»عمود الملح« كتاب فارس خشان »السفير« تنشر فصولاً من كتاب عن إحدى أدق المراحل المسيحية بين سقوط عون وتوقيف جعجع من سقوط الحصانة عن جعجع.. بيده هو إلى متفجرة الزوق و»حملته« على أجهزة الدولة ... ****** كانت الحقبة الممتدة من 13 تشرين الاول العام 1990 وحتى 20 نيسان العام 1994 واحدة من ادق المراحل في لبنان بعد الحرب المديدة بالسلاح والسعي لتجسيد »اتفاق الطائف« مسيرة حياة للسلم الاهلي. في الموعد الاول تم إنهاء سيطرة العماد ميشال عون بخروجه من قصر بعبدا الى السفارة الفرنسية في مار تقلا، وفي الموعد الثاني تم توقيف قائد »القوات اللبنانية« الدكتور سمير جعجع، وبين الموعدين جرت مياه كثيرة في الجدول اللبناني، وصبت فيها روافد عديدة اقليمية ودولية لعبت دورا في الدوافع كما في النهايات. زميلنا في »السفير« فارس خشان تابع هذه الأحداث عن كثب، وكان كتابه الذي يصدر بعد أيام بعنوان »عمود الملح« عن »دار مختارات« محاولة تصوير حية لتلك المرحلة. »عون وجعجع والمسيحيون بين السياسة والقضاء«، هذا هو محور الكتاب بدءا من التداعيات التي اوصلت عون الى رئاسة الحكومة العسكرية، ثم اصطدمت بالحروب المتعددة التي كانت أقساها تلك التي خاضها مع جعجع، وصولا الى محاولة جعجع حصر »إرث المسيحيين« به بعد 13 تشرين الاول 90. وفي الكتاب رصد لمواقف البطريرك الماروني نصر الله صفير، الرئيس الياس الهراوي، الرئيس رفيق الحريري، وللتأسيس الثاني للجيش بقيادة العماد اميل لحود، وللعلاقة السورية مع »القوات«، ولمرحلة حل الميليشيات واقرار قانون العفو العام. »السفير« اختارت بعض فصول الكتاب للنشر على صفحاتها قبل طرح الكتاب في الأسواق. الحصانة الساقطة في تموز 1992، انطلقت الاشارة وبدأت ورشة تفكيك ما بقي من »القوات« السابقة. المحطة الاولى كانت في الكرنتينا التي حولتها »القوات« الى »مدينة القيادة«، وقد عمدت قوة الجيش الى اخراج العناصر الذين كانوا لا يزالون فيها ومعهم الدكتور سمير جعجع واركان قيادته. كان جعجع على علم بخطوة الجيش وبحيثياتها، ومع ذلك نزل الى مقر قيادته في ذاك اليوم، ليصور خروجه اضطهادا ويحصد عاطفة شعبية، بعدما نجحت وسائل الاعلام »القواتية« في طرح اسئلة، بقيت عالقة لساعات، عن مصير قائد »القوات«. تفاعل مناصرو جعجع مع التساؤلات ووقف المحايدون مذهولين للتطور، في حين فرح البعض واخذتهم التمنيات الانتقامية الى ابعد من الواقع. ساعات قليلة وتنجلي الحقيقة، فجعجع وصحبه خرجوا الى غدراس. كانت الكرنتينا يوم دخول الجيش اليها هي الحدث. اقتحام؟ بالتأكيد لم يكن كذلك... خطوة كبيرة؟ بالتأكيد، فالكرنتينا رمز »قواتي« انهار. منذ ذاك اليوم، بدأت قوى الجيش اللبناني تراقب عن كثب التحركات »القواتية« والاجتماعات مهما كان نوعها، على خلفية معارضة جعجع المترافقة، مع معلومات مؤكدة عن قنوات مفتوحة مع اسرائيل تسمح، بالمنطق الامني المرتكز على المفهوم الوقائي، بجعل »الحبة قبة«. ماذا حصل؟ في 21 تشرين اول 1992 دخلت قوة من الجيش مشاغل شركة تابعة ل »القوات« في عينطورة حيث كانت توجد سيارات عسكرية »جيبات« و»كومون كار« استعملت في اثناء الحرب في العمليات الامنية واللوجستية العسكرية، وتمت مصادرتها، استنادا الى قرارات مجلس الوزراء التي تقضي بحل الميليشيات وبسط سلطة الدولة على جميع الاراضي اللبنانية والطلب من الميليشيات تسليم اسلحتها الثقيلة والمتوسطة واجهزة الاشارة والآليات، في مهلة اقصاها 30/4/1991. وفي 26 تشرين اول 1992 داهمت قوة من الجيش مركز »القوات اللبنانية« في اتشيناك الاشرفية بعدما حول الى مركز مثلث الاستعمالات: مركز للنشاطات الطالبية، مركز لفرع القوات في الاشرفية، ومستوصف صحي خيري اجتماعي لاقليم الخروب. هاجم جعجع الاقتحام والتوقيف »الذي شمل بعض الطلبة« فرد عليه مصدر امني بالتفصيل متهما المجتمعين بأنهم ينسقون وينظمون ويستعدون امنيا وعسكريا لتقلبات المرحلة