As Safir Logo
المصدر:

»السفير« تنشر فصولا من كتاب عن احدى ادق المراحل المسيحية بين سقوط عون وتوقيف جعجع (2) توقيف فؤاد مالك واثره في انهيار معنويات القوات عندما تلقى جعجع رسائل متعددة لكنه اصر على تجاهلها(صور)

المؤلف: خشان فارس التاريخ: 1999-02-03 رقم العدد:8214

»عمود الملح« كتاب فارس خشان »السفير« تنشر فصولاً من كتاب عن إحدى أدق المراحل المسيحية بين سقوط عون وتوقيف جعجع (2) توقيف فؤاد مالك وأثره في »انهيار« معنويات »القوات« عندما تلقى جعجع »رسائل متعددة« لكنه أصرّ على تجاهلها ******* كانت الحقبة الممتدة من 13 تشرين الاول العام 1990 وحتى 20 نيسان العام 1994 واحدة من ادق المراحل في لبنان بعد الحرب المديدة بالسلاح والسعي لتجسيد »اتفاق الطائف« مسيرة حياة للسلم الاهلي. في الموعد الاول تم إنهاء سيطرة العماد ميشال عون بخروجه من قصر بعبدا الى السفارة الفرنسية في مار تقلا، وفي الموعد الثاني تم توقيف قائد »القوات اللبنانية« الدكتور سمير جعجع، وبين الموعدين جرت مياه كثيرة في الجدول اللبناني، وصبت فيها روافد عديدة اقليمية ودولية لعبت دورا في الدوافع كما في النهايات. زميلنا في »السفير« فارس خشان تابع هذه الأحداث عن كثب، وكان كتابه الذي يصدر بعد أيام بعنوان »عمود الملح« عن »دار مختارات« محاولة تصوير حية لتلك المرحلة. »عون وجعجع والمسيحيون بين السياسة والقضاء«، هذا هو محور الكتاب بدءا من التداعيات التي اوصلت عون الى رئاسة الحكومة العسكرية، ثم اصطدمت بالحروب المتعددة التي كانت أقساها تلك التي خاضها مع جعجع، وصولا الى محاولة جعجع حصر »إرث المسيحيين« به بعد 13 تشرين الاول 90. وفي الكتاب رصد لمواقف البطريرك الماروني نصر الله صفير، الرئيس الياس الهراوي، الرئيس رفيق الحريري، وللتأسيس الثاني للجيش بقيادة العماد اميل لحود، وللعلاقة السورية مع »القوات«، ولمرحلة حل الميليشيات واقرار قانون العفو العام. »السفير« اختارت بعض فصول الكتاب للنشر على صفحاتها قبل طرح الكتاب في الأسواق. مالك إلى السجن كانت باكورة أقوال جرجس الخوري التي نقلت الى البطريرك الماروني في 17 آذار 1994، كافية لإعطاء الجيش الضوء الأخضر لتنفيذ أكبر حملة من المداهمات والتوقيفات على امتداد بيروت الشرقية والمتنين وكسروان وجبيل وحيث يجرؤ »القواتيون« على التواجد، وتم اقتحام عدد من مراكز »القوات اللبنانية« من بينها مقر أركان »القوات اللبنانية« الذي اضحى بعد حل الميليشيات مقر حزب »القوات اللبنانية«. وأنتجت الاعتقالات وما رافقها من استجوابات فاعترافات الى نسْب عدد من الجرائم الى »القوات اللبنانية« من دون أن تزيد رصيد »القوات« في انفجار الكنيسة عن الخلية التي كان قد حدّدها جرجس الخوري. كل هذه المعطيات حوّلت، يوم 23 آذار 1994، الى يوم لا يُنسى في تاريخ »القوات اللبنانية«. ساعات بعد ظهره كانت لاحضار رئيس الهيئة الإدارية في »القوات« الرائد المتقاعد فؤاد مالك، بناء على طلب المحقق فريحة الذي لم يدوّنه على محضر التأسيس، فهو اتى شفوياً وفي اطار إعادة تكليف مديرية المخابرات بشخص مديرها العقيد ميشال رحباني إكمال التحقيق وفقاً للاستنابة المسلمة اليها. وعبارة اكمال التحقيق، وفقاً للاستنابة، تعني