمة الشهداء الطويلة في مجال الفن.