المقبلة. وفي 27 تشرين اول نفسه دخلت قوى الجيش مقر دير غوسطا الذي كان جعجع قد استعمله حتى 31/12/1991 كمعهد لتخريج ضباط »القوات اللبنانية« وعمدت الى طرد من فيه، بعدما تم تحويله الى مركز »لكشافة المستقبل« بإدارة حبيب طانيوس نمور الذي كان يدير ايضا »حربية القوات«. يومها شن جعجع هجوما على الجيش اللبناني، من دون ان يسميه، متهما إياه بأنه انشأ في لبنان دولة خاصة به، »تقوم الى جانب دولة المسؤولين« الذين اتصل بهم ووضعهم في الاجواء وبدوا متفهمين وقال جعجع: »عندما تصبح ادارات الدولة تتصرف من دون قرار مركزي او سىاسي تحل الكارثة الكبيرة ولا يعود احد يعلم ما يحدث، وتدب الفوضى«. واستمرت قوى الجيش، أثر ذلك، في وضع »القوات اللبنانية« برجالاتها الاساسيين ونشاطاتها المتنوعة، تحت مجهر المراقبة، وخففت اجراءاتها الامنية مع تخفيف »القوات اللبنانية« لنشاطاتها، ومع تأليف الرئيس رفيق الحريري في 24/12/1992 اولى حكوماته التي اخرجت الكتائب و»القوات« من صفوفها وسائر القوى التي قاطعت الانتخابات النيابية. الا ان السؤال الذي يطرح نفسه، في هذا السياق، لا بد من ان يدور حول الاسباب التي دفعت رئيس الجمهورية الياس الهراوي، وهو كان من اكثر المتحمسين لادخال جعجع في جنة الشرعية وجعله سندا قويا للحكم في الوسط المسيحي، الى عدم الحماسة لشكاوى جعجع التي رفعها اليه، اثر بدء حملة التوقيفات؟ كان الرئيس الهراوي قد اتصل بسمير جعجع في اوائل صيف 1991 ووبخه، بقسوة »زحلاوية«، على اطلاق يد رئيس جهاز الامن في »القوات« غسان توما لتجميع معلومات امنية عن المقر الرئاسي المؤقت في الرملة البيضاء (تعود ملكية البناء للرئيس رفيق الحريري)، وتحديدا عن مكتب الرئيس وقاعة مجلس الوزراء. وقد رد جعجع على اتهام الرئيس الهراوي له، بأن ابدى دهشته وعدم معرفته بهذا الأمر، ووعده بأن يستوضح حقيقة الأمر، ويوبخ غسان توما، اذا صح وقام بما يشكو منه الرئىس. في اليوم نفسه، اعاد جعجع الاتصال بالرئيس الهراوي، وابلغه بأن توما لم يكن يحضر لأي عمل امني، انما اخذ مبادرة شخصية، للاستطلاع عن حال المقر الرئاسي، حفاظا على حياة جعجع شخصيا من اي عمل يمكن ان يستهدفه اذا نزل الى المقر، واوفد اليه نادر سكر لتأكيد ما قاله. الا ان الرئيس الهراوي استمر بقساوته، على وتيرة الاتصال الاول، وقال لجعجع: »هنا مقر الرئيس وليس ملعبا بلديا. وبدلا من التلهي بتجميع معلومات امنية، تفضل والتحق جديا بالشرعية، فهذا أفضل لك ولشبابك وللبنان، وإياك ان تنجرف الى المحظور«. هذه الواقعة التي أثارت الشك في نفس رئيس الجمهورية، كانت كافية ليقف موقف الحيادي الايجابي، من كل الاجراءات الامنية، لا سيما انها تترافق مع تصلب سياسي يبديه جعجع ومع معلومات تشير الى ان جعجع بدأ يتخطى الخط الاحمر الوطني، ليس بما يتوافر عن انتقاله سرا الى اسرائيل فحسب، انما بتأكيد الوزير المر، المقرب من رئيس الجمهورية، في حلقاته الضيقة، أن جعجع هو من حاول اغتياله، قبل اشهر قليلة في انطلياس ويمتنع عن تسليم الاشخاص الذين تقول المعلومات الامنية انهم هم من اقدموا على تنفيذ عملية تفجير السيارة. قضية جعجع مع الرئيس الهراوي، ستنتقل في النصف الثاني من عام 1993 الى مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، شرط الا تطاول اجراءاتها جعجع الذي كان قد نجح في اخراج غسان توما ومنعه من التردد الى لبنان كما كان يفعل سابقا، بعد انكشاف امره. الهدف السياسي كان واضحا من وراء قرار الاحالة، وهو الضغط على جعجع بما اقترف جهازه، من اجل الحد من جنوحه المعارض. اما الهدف الامني، فكان بدوره واضحا، اذ ان هذه القضية تؤكد النظرية المستمرة بأن جعجع لا يزال يشكل خطرا على الامن الداخلي. وبالفعل أوقفت مديرية المخابرات التي كان قد اتصل علمها بهذه الواقعة من خلال توقيفات سابقة، كلا من المؤهل الاول في الجيش شرفان غازي الخوري بولس وانطوان الياس جبور