توقيف كل من ترد اسماؤهم في الاستجوابات وفي طليعة هؤلاء الرائد الركن المتقاعد فؤاد مالك الذي قال جرجس الخوري عنه إنه رآهم مجتمعين في مبنى الأركان وسلم عليهم ودعاهم الى العمل من دون ضجة. أما ساعات المساء الأولى، فكانت لمجلس الوزراء الذي قرر بناء لمطالعة قدمها وزير الداخلية بشارة مرهج استناداً الى المعطيات الأمنية، حلّ حزب »القوات اللبنانية« أي سحب العلم والخبر الذي كان قد أعطي اليه في 10 أيلول 1991 تحت الرقم 178. وجاء قرار الحل بموجب المرسوم الذي وقع في مجلس الوزراء وحمل الرقم 4908 تاريخ 23 آذار 1994. وترافق توقيف مالك وحل حزب »القوات اللبنانية« مع قرار لمجلس الوزراء في الجلسة إياها يمنع على وسائل الإعلام المرئي والمسموع الخاصة بث الأخبار والبرامج السياسية وحصرها بتلفزيون لبنان الرسمي والاذاعة اللبنانية الرسمية الخاضعين مباشرة لوصاية وزير الاعلام. وأدى هذا القرار الى عدم قدرة »المؤسسة اللبنانية للارسال« على بث وقائع مؤتمر صحافي كان قد عقده الدكتور سمير جعجع، بعد الظهر، وخصصه للكلام عن توقيف مالك وما يوجه من اتهامات في حق »القوات اللبنانية«، إلا أنه رفض أن ينقل مباشرة ليخضعه لرقابته »فالظرف يفرض ذلك« على ما قال جعجع، يومها للمسؤولين في تلفزيونه واذاعته »لبنان الحر«... وقد كانت هاتان المحطتان بيت القصيد في قرار مجلس الوزراء على اعتبار أن قرار الحل يستدعي لاحقاً وضع اليد على ممتلكات الحزب المحلول. فهل كان يملك واقعياً أي شيء؟ لم يقرأ أحد توقيف مالك في الكتاب القضائي، إنما ركن الجميع الى القاموس السياسي لمعرفة معناه وأبعاده، وجزم هؤلاء أنه السلم الطبيعي الذي سيتسلق اليه المعنيون للوصول الى سمير جعجع خصوصاً أن التوقيف ترافق مع إزالة كل الحصانات السياسية. أخرج سمير جعجع نفسه من حصانة النظام مع خروجه من انتخابات 1992 بعد رفضه الدخول في السلطة الإجرائية، ومن حصانة الميليشيا عند موافقته على السير بقرار حل الميليشيات، وبالتالي ارتضى أن يكون اسماً لغير مسمى بالعرف القانوني، فالقوات اللبنانية التي يسمّي جعجع نفسه قائداً عاماً لها، لم تعد موجودة منذ حل الميليشيات. وها هو سمير جعجع مع توقيف مالك الذي ترافق مع حل الحزب، يخرج نهائياً من الحياة السياسية المشروعة، مع فقدانه آخر منبر مشروع يطل عليه الى الناس واركان النظام. قبل أن يتم توقيفه، كان فؤاد مالك يقوم بجولة من الاتصالات السياسية الروحية لتطويق الأجواء التي بدأت تشاع عن تورط »القوات اللبنانية« بانفجار كنيسة »سيدة النجاة« في الزوق. بدأ صباحه بزيارة جعجع في غدراس، للاطلاع منه على التطورات وعلى الاجواء، خصوصاً أن مالك كان على موعد مع البطريرك الماروني. بعد غدراس اتجه »الجنرال« الى بكركي واجتمع مع سيّدها ووضعه بتصور »القوات« حول ما يجري، وقال له: »يا سيّدنا، يريدون أن يطعمونا لحمنا بيدنا. فجّرونا وقتلوا ناساً منا ثم ها هم يتهموننا«. بدا البطريرك صفير متروياً... لم يسهب في التعليق... كان غارقاً في صدمة الكنيسة الضحية وبعدها بصدمة الأنباء التي تنقل اليه من المحققين والأمنيين عن الجهات التي تؤشر المعلومات الى تورطها. ترك مالك يقول له كل ما يريد قوله، ليعلق في نهاية اللقاء: »نحن ننتظر نتيجة التحقيقات، وحتى تلك الساعة يفترض أن نترك للدولة حقها في حفظ الأمن كيفما ترتئي«. حذره مالك من امكان أن يعمد البعض عن سابق تصور وتصميم الى تضليل التحقيقات، فرد البطريرك بسؤال كان يعبّر عن ضياعه: »طيب، جوزف فريحة، مش مسيحي حتى يرضى أن يضلل التحقيق؟