وحققت معهما. ويعمل شرفان بولس خبير متفجرات ومهمته تفتيش مكتب الرئيس وغرف المقر الرئاسي والاغراض التي تدخل اليه، اما جبور فيعمل في »القوات اللبنانية« بصفته المسؤول عن الامن في منطقة جبيل ومركزه برج الفيدار. وبعد شهر تقريبا تسرب الخبر الى الصحف اللبنانية فاطلع شحادة الشواح على ما فيه من معلومات كانت عامة ولم تسمِّ آنذاك الجهة المتورطة مما دفعه الى الاتصال بنائب مدير المخابرات في الجيش العقيد جميل السيد قائلا ان لديه ايضاحات، فدعي الى التحقيق معه وتم توقيفه، ونفى في استجوابه ان يكون قد اشترك في الترتيب لمحاولة اغتيال انما فقط لبى طلب توما فاجتمع الى شرفان بولس واخذ معلومات منه، الا ان القضية سرعان ما سيتم تجاوزها بعدما ابلغه توما »ان شرفان سبب له مشكلة مع الدكتور جعجع وانبه على العمل ومنعه من متابعته«. وفي 16/12/1993 احيل الملف الى قاضي التحقيق العسكري الاول رياض طليع الذي حقق في القضية واصدر في 25/1/1994 قراره الاتهامي فيها فاقتصر الاتهام على ثلاثة موقوفين وفار واحد هو غسان توما. وقد اصدرت المحكمة العسكرية الدائمة لاحقا حكمها في القضية وانزلت عقوبات الاشغال الشاقة المؤقتة بالموقوفين والاشغال الشاقة لمدة عشرين سنة بغسان توما وابرمت محكمة التمييز هذا الحكم الذي استند الى قرار المحقق طليع وهو من اوكلت اليه مهمة التحقيق في معظم الملفات »القواتية« التي احيلت على القضاء العسكري. ترافقت الاجراءات القضائية في قضية الرئيس الهراوي مع متابعات امنية اخرى هدفت الى تضييق الخناق على »جعجع العسكري« من خلال اسقاط نهائي لجهاز امنه بعرقلة تحرك اركانه الذين لا يزالون في لبنان او اولئك الذين غادروا لئلا يتمكنوا من العودة. وبالفعل، اوقفت قوى الجيش مجموعة من المنتسبين الى »القوات اللبنانية« وابقت لديها من قاموا بعميات امنية ضد الجيش في خلال »حرب الالغاء« وتحديدا أعمال القتل والاعدام في عمشيت التي تخطت واقع التراشق المدفعي او المعارك الحربية، وحرق مبنى وزارة المال على طريق النهر بيروت وتفجير مركز المغاوير في رومية. واثارت هذه الحملة حفيظة جعجع، لا سيما انها تعني تحويل معارك، »من اجل الطائف«، مع العماد عون، الى جريمة. وسعى الى رفع ظلامته الى السوريين الذين كانت علاقتهم بجعجع قد وصلت الى حد القطيعة، فعمد الى تلمس الأبعاد عبر مقربين من دمشق ومن العميد غازي كنعان. إلا ان مساعي جعجع لم تفلح فالغطاء السياسي مؤمن للجيش الذي يحيل كل من يجده قد اقترف جرما الى القضاء العسكري. ومع ذلك حين لم ينبر احد من السياسيين الى الرد على ما تثيره »القوات« إعلاميا من ان الاجراءات تستهدف قمعها سياسيا، كانت قيادة الجيش تتدخل وترد عبر مصدر امني بعنف على جعجع، من دون ان تسميه ون دون ان تحاذر التلميح الى وقوفه وراء ما كان يحدث. كانت الردود تحمل في طياتها مخزون حقيقة العلاقة، بين جيش يخاف على مستقبله من ماضي »القوات«، وبين »قوات« تخاف على حاضرها من ماضيها الذي انفتح على مصراعيه أمام رأي عام دقيق في مرحلة دقيقة... فالحقائق التي تخرج بها الملاحقات، وان لم تؤد في مراحل لاحقة، الى تجريم وسجون، فهي ستزوّد مناوئي »القوات« بأمثلة أسلحة، فيما تجعل مناصريها في خوف يعرقل أي تحرك مطلوب منهم ليتمكنوا من احتلال الساحة المسيحية وسياستها بعدما خسروها، بفعل حل الميليشيات والمعارك الداخلية، عسكريا، وتسمح لمنافسيها على الساحة بالتحرك بحرية بعدما تنتج الملاحقات إسقاطا للوهرة »القواتية«. جعجع وتوما في أيلول من »عام الملاحقات« (1993) ترك جعجع لبنان في زيارة بقيت مجهولة الجهة، كثرت يومها، المعلومات حول وجهتها، منهم من قال انها لباريس حيث سيسعى الى لقاء العماد عون وأركان المعارضة، لتوحيد وجهة النظر الى الأمور، ومنهم قال انها لواشنطن للاطلاع على قرار »عاصمة العالم«. ولم يكن جعجع يدخل في لعبة تبادل المعلومات وأصر على ان زيارته شخصية وخاصة. ما توافر، يومها، للاجهزة الامنية الرسمية، ان جعجع ومعه زوجته السيدة ستريدا قد غادرا الى قبرص حيث يتواجد غسان توما وزوجته اللذان أتياها، من الولايات المتحدة الاميركية. لماذا يجتمع جعجع بتوما في قبرص وفي هذه المرحلة بالذات؟ هل اللقاء هو حقا مجرد لقاء عادي أم أنه يهدف الى تنفيذ أمر ما؟ سؤالان أصبحا، في فترة وجيزة، على لسان المسؤولين اللبنانيين من دون ان يحصلا على أجوبة شافية وواضحة، وهم بطبيعة الحال لم ينتظروها من جعجع نفسه. عاد جعجع الى بيروت، وأول نشاط علني قام به كان ان عقد اجتماعا موسعا لمسؤولي »القوات«، تحدث به بثقة بالنفس وبأمل بالمستقبل... وأعلن »أن جهة ما »تخوض حرب إلغاء جديدة« غير معلنة رسميا، يستخدم فيها الأخصام السياسيون كل ما توافر لديهم من الاسلحة السياسية والاعلامية. والهدف واضح يختصر بالسعي الى ترويضنا سياسيا وإجبارنا على الاعتراف بواقع سياسي مزوّر وبتركيبات لا علاقة لها بالشعب والناس والرأي العام، وإلا فبماذا يمكن تفسير اقتصار الاعتقالات والمداهمات على عناصر »القوات اللبنانية« ومحازبيها. لقد أصدروا استنابات قضائية ضد عدد من رفاقنا بتهمة شل الدفاع الوطني والاعتداء على الجيش اللبناني... وناقضوا أنفسهم بالادعاء أن رفاقنا خاضوا حرب الدفاع عن أنفسهم ومجتمعهم ودولتهم لأسباب شخصية وثأرية. وفي اي حال، الطرف الآخر في حرب الإلغاء التي تعرضنا لها، لم يكن الجيش اللبناني بحسب مفهوم الوفاق الوطني والشرعية والدستور، والا سقطت شرعية كل التركيبة القائمة. وهل يعقل أن تشجع الدولة على إلغاء الاحزاب السياسية والقيادات فتسعى كما تفعل اليوم لاستكمال ما كان حاول العماد عون في حرب الإلغاء ان ينفذه من شل للحياة السياسية واحتكار السلطة، ضاربة عرض الحائط بالقوانين والدستور وأسس الديموقراطية والوفاق الوطني، ومعتمدة أساليب ملتوية وقواعد واهية وغطاء ساقطا لتبرير ما تقدم عليه؟«. وتساءل جعجع، يومها: »كيف لا تقدم الدولة على محاسبة الذين تمردوا على قرارها وهاجموا شعبها واحزابها وقياداتها السياسية والروحية والنيابية؟ وهل كانت هذه الهجمات بإيعاز منها؟«. كلام، سواء أشاءه جعجع لشدشدة »حَيْل« المسؤولين لديه، ام تعبيرا عن دعم جديد تلقاه ويجب ان يتوقف عنده الجميع، فانه جعل من السؤالين الامنيين أساسين مهمين لمخاوف السلطة على المستقبل. أول رد كان بتحريك قضية محاولة اغتيال رئيس الجمهورية الياس الهراوي وقطع مذكرة توقيف غيابية بحق غسان توما، تجعل إمكان عودته الى لبنان ضربا من المستحيل. وقد صدرت هذه المذكرة في 31/12/1993، بعدما صدرت معلومات عنها في الصحف في أوقات سابقة. وترافقت هذه الخطوة مع بدء صدور القرارات الاتهامية في الملفات التي كان جعجع قد اعترض على تحريكها. ركّزت القرارات الصادرة على واقعة أساسية ان الجرائم التي اقترفت، لا دخل لها بالأعمال الحربية انما أنتجتها أحقاد شخصية. وليس أدل على ذلك سوى مضمون وقائع هذه القرارات، وأكثرها تعبيرا، ما ورد في مقدمة قرار صادر في 1/12/1993 عن قاضي التحقيق العسكري رشيد مزهر في شأن حوادث عمشيت: »شهدت بعض المناطق اللبنانية خلال شهري كانون الثاني وشباط من العام 1990 أحداثا دامية وقعت بين وحدات من الجيش اللبناني بإمرة العماد عون آنذاك من جهة وميليشيا »القوات اللبنانية« من جهة اخرى بسبب تضارب وتباين في المواقف السياسية حيال بعض جوانب الأزمة اللبنانية خلّفت خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، عمد خلالها بعض مقاتلي »القوات« الى الخروج عن روحية هذه المعارك وأبعادها وتجييرها لخدمة مصلحته الشخصية، ضاربا عرض الحائط بالقيم الاخلاقية والانسانية، خارقا الأعراف الدولية، موقعا أشد أنواع التعذيب والتنكيل بعناصر الجيش الأسرى، فضلا عن قتل هذه العناصر عمدا، فرديا او جماعيا، تشفيا وانتقاما لشقيق او قريب او لمجرد انتمائها الى المؤسسة العسكرية، وذلك خارج إطار الحرب الدائرة