«. ترك مالك بكركي وتوجه الى دير مار روكز في الدكوانة حيث تناول الغداء الى مائدة رئيس عام الرهبانية الانطونية الاباتي يوحنا سليم ووضعه في تصور »القوات« للتطورات القضائية الأمنية الأخيرة. بعدها توجه الى دير سيدة اللويزة حيث اجتمع للغاية نفسها مع رئيس عام الرهبانية المريمية الاباتي سعد نمر. استكمل »الجنرال« لقاءاته المقررة واتجه الى منزله في منتجع »دونا ماريا« بالقرب من كازينو لبنان في المعاملتين ولكنه لم يصل. فعلى طريق جونيه نصبت قوى الجيش حاجزاً طلب من سائق مالك التوقف على يمين الطريق، ليتقدم من السيارة جيب عسكري نزل منه ضابط برتبة نقيب وقال لمالك انه مطلوب الى ثكنة صربا ودعاه الى صرف سائقه ومرافقه. وقاد السيارة عسكري وأجلس مالك في المقعد الخلفي. في ثكنة صربا أُصعد مالك في سيارة عسكرية كان بداخلها رجال مدنيون واقتيد الى وزارة الدفاع. وبدأ التحقيق معه... وهكذا وبينما كان كثيرون يحلّلون وينتظرون، كان فؤاد مالك يقول للمحققين ان الحزب الذي يترأس هيئته الإدارية إنما اراد جعجع تأسيسه ليكون تغطية شرعية لواقع غير شرعي، ويقدم لجعجع وصفاً ولا أقسى، ويوافق على واقعة رؤيته لمجموعة كان بينها طوني عبيد مجتمعة أواخر عام 1993. كان فؤاد الياس مالك (انان جزين 1936)، عند توقيفه، إثر عودته من فرنسا التي يحمل جنسيتها، رئيساً للهيئة الإدارية في »القوات اللبنانية«، بعدما شغل »زمن الميليشيا« رئاسة هيئة الأركان العامة في »القوات اللبنانية«. كان ما ادلى به فؤاد مالك، في افادته الأولية، كافياً للمحققين ليقدموا على ختمها وارسالها الى المحقق العدلي. لقد ثبّت رئيس الهيئة الإدارية في حزب »القوات اللبنانية« المحظور نظرية المحققين الداعمة لأقوال جرجس الخوري، من خلال تأكيده واقعة حضور طوني عبيد أحد اجتماعات »الخلية« في مبنى الأركان، مما يعني أن جرجس الخوري كان ينطق بالحق. وزاد على ذلك بأن قدم لقائد »القوات« وصفاً ولا اقسى كان كافياً بحيثياته في تحويل جعجع الى مجرم خطير، عجز عن إعطاء هذا الوصف أعتى معارضي جعجع. في اليوم التالي، استلم المحقق فريحة الرائد الركن المتقاعد. كان التعب بادياً على فؤاد مالك... فهو لم يحلق ذقنه منذ ما بعد ظهر الأربعاء ولم يستحم وأُخضع لجلسات تحقيق طويلة لامست الى حد ما، كل حياته. دخل الى مكتب فريحة الذي تربطه به علاقات نسب، إذ ان المحقق العدلي هو أحد أقرباء زوجة مالك. بادره المحقق العدلي بتذكيره بالعلاقة التي تربطهما وطلب منه الجلوس ومن الحراس إحضار القهوة. وأكد فريحة لمالك »ما عندي شي ضدك«، وسأله إذا كان يريد محامياً من اثنين ينتظرانه في الخارج وهما أسعد أبي رعد وكيل حزب »القوات اللبنانية« واميل رحمة. اعترض مالك في البداية على الاثنين: »لا أريد محامياً سياسياً وأفضّل محامياً عدلياً«. } »على كل حال، علق فريحة، فأنت لا تحتاج معي الى محام«. بلى، رد مالك، فما دام هناك محاميان فليدخل أحدهما. ودخل اميل رحمة ولحقه كاتب عدل كان قد استُدعي ونظم له وكالة على عجل. وبدأ التحقيق من النقطة المعتادة: »هل توافق على إفادتك الاولية؟«. وبدأ الجواب من نقطة تبين ان مالك مدرك طريقه: »إقرأ لي اذا سمحت« فقرأها الكاتب وما كاد يصل الى النقطة التي تتعلق بواقعة مشاهدته طوني عبيد في الأركان حتى فاجأ مالك فريحة: »هذه القصة كلها كذب. فأنا آخر مرة شاهدت فيها طوني عبيد كانت منذ ثلاث سنوات«. برّر مالك إفادته الأولية لهذه الجهة للحالة النفسية التي وُضع بها وللضغط المعنوي والجسدي الذي مورس عليه فقرر »حفاظا على كرامتي وعلما بأن هذا التحقيق سيعاد أمام المحقق العدلي الاجابة حسب الإيحاء على أن أصححها أمام المحقق العدلي«. قاطعه المحقق: »هل اطلب لك طبيبا؟«، فأجابه »لا أريد أطباء«. فسأل المحقق: »اذاً كيف تقول انك تعرضت للضغط«. فصّل مالك: أنا لم أُضرب جسديا بل أُبقيت واقفا، معصوب العينين من الساعة الخامسة بعد ظهر الأربعاء حتى ظهر الخميس من دون السماح لي بالجلوس او النوم، وبالنسبة لسنّي لم أعد أتحمل، وهُددت بزيادة ال»دوز« (العيار) وسمعت أنهم على استعداد لاستعمال وسائل اخرى من التعذيب أشد قساوة كالتعليق«. وفي غمرة تراجعه راح مالك يرجو المحقق العدلي ان يعمد الى نقله من وزارة الدفاع. الا ان مذكرة وجاهية صدرت في حقه وأعيد الى حيث كان. وقائية جعحع مهما كان الامر، فان توقيف مالك انعكس سلبا على معنويات الكوادر التي عملت في »القوات اللبنانية« بحيث لمسوا، بما لا يقبل الجدل، انهم اصبحوا ضعفاء وملاحقين بغطاء سياسي، بعدما كانوا القوة التي تلاحق وترعب وتفرض شروطها وتنفذ الأوامر العليا التي تنبع، أولا واخيرا، »من مصلحة المجتمع المسيحي«. وقد تفاعل هذا الشعور، عند من ألقي القبض عليهم وأنتج انهيارات معنوية دفعتهم في ظل ضغط غرف التحقيق مهما كان عاديا الى سرد كل ما يعرفون مما عملوه او ما سمعوه مباشرة او مداورة، تصريحا او تلميحا. ضغط غرف التحقيق كان في ذهن كثير من اللبنانيين وجميع الكوادر »القواتية« كناية عن مطحنة يمر بها المستجوَب بعذابات لا توصف الى شفا الموت، وفق ما كانت تقوله بيانات مكتب »القوات« الاعلامي، عندما وجهت اتهامات محددة الى عدد من »القواتيين«. أدرك جعجع التأثير السلبي لتوقيف مالك وهو سيتكرس، بعد ثلاثة أيام بموجب مذكرة وجاهية على معنويات شبابه وشعر بمأزق المنع من الإطلالة التلفزيونية التي كان من شأنها تعويض الاحساس بالوهن، فانتقل الى مقلب آخر مزدوج الهدف؛ فهو من جهة اولى قد يؤدي الى رفع المعنويات بتقديم المثل الصالح، وهو من جهة ثانية سيتمكن من معرفة ماذا يحصل في كواليس التحقيقات. أما هذا المقلب فتمثل في إصرار جعجع على العمل بسرعة لإيفاد محامين يقفون الى جانب مالك وإعطاء الموافقة على تعيين محامين فرنسيين له من تيارات متعاطفة مع »القوات«، بحيث يعملون على غير خط لمناصرة مالك وبالتالي »القوات اللبنانية« على أخطر تهمة يمكن ان تنسب اليها. عمل جعجع بجهد كبير لإبعاد التهمة عن »القوات« وأمر بإجراء اتصالات سريعة بين مكتبه ومكاتب »القوات« في بريطانيا والولايات المتحدة وأوستراليا لتزويده بمستندات تثبت ان طوني عبيد ونبيل منسى وجان شاهين