وبعيدا من أهدافها وخلافا للقواعد السلوكية العامة التي اختطتها المجتمعات الانسانية لنفسها ضمن إطار من قواعد الامن الاجتماعي الذي هو مطلب أساسي في حياة الشعوب«. رد جعجع على القرار بأن طالب بمحاكمة العماد عون ومن كان معه من ضباط الجيش الذين هاجموا »القوات« التي دافعت عن نفسها وعن وجودها وعن مناطقها. لقد تميز عام 1993 بصراع حقيقي بين الجيش اللبناني و»القوات اللبنانية« وقفت منه السلطة السياسية على حياد تام علني لم يخل أحيانا من انزعاج بقي طي الكتمان من جهاز المخابرات في الجيش. وهو أمر سيترجم لاحقا مناقشات سياسية مع القيادة السورية حول السبل الناجحة لتعديل طريقة عمل الاجهزة الامنية وتغيير بعض رموزها. وأعادت اللهجة الاعلامية التي استعملتها »القوات« أجواء حرب الإلغاء وحاولت إثارة الشارع المسيحي وتحميل الطبقة السياسية مسؤولية ما يقوم به الجيش، وبالتالي التحريض على قيادته وأجهزته الفاعلة وعناصره المتحركة. عواصف وطن أطل عام 1994 هادئا يحاول بلسمة الجراح التي سببتها شظايا جريمتي »بيت الكتائب« والمعايطة، ويسأل عن المدى الذي يمكن ان تذهب اليه الملفات التي فتحت ل»القوات اللبنانية« وأضحى معظمها في عهدة المحكمة العسكرية الدائمة، فيما لا تزال بعض الملفات في عهدة قضاء التحقيق. حاول جعجع استغلال الاسترخاء الذي يرافق، عادة، حفل »التسلم والتسليم« بين سنة تمضي وسنة تأتي، فشرع في اتصالات سياسية رفيعة المستوى غاب عنها لمدة طالت. زار بداية، رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كان يحضّر ملفاته للقاء البابا يوحنا بولس الثاني في الفاتيكان، قبل نحو ستة أشهر على زيارته المقررة لبيروت. زار لاحقا رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، في قصر قريطم. عرض الرجلان لوجهتي نظرهما من التطورات، وكان الاثنان في موقع لا يُحسدان عليه؛ فجعجع يخوض معركة حقيقية مع الملاحقات التي تطاول مسؤولين »قواتيين«، والحريري يخوض معركة حقيقية مع امكانات الدولة السياسية والاقتصادية والادارية التي تعوق تحقيق أحلامه التي تجسدت وعودا خارقة للبنانيين، عند تسلمه سدة رئاسة الحكومة منذ سنة وثلاثة أشهر تقريبا. والرجلان في حاجة أحدهما الى مساعدة الآخر. فجعجع يريد معرفة حجم القرار الاقليمي الذي يسمح بإطلاق يد إسقاطه وإمكانات اعادة فتح الجسور المغلقة، وما يمكن للحريري ان يقدمه. اما رئيس الحكومة فيريد ان يكف شر الاعلام »القواتي« عنه ولا سيما »المؤسسة اللبنانية للارسال« التي كانت تريد البث فضائيا ومنعتها الحكومة، فشنت، على هذه الخلفية المعلنة، حملة عنيفة على رئيسها. قدم جعجع للحريري هدنة إعلامية وجرد له نظرته للاوضاع، التي أسس لها التنفيذ الخاطئ لاتفاق الطائف وقال للحريري: »ان الإعمار اذا لم تحمه السياسة لا قيمة له، والسياسة في لبنان معدومة لان وهرة السياسيين ضعيفة على العسكر الذي يساهم في تعميق حال اللاتوازن على المستوى الوطني ويمنع طي صفحة الماضي«. وإذا كان الحريري بطبعه لا يكثر من الكلام، انما يستمع كثيرا للمعارضين ويهز برأسه ويحرك يديه موافقا ونافيا او مستنكرا، الا انه انهى اللقاء مع جعجع متكلما، فدعاه الى السير في المسار الحالي »فالامور تتحسن تدريجيا« ونصحه بالانفتاح مجددا على القيادة السورية، لان القرار اللبناني واضح في هذه المرحلة الدقيقة في منطقة الشرق الاوسط، كما ان الاجواء الدولية لا تهتم الا بما يزخّم مسيرة المفاوضات الثنائية بين الدول العربية وإسرائيل، وان البديل عن »الطقم الحاكم« لن يكون أبدا في صالح لبنان ولا حتى المعارضين على خلفية النظرة الخاصة بهم الى السيادة. خرج جعجع من اللقاء مقتنعا بأن الحريري لا يستطيع تصحيح ما حصل خلال »عام الملاحقات« وأسرّ الى المقربين منه ان القضية أكبر حتى من الحريري. أيام قليلة على هذا اللقاء ويتعرض الرئيس السوري حافظ الأسد لمصاب أليم اذ توفي ابنه البكر الرائد الركن باسل الاسد في حادثة سيارة. سارع جعجع الى إرسال برقية تعزية، وراح يفكر بالانتقال الى القرداحة لتقديم تعازيه وجها لوجه، للمرة الاولى، مع الرئيس الاسد. أسرّ جعجع بنيته الى أحد المقربين منه الذي بات يلتقي جعجع يوميا، لوضعه في أجواء الملاحقات القضائية ل»القواتيين«. الا ان هذا الشخص طلب من جعجع ان يعدل عن فكرته، فهو تميّز عن الآخرين حسب معلوماته ببعده عن الفلك السوري، فكيف سيبقى على تمايزه اذا ذهب، وماذا سيقول للناس، وماذا سيقدم للسوريين؟ وقال لجعجع: »كم كان عظيما البطريرك صفير في عظة الاحد، ففيما لبنان كله يتوجه الى سوريا راح هو يتحدث عن الاوضاع في البوسنة والهرسك. نحن نريدك مثله في هذا الظرف«. الا ان جعجع ابتسم لمحاوره وقال له: »لن أقدم شيئا، سأقوم بواجب التعزية، وأجس النبض، وأعود الى غدراس كما ذهبت منها«. وعلى الحال طلب جعجع من أحد المسؤولين في »هيئة الانقاذ الكتائبية« الاتصال بالعميد غازي كنعان وإبلاغه رغبته في زيارة القرداحة. وبعد يومين كان الموعد قد تحدد. في 26 كانون الثاني 1994 انطلق جعجع في موكب ضم 21 سيارة الى القرداحة وكان معه الفرد ماضي، جورج كساب، عادل صقر، جو سركيس، فؤاد مالك، جورج انطون، جورج مسيح وايلي أبي طايع. دامت الزيارة ساعة وربع ساعة وقد أحاط بالرئيس الاسد الامين العام المساعد لحزب البعث عبد الله الاحمر، نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، وزير الدفاع العماد مصطفى طلاس ورئيس الحكومة السابق عبد الرؤوف الكسم وشقيقا الرئيس السوري. لقاء كان كله مجاملات، ولكن دلالاته كانت بالاستقبال الحار الذي لقيه جعجع وترجمته كانت في إطلاق سراح ثلاثة من »القوات اللبنانية« اعتقلوا في السجون السورية أحدهم السكرتير الخاص لجعجع بربر عيسى الخوري. إثر واجب التعزية توجه العميد غازي كنعان والوفد »القواتي« الى منزل في القرداحة تعود ملكيته لأحد أقرباء كنعان، وعقدوا فيه اجتماعا. قال جعجع للعميد كنعان انه يريد ان يتم فتح قنوات أساسية بين »القوات« وسوريا. دعاه كنعان الى الانخراط في مشروع الشرعية، لان سوريا لن تتعاطى مع اي طرف لبناني الا من خلال الشرعية، على الرغم من حرصها على مد أوثق العلاقات مع المسيحيين. رد جعجع بأن طلب من العميد كنعان ان ينظر الى مصلحة سوريا من خلال »القوات« اللبنانية« لأنها الوحيدة التي تستطيع بشعبيتها وإعلامها وحزبها وقدراتها ورجالاتها، ان تقنع المسيحيين بسوريا، في حين لم يتمكن اي مسيحي آخر، لا بل كل القوى مجتمعة، من جذب هؤلاء المسيحيين الى سوريا. كرر العميد كنعان دعوته الى الانخراط بمسيرة السلام من خلال انخراطه بالشرعية... وانتهى اللقاء على وعد بمتابعة المفاوضات. عاد جعجع الى بيروت وأسرّ مجددا لصديقه الذي كان قد حذره من الذهاب الى سوريا: »ألم أقل لك ان سمير جعجع لا يقدم تنازلات ولا يتغيّر«. زيارة جعجع للقرداحة تركت في بيروت صدى اسئلة وترجيحات، عن مستقبل العلاقات بين سوريا و»القوات« في أول لقاء من نوعه يجمع قائد »القوات« وأسد سوريا، وجها لوجه، وكيف يمكن ان تنعكس على الساحة الداخلية والمعادلات الجديدة التي قد تفضي اليها. منذ تلك الزيارة دخل جعجع في صمت عميق، تاركا للمحللين الكلام ليسبر من خلالهم، الاجواء التي تعكسها دمشق والمقربون منها. وفي التاسع من شباط 1994 أطل جعجع في عشاء أقامته »الهيئة السياسية لمنطقة الشوف« في حزب القوات« ليؤكد ان نظرته الى أمور الداخل لا تزال حيث كانت قبل زيارة القرداحة، وصوّر الناس بأنهم »يترحمون على الماضي لأن المسؤولين خيبوا الآمال وفوّتوا الفرص«، ثم ركز على الاقتصاد والادارة وهاجم واقعها وهاجم المجلس النيابي، وأكد ان التوازن الوطني مختل والحياة الديموقراطية في غيبوبة والحياة السياسية مشلولة. ووصف الملاحقات القضائية بحق المسؤولين »القواتين« بأنها استحضار لأجواء الحرب وتشنجاتها. وفيما كان كلامه كله عموميا، من دون الاشارة الى الاشخاص، ركّز هجومه على رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي سماه وزير الادارة المدنية الذي وصل به الامر »الى درجة انه يريد ان يمنح شخصيا قداسة البابا تأشيرة الدخول الى لبنان. مرة يهاجم الزيارة، وتارة يضع شروطا، وطورا يطلب الوقوف على خاطره. ومن الخزي والعار والإهانة ان تقف الدولة مرة جديدة موقف العاجز المتفرج. فبعدما أصرّ أركان الدولة على الزيارة في لقاءاتهم مع الحبر الأعظم، ومهدوا وهلّلوا وروّجوا لها، هم اليوم عاجزون عن تأمين الحد الادنى من الأجواء الطبيعية لهذا الحدث«. إلا أن جعجع، في مقابل نظرته المتشائمة الى الداخل اللبناني التي تخطت اطار الشكوى لتكون بمثابة رسالة الى السوريين عن حقيقة مَن وثقوا بهم، عكس نظرته الى العلاقة القواتية السورية، بعد زيارة القرداحة، وقال تلميحا امام مجموعة تشدها الشعارات الكبيرة والتفاصيل اليومية الواحدة وقدرات ضئيلة لقبول منطق التطبيع مع سوريا بعد مسيرة عداء فكرية صوّرت اسرائيل منقذاً: »إن القوات تمد يدها للجميع بشرف وشجاعة المؤمن بقضيته من دون عقد او خلفية جامدة، لأننا معنيون بالتحولات الجارية في المنطقة«. ما هي التحولات الجارية في المنطقة التي ربط جعجع النظرة القواتية الى العلاقات مع سوريا، بها؟ إنها المفاوضات السورية الاسرائيلية، التي فُعّلت مع وصول اسحق رابين الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية، الامر الذي يرضي واشنطن، وهي ايضا المعطيات المتتابعة التي تؤكد ان العلاقات السورية الاميركية وصلت الى مرحلة متقدمة من التطبيع. لم يكد يمر شهر على زيارة القرداحة واسبوعان على كلام جعجع في المناسبة الشوفية، حتى أصدر قاضي التحقيق العسكري رياض طليع قراره الاتهامي في قضية قتل الرائد انطوان حداد بواسطة »البلطات«. وقائع القرار حملت كل ما يقزز النفس ويؤكد الوحشية التي تتخطى اطار الحروب. القرار صدر الخميس ونشر في صحف الجمعة. الرد صدر الجمعة ونشر في صحف السبت. فماذا يحضر السبت لينشر الاحد؟ انفجار. إين؟ كنيسة على مدخل كسروان. الضحايا؟ أحد عشر قتيلا واربعة وخمسون جريحا من المصلين. الطائفة؟ مارونية. الفاعل؟ مجهول. المسؤول؟ الاجهزة الامنية. النتيجة؟ المسيحيون في خطر، هم مستهدفون بأحزابهم وبأماكن عبادتهم. المطلوب؟ دحرجة رؤوس المسؤولين الامنيين الذين يضيّعون الجهد في ملاحقة قضايا ونبش ملفات الحرب، فيما يتركون مسيحيي لبنان لقمة سائغة في فم ذئاب التطرف. إصلاح الاخطاء وتصحيح المعادلة بحيث يطمئن كل ذي حق الى حقه ويجري العدل في مجراه الطبيعي. دولة قادرة تحمي، وهي لا تعني دولة تكثر من الاجهزة الامنية وتوطد الامن وتلاحق فريقا من ابنائها وتغمض العين عن فريق وترهق اناسا منهم وتعف عن اناس وتقتص من فئة من المواطنين لتغض الطرف عن تجاوزات اخرى. المعالجة؟ مجلس وزراء استثنائي عقد مساء يوم الانفجار في كنيسة الذوق، قرر احالة القضية الى المجلس العدلي وسط انتقادات وزارية للاجهزة الامنية تتضمن دعوات صريحة الى اعادة النظر في طريقة عملها ولو اقتضى الامر اجراء تغييرات في بنيتها البشرية. اجتماع ثان في دير سيدة اللويزة للرهبانية التي تتبع لها الكنيسة الضحية ضم ممثلين عن الرهبانيات الاخرى واحزاب وقوى المعارضة، تخلله كلام للآباتي بولس نعمان دعا فيه المجتمعين الى المطالبة بالامن الذاتي الذي له ان يحمي المنطقة من اعمال مماثلة لاحقة والاحتجاج بقطع طريق ضبية نهر الكلب. الا ان هذا الكلام لم يترجم قرارا، بل صدر بيان عن المجتمعين اعتبروا فيه ان المصاب وطني شامل لن يثني المسيحيين عن الايمان بوحدة لبنان وبالعيش المشترك بين بنيه. الرئيس السوري هاله الانفجار باستهدافاته اللبنانية والاقليمية التي تنعكس مباشرة على سوريا التي أوكلت اليها مهمة الامن في لبنان، فاتصل بالرئيس الهراوي، اثناء انعقاد مجلس الوزراء ووضع بتصرف لبنان كل امكانات سوريا لكشف الفاعلين. اجتماع ثالث قضائي امني عقد في وزارة الدفاع الوطني في اليرزة رئسه النائب العام التمييزي منيف عويدات وحضره مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية نصري لحود والمدير العام للامن الداخلي اللواء رفيق الحسن والمدير العام لأمن الدولة اللواء نبيه فرحات، مدير المخابرات في الجيش اللبناني العقيد ميشال رحباني، المدير العام للامن العام ريمون روفايل والعقيد رستم غزالة عن جهاز الامن والاستطلاع للقوات السورية العاملة في لبنان. اتفق المجتمعون على ان تتولى مديرية المخابرات التحقيقات في هذا الملف وان تعمد سائر الاجهزة الى معاونتها، من خلال تزويدها فورا بالمعلومات التي تردها او التي استحصلت عليها. بحثوا في التصريح الذي أدلى به النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان طربيه رحمة، على انقاض الكنيسة الضحية، وفيه ان لدى الاجهزة المختصة مخططا لتفجير اماكن العبادة استنادا الى اعترافات بعض الموقوفين لدى القضاء. كان الاستياء عارما في الاجتماع من مضمون هذا التصريح الذي يبيّن وكأن الاجهزة الامنية، قد تقاعست عن حماية المقدسات بالرغم من توافر المعلومات. تباحث المجتمعون في معلوماتهم عن الواقعة التي ذكرها القاضي رحمة، فوضعهم المدير العام للامن العام بأجواء هذه القضية التي عهد بها بداية الى فرع جونية ثم احيلت الى مديرية المخابرات في الجيش التي قال مديرها ان التحقيقات الكثيرة التي اجريت بيّنت ان الخبر لا يتعدى اطار الشائعة. وتقرر ان تعود الاجهزة الامنية للاجتماع، بعد اسبوع لتقييم المراحل. في اليوم التالي للانفجار اطل الدكتور جعجع على اللبنانيين بمؤتمر صحافي أخطر ما فيه اتهام السلطة المركزية بأنها تركت ثغرات امنية عمدا ووفرت للقائمين بالجريمة التسهيلات والتغطية السياسية والامنية، والدعوة الى حصر تعاطي الاجهزة الامنية في الامن القومي وترصد المؤامرات واحباطها وابعادها كليا عن التعاطي في السياسة. وخلص جعجع الى المطالبة بالآتي: أولا: اتخاذ قرارات سريعة لسد الثغرات الامنية التي تركتها السلطة المركزية عمدا، ووفرت للقائمين بها التسهيلات والتغطية السياسية والامنية، وحصر كل التحركات العسكرية والامنية بالسلطة اللبنانية من دون سواها إياً تكن الاعتبارات والتبريرات. ثانيا: إعادة النظر في شكل شامل في أداء الاجهزة الامنية وكل ممارساتها وتحركاتها، وإبعادها كليا عن التعاطي في السياسة اللبنانية الداخلية، وحصر تعاطيها في الامن القومي وترصد المؤامرت واحباطها. ثالثا: تحصين السلم الاهلي وإقفال الثغرات السياسية القائمة من خلال اطلاق حياة سياسية جدية تحكمها الديموقراطية الحقيقية لا ديموقراطية ملفات الابتزاز والسجون والتعذيب، ومن خلال إشراك اللبنانيين بكل آرائهم وميولهم السياسية وطوائفهم في السلطة المركزية على اختلاف مستوياتها وفي كل مجالاتها في شكل متوازن ومتكافئ. ما ان أنهى جعجع مؤتمره الصحافي، حتى بدأت »المؤسسة اللبنانية للارسال« في توقيت أثار الريبة نظرا لسرعة التحضير المتقن، ببث أفلام دعائية عن المجلس العدلي معددة كل القضايا الامنية الكبرى التي احيلت اليه وبقيت من دون محاكمات بدءا بملف اغتيال داني شمعون، مرورا بمتفجرة بيت الكتائب وصولا الى كنيسة »سيدة النجاة« في الذوق. حملة دعائية هدفت في الواقع الى افهام المسيحيين ان القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء لا قيمة فعلية له فيما المطلوب ان يعمد الى اجراءات اخرى ناجحة، وهي تحديدا التي حددها جعجع في مؤتمره الصحافي، وتصب في اتجاه تضييق صلاحيات الاجهزة الامنية بعد محاسبتها على التقصير وتغيير المسؤولين عنها وسد ثغرة التمثيل المسيحي في الحكم. حملة، تتتابع أياما، وتتكرس لمفهومها نشرات الاخبار والاقلام المناصرة، وتنبري لها نشرات اخبار في محطات اخرى واقلام متخاصمة. هي معركة فتحت بين منطق جعجع ومنطق مَن يستهدفهم.