هم خارج لبنان، منذ مدة طويلة على وقوع الانفجار. رسائل متعددة وعلى الرغم من ثقل التهمة واتساع رقعة التضييق، بقي جعجع أقله حتى 28 آذار مطمئنا الى وضعه الشخصي، من أن ما تشهده »القوات اللبنانية« لا يمكن ان يطاله شخصيا خصوصا ان عناصر جهاز الامن قادرون على إثبات وجودهم في الخارج، بعدما دعاهم الى الاطلالة اعلاميا من دول اغترابهم، موزعا على الملأ أرقام هواتفهم. وبالفعل أضحى هؤلاء قبلة عدد كبير من الصحف والمجلات التي نقلت نفيهم للرواية التي صوّرتهم أبطالها، وجهلهم لجرجس الخوري الذي وصفوه بأنه عميل لأجهزة أمنية تناوئ »القوات« العداء. وقد أدرج جعجع أقله إعلاميا ما يحدث في إطار استمرار الضغط على »القوات« لترضخ سياسيا. وأسر الى مقربين منه ان التضييق المترافق مع الاتهامات الباطلة ليس سوى عقاب له على مواقفه التي أطلقها غداة تفجير الكنيسة في مؤتمره الصحافي في 28 شباط 1994، وأفادهم ان مسؤولا أمنيا لبنانيا غير مدني اتصل به فور انتهاء مؤتمره الصحافي، وقال له بالحرف: »اذا كنت رجال خليك واقف على رجليك«. إلا ان هذه الطمأنينة سرعان ما ستنقلب الى قلق. فبعد ظهر السابع والعشرين من آذار 1994، كان يوم الاثنين، التقى المحامي أسعد أبي رعد النائب العام التمييزي آنذاك منيف عويدات على مدى ساعتين ونصف ساعة، في محاولة منه لفهم ماذا يجري وسبر أغوار المدى الذي يمكن ان تصل اليه الملاحقات، خصوصا ان تصوره الشخصي كان يصل الى حد توقيف جعجع. جلسة طويلة جمعت الرجلين اللذين قامت بينهما علاقة قديمة، منذ كان أبو رعد مساعدا قضائيا ملحقا مع القاضي عويدات، وقد نتج عنها في الفترة التي شهدت بدايات ملاحقة »القواتيين« زيارات عدة للنائب العام التمييزي لقائد »القوات اللبنانية« في غدراس شجعت عددا آخر من القضاة على القيام بزيارات مماثلة كانت تحاط بأكبر قدر من السرية. في هذه الجلسة سمع عويدات تصور أبي رعد لأهداف الملاحقات القضائية وتأكيداته المتتالية استحالة ان يكون ما يُنسب الى »القوات« لا سيما في ملف الكنيسة، صحيحا، انما هو ملف مركّب هدفه الوصول الى جعجع بسبب مواقفه السياسية. التقى عويدات مع خلاصة تصور أبي رعد، من ان المسألة ستصل الى حد توقيف جعجع، لكنه خالفه في المعطيات المؤدية الى النتيجة، لان جرجس الخوري بإصراره على ما يقوله يبدو جازما وصادقا، من دون ان يستبعد احتمال وقوف إسرائيل وراء الانفجار ووراء جرجس وخليته، خصوصا ان التجربة اللبنانية تدل الى ان كثيرا من القيادات تسقط على »المفرق« الذي سينقلها من سياستها القديمة بكل تحالفاتها الى سياسة جديدة متغيرة، اي ان ذهاب جعجع الى القرداحة هو مؤشر على سياسة جديدة قد ينتهجها جعجع الامر الذي أثار حفيظة اسرائيل فنصبت فخ الكنيسة لجعجع لإسقاطه. يومها أصر عويدات على ان ملف الكنيسة بمعطياته الجديدة لا لبس فيه، وأبلغ ابي رعد ان الاجواء السياسية في لبنان وسوريا لا تؤشر الى ان هناك اي استعداد لمنع اتخاذ ما يلزم من تدابير بحق جعجع، وقال له: »المجال مفتوح أمامه ليرحل«. ترك أبي رعد الاجتماع الثنائي المغلق وتوجه بسرعة الى غدراس. سأل عن »الحكيم«، قالوا له انه يعقد اجتماعا غير سياسي في الطابق الكائن تحت الارض. لم يطلب إبلاغه بمجيئه، اخترق الطريق اليه فوجده جالسا يشرب البيرة مع زوجته وبعض أصدقائه. سلام سريع على الموجودين وكلام لجعجع: »حكيم أريد ان أحدثك على انفراد في شأن مهم للغاية«. ما الأمر؟ سأل جعجع. } شي بخصوص الملاحقات، يعنيك أنت؟ رد أبي رعد. »تكلم تكلم«. أمر جعجع مبتسما في إشارة الى اطمئنانه للموجودين. } حكيم، خذ زوجتك وارحل عنا. شو هالحكي يا أسعد: قال جبنا الأقرع حتى يشجعنا قام كشف عن قرعتوا وفزعنا. } حكيم، أنا لا أمزح ولا أحلل، انها رسالة. لا تزعل يا أسعد، ما أنا أقرع أكثر منك. } لازم تطلع من هون، والا بدهم ياخدوك... كل هالشغل حتى ياخدوك. طوّل بالك يا أسعد، مش هالقد. } أنا أحمل إليك رسالة مفادها ان الطريق مفتوح أمامك للخروك من غدراس، وحواجز الجيش لن تتعرض لك بل تستطيع ان تجتازها الى أي سفارة تريد، ولا بأس اذا كانت السفارة البابوية. لن أترك لبنان، وعلى الجميع ان يفهم ذلك. قطع جعجع الحوار. في اليوم التالي بدا لجعجع ان ما قاله أبو رعد أكثر من مجرد مخاوف رجل اشتهر بوفائه استنتجها من دردشة مع قاض أحب ان يسترسل في تحليل ما عنده من معطيات... ماذا حصل؟ في الثامن والعشرين من آذار داهمت قوة من الجيش اللبناني فيلا يملكها سمير جعجع في عيون السيمان وفتشت في محتوياتها وضبطت بعض الاوراق منها جواز سفر باسم اندريه فريد باسيل صدر في 16/9/83 لمدة خمس سنوات وموقع من زاهي البستاني وفيه سمة دخول الى فرنسا وعليه صورة سمير جعجع. كما ضبطت هذه القوة محفظة يدوية بداخلها أوراق عائدة لجعجع مدوّن عليها عبارة »اتفاق استراتيجي بين لبنان واسرائيل«. في اليوم نفسه أوقفت قوى الجيش المتمركزة على الطرق المؤدية الى مقر جعجع في غدراس، جهاد سليمان المسؤول عن حرس جعجع شخصيا. بعد يومين يستدعي جعجع أبي رعد ليضعه في آخر الاجواء القضائية ويبلغه قراره النهائي: أنا قررت أن أبقى وأواجه مصيري. اذا دخلوا الى هذه البناية أذهب الى الثانية، واذا أخذوا مكتبي ألجأ الى أصغر مكتب... واذا أخذوا الكرسي الذي أجلس عليه أقف... ولكن قاطعه أبو رعد هم لا يريدون كل هذا انما هدفهم أخذك أنت. } إذاً، هذه وكالة نظمتها باسمك لتكون محاميّ. قالها جعجع ووضع يده على كتف أبي رعد ثم أكمل: أعرف أنك لن تتركني. جعجع مطمئن... ولكن تبين للمحامي اسعد ابي رعد لاحقا ان النصيحة التي كان قد أسداها هو لجعجع بمغادرة البلاد عاد فوجهها اليه مسؤول كبير في الدولة عندما حاول ان يراجعه بمسألة مداهمة منزله في عيون السيمان. لكن جعجع بالرغم من كل ذلك بقي مطمئنا الى مصيره. فهو، بناء لطلبه، عقد اجتماعا في غدراس مع مسؤول في السفارة الاميركية في بيروت، ابلغه خلاله هذا الأميركي، أن معلوماته تؤكد ان الأمر سيطال القوات ولكن لن يصل الى قائدها. وكان جعجع يثق بالاميركيين الى حد كبير وأقام معهم علاقات ممتازة حتى ان السفراء المعتمدين في بيروت كانوا على اتصال حميم مع مقربين من جعجع امثال ريشار جريصاتي الذي كان يشعر بأن أبواب السفارة في عوكر مفتوحة له كما لو كانت أبواب غدراس. لم يكن شهر نيسان اعتياديا بحىثيات يومياته بالنسبة لسمير جعجع، فقوى الجيش تنجح، يوما بعد يوم، في مداهمة مخازن الاسلحة التي رفض جعجع تصريفها وامر بالعمل على تخبئتها في اماكن آمنة لا يعرف بأمرها الا من يطمرها، بعدما اتفق ان تنقسم المجموعات التي ستقوم بهذا العمل الى فرق صغيرة لا تتعدى في اسوأ الحالات خمسة اشخاص من المعروفين بولائهم المطلق له. أكثر من ذلك كله، لاحظ جعجع ان هناك تجاهلا سياسيا له؛ الاتصالات متوقفة معه والتعليقات اذا صدف ان صدرت على التطورات فإنما تأتي لتصب في خانة التهجم على »القوات«. اجواء عشرين نيسان لم تكن مريحة: فالمعلومات الواردة الى غدراس تشير الى ان عملا ما سينفذ في الساعات المقبلة، وقوى الجيش في محيطها تعززت اكثر فأكثر، واسئلة صحافيي الليل ومعطياتهم خطرة وتنبئ بأن القرار بتوقيفه لن يتأخر عن الصدور. أطل 12 نيسان 4991 بأجوائه الملبدة التي كانت كالمغنطيس الذي جذب عشرات المراسلين الصحافيين الى غدراس ليطلعوا من »الموقع المستهدف« على صحة ما يصل اليهم، بالتواتر وبالتلميح، من مواقع السلطة، خصوصا ان عبارة نسبت الى جعجع كانت قد سربت في الليلة السابقة ورددها نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي لكل من سأله عن توقعاته حول مصير جعجع: »لا اريد سليمان فرنجية ثانيا« في إشارة الى الأمر الذي وجهه قائد »القوات« لغسان توما بهدف تصفية داني شمعون. كان واضحا لكل من قصد غدراس ان جعجع لا يملك جوابا حاسما لما يجري في الخارج، وهو ينتظر محاميه ليبلغه بحقيقة الوقائع. لقد كان اسعد ابي رعد يومها في قصر العدل في بيروت يحاول ان يعرف شيئا عن مصير جعجع. جعجع كان محتارا. فها هي اذاعة »الشرق« التابعة لرئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري تنقل عن مصادر واسعة الاطلاع ان مذكرة احضار صدرت بحق سمير جعجع، ولكنه هو شخصيا لم يتلق ما يفيد بذلك، والتطمينات الاميركية لا تدفعه الى تصديق هذا النبأ. التقى المحامي ابي رعد النائب العام التمييزي منيف عويدات ومن ثم المحقق العدلي في قضية اغتيال داني شمعون القاضي منير حنين، فلم يبلغاه عن تدبير مماثل فعرض عليهما في حال كانت هذه الخطوة مقررة، ان تعمد المباحث الجنائية المركزية، التابعة لقوى الامن الداخلي، الى ابلاغها الى جعجع في غدراس وهو لن يتأخر عن التوقيع عليها والحضور الى جلسة التحقيق المقررة. أُفهم أبي رعد ان مسألة حضور جعجع ليُطرح عليه ما يلزم من اسئلة تتعلق بالملف المكون في قضية شمعون، هي امر نهائي ولكن البحث يتناول الطريقة الافضل. لم يتلق وعدا بأن تُلبى نظرته الى كيفية استدعاء جعجع ولكنه لم يجابَه برفض، وابلغه القاضي عويدات: »اذا مر هذا اليوم من دون استدعاء جعجع فإن استدعاءه سوف يتأخر نحو أسبوعين«. حمل هذا المحامي حصيلة لقاءاته الى غدراس حيث كان كل من فيها ينتظره. لما رآه جعجع بادره فورا بالسؤال: »ماذا يحصل؟« رد عليه وكيله: »إذا مرت هذه الليلة على خير، فإن مسألة استدعائك للتحقيق ستتأخر اقله اسبوعين«. ومتى تتوقع ان تنتهي هذه المهلة؟ سأل جعجع. »مع الساعة السادسة مساء«؟ رد أبي رعد. كانت الساعة، آنذاك، تشير الى الخامسة بعد الظهر. »واذا لم تمر على خير«؟. »أنا عرضت أن تأتي عناصر من المباحث الجنائية المركزية لتبلغك أي مذكرة تصدر بحقك واذا حصل ذلك فعليك ان تستقبل من يأتي إليك وتوقع على المذكرة التي يحملها وتكتب عليها أنك على استعداد للنزول الى قصر العدل، فقط، لتعطي إفادتك«. »وهل هذا ممكن الحصول؟« سأل جعجع. »إن الاجواء التي لمستها مشجعة«. رد المحامي وسارع الى ترطيب الاجواء: »لقد التقيت الجنرال مالك منذ يومين في وزارة الدفاع، وهو يأمل ان يخرج في موعد أقصاه اليوم لانه عيد ميلاده، وقد سألني عن رأيي اذا كان سيحتفل بعيده في منزله«. ضحك جعجع وعلّق: »ما أفضى باله هذا الرجل«، ثم سأل: »هل انت متفائل يا استاذ اسعد بالنسبة لموضوعنا« رد الاستاذ: »ان شاء الله حكيم، اكيد، غيمة صيف وتمر«. تغير »جوّ« جعجع فطلب سيجارا، اشعله بهدوء وسار مع ابي رعد الى الباحة الخارجية فانفرجت اسارير كل من كان في غدراس وعلق بعضهم: »الاستاذ اسعد اتانا بالاخبار الجيدة. ولوه هالاعلام شو بيحكي!«. غادر ابو رعد غدارس... فيومه كان مضنيا... وأبلغ جعجع أنه سيكون في الشاليه خاصته في طبرجا، فإذا شاء شيئا فهو سيكون فورا في غدراس. كانت السابعة مساء حين دق الهاتف في شاليه طبرجا فرد أبو رعد: »معك مكتب الحكيم. يجب ان تكون هنا فورا«. أعاد ثيابه التي كان بالكاد قد خلعها. اصطحب زوجته هدى معه. وصل الى غدراس حيث تفاجأ بتواجد أمني غير اعتيادي. منع من التوجه الى المقر. اعترض ابو رعد »لقد كلمني الدكتور جعجع وطلب مني القدوم وكان الى جانبه المقدم جان سلوم (رئيس فوج المكافحة في الجيش اللبناني)، مما يعني ان المقدم سلوم موافق«. رد عليه المسؤول عن الطوق الامني: »تعليماتنا تمنع دخول اي كان«. طلب منه ابو رعد ان يتصل بالمقدم سلوم ففعل وابلغه: »الدخول ممنوع«. خمس دقائق وكانت الترتيبات حول اقتياد جعجع الى التحقيق قد اتخذت. دخلت ثلاث سيارات جيب عسكرية. كل السلاح اختفى في غدراس. صعد جعجع في سيارة الجيب الثانية وجلس الى جانبيه عسكريان، وانطلق الموكب نحو وزارة الدفاع. قبل ان يترك جعجع غدراس، سارعت زوجته السيدة ستريدا جعجع الى توضيب حقيبة ثيابه، قبّلته، وسألت المقدم سلوم: »هل أستطيع ان ابقى هنا، ام ان عليّ أن أترك«. رد عليها: »بالنسبة لنا، سيدتي، انت حرة في قرارك«. اخذوا جعجع. تحفظوا على ستين شابا كانوا معه، فتشوا مقر غدراس بحضور السيدة جعجع، وضبطوا ما وجدوه، وسجلوا ان اجراس هذه البلدة الكسروانية الوادعة كانت تُقرع فرحا. على اي اساس قانوني تم توقيف سمير جعجع، وبأي قضية؟ في الواقع لم يكن لموضوع تفجير كنيسة »سيدة النجاة« في الزوق اي علاقة مباشرة بتوقيف جعجع، اذ ان قرار احضاره صدر في قضية داني شمعون فقط، بناء على استنابة قضائية اصدرها القاضي منير حنين. وهذا نصها: »تقرر استنابة، قيادة الجيش، مديرية المخابرات، لإجراء جميع التحقيقات والاستقصاءات بالدعوى العالقة امامنا المتعلقة باغتيال رئيس حزب الوطنيين الاحرار المهندس داني شمعون وزوجته وولديه، توصلاً لمعرفة كامل هوية ومحل إقامة كل من الاشخاص المذكورة اسماؤهم أدناه: عاطف الهبر، ايلي عواد، جورج الفغالي، جان سميا، ايلي عقيقي، فريد سعادة، جان شاهين، غسان توما، انطونيوس الياس الياس وسمير جعجع، وكل من يظهره التحقيق متدخلا او شريكا او فاعلا، وعند العثور علىهم احضارهم والتحقيق معهم في الموضوع المشار اعلاه ومخابرتنا تباعا«. (...)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة