حول كتاب فواز طرابلسي »صلات بلا وصل، ميشال شيحا والإيديولوجيا اللبنانية« نقد العقل الاستقلالي **** في خضم الحرب الأهلية حيث انفلت العنف في كل اتجاه، تذكر البعض ميشال شيحا كمفكر لبناني دعا في زمنه »للتوازن« في السياسة الداخلية، كأسلوب يجنب الخضات في الكيان اللبناني. وبعد الحرب أعيد اكتشاف شيحا مع تجدد الحديث عن دور لبنان ووظيفته في زمن هو زمن انتصار العولمة عالمياً، كما ان البعض من اليساريين القدامى، تذكره من موقع فعل الندامة وطلب التوبة، بسبب إغفال انتماء لبناني نأى عنه أو ليبرالية عاداها؛ فحيك حول ميشال شيحا وهم وأسطورة. عدا عن أن هذا الأخير كان ينفرد عن العديد من المفكرين اللبنانيين من ذوي النزعة الفينيقية، بعدائه لإسرائيل، باعتبار هذه الأخيرة مشروعاً مهدِّداً لدور لبنان الاقتصادي الوسيط بين الشرق والغرب. هذا الى جانب ما نُسب إليه حقيقة أو مبالغة بأنه كان صاحب »منظومة فكرية« كانت بدورها دليل عمل لعقود من الزمن، كما انه كان »أحد المهندسين الرئيسيين للنظام السياسي والاقتصادي الذي أرسيت قواعده في العهد الاستقلالي الأول«. تلك هي بعض من مبررات اختيار فواز طرابلسي لموضوع كتابه الجديد »ميشال شيحا والايديولوجية اللبنانية«. انه استعادة أيضا وتذكر، ولكن من موقع الباحث والممارسة البحثية الطويلة النفس التي ترمي إلى »كشف النقاب عن شيحا الحقيقي«. وأداة ذلك: استعادة للنصوص، قراءتها قراءة نقدية، وسجال مع الأفكار من موقع المختلف. الإشكاليات تدور حول الأسئلة التالية: هل كان ميشال شيحا »استقلاليا« وفقا لأفكار وأعراف الميثاق الوطني؟ ما معنى مشاركته في الدستور وتشدده في المسألة الدستورية والنص الدستوري؟ هل كان ديموقراطيا؟ كيف فهم الكيان اللبناني ومحدداته وعلاقته بالغرب والجوار العربي والآسيوي؟ »مصرفي، صحافي، عقائدي«: انتماءات ثلاثة ينطلق المؤلف من أبعادها المتداخلة في شخصية شيحا ليؤسس أرضية تاريخية يبني عليها عمارة من التاريخ الاقتصادي السياسي الفكري للبنان، ولعقود ثلاثة شغلت النصف الأول من القرن العشرين، وبالتحديد حتى تاريخ القطيعة الاقتصادية بين الدولتين اللبنانية والسورية، حيث استكملت صيغة »الاستقلال« في المفهوم الشيحوي (عن سوريا) وحيث ارتسم الدور الأساسي الخدماتي للبنان اثر قيام دولة إسرائيل، والمقاطعة العربية لها، وبروز مرفأ بيروت بديلاً من مرفأي حيفا والاسكندرون المحتلين، اثر اجتياح المنطقة العربية انقلابات عسكرية وتأميمات كان من جرائها ازدهار الدور الخدماتي المصرفي للبنان ونجاحه وتكرس وظيفة طبقة »المستوردين« اللبنانيين الذين خاضوا معركة فك الارتباط الجمركي مع سوريا. هذه الخطوط المكثفة جداً لصورة المرحلة التاريخية التي شغلها العمل الاقتصادي والفكري والثقافي والإعلامي والسياسي والدستوري لدى ميشال شيحا، تشكل مادة التوسيع والتفصيل أي التأريخ لسيرته ورحلته وفكره كما شكل مادة السجال مع خطابها الإيديولوجي والسياسي وكما يمارسه فواز طرابلسي. شطحات العلم »العقيدة« تتكون في فكر شيحا من مسلّمات وثوابت. وهذه تندرج في الكلام ذي التأثير العلموي والشطحة الصوفية الجاذبة. العلموية تتأتى عن استخدام انتقائي لا يخلو من الاعتباطية والتعسف لنظرية الحتمية الجغرافية التي راجت عبر مستشرقين كولونياليين، أبرزهم الأب لامنس الذي أشاع عبر كتابه.. سوريا 1920). مقولة »الجبل الملجأ«، ملجأ الأقليات، أي الطوائف الهاربة، في رأيه، من اضطهاد عربي إسلامي مثلته الدولة العربية الاسلامية (الوسيطة) ولاحقاً الدولة العثمانية. وعن الأب لامنس أخذ جواد بولس والعديد من الكتاب اللبنانيين الذين تحلقوا من مواقع مختلفة، نسبيا، حول فكرة إحياء الفينيقية. ولكن بين الجيل »الحامي« و»الممتنع«، وبين الساحل الفينيقي المنفتح على التجارة شرقاً وغرباً وتنظيم »ثنائية« من المواقع والأدوار والمفردات والتسميات يخرجها الإنشاء الشيحوي في خطاب »متماسك« لناحية التسمية والتعريف حيث تتشكل في الذهن »صلات« ولكن »بلا وصل« في التاريخ. ويمسك فواز طرابلسي بسر التأثير السحري للتعريف والتسمية. اعتمادا على ما يذكرنا به عزيز العظمة من أن التسميات »كائنات إيديولوجية بامتياز، وبأنها نتاج خالص للإشكالية الانتمائية حيث الاسم يفترض فيه أن يعيّن طبيعة الشيء أو جوهره«، تقرأ تعريفات ميشال شيحا للبنان »وكأنك تقرأ في قاموس أو معجم (...). التعريف يستغني عن الوقائع ويستبدلها بالبداهة المفترضة«. كأن يقول شيحا مثلا: »لبنان بلد لا يشبه إلا ذاته، هذا ما يجب أن ندركه مرة واحدة والى الأبد، انه بلد متفرد وحيد نوعه وجنسه« (ص 40) أسلوب التسمية والتعريف بذهنية الاطلاق والتعميم الأحادي يطال أيضال أفكارا أخرى. ففكرة »المتوسطية« يراها شيحا مجرد »غرب« وتبعية له (ص 250)، على خلاف رؤية بروديل أو بيرك الحوارية والنسبية على ما أرجح؛ وفكرة »الوحدة العربية« يراها وهماً لانعدام وجود قومية عربية، ذلك ان التضاريس الجغرافية هي المقررة حدود الخلقيات والتقاليد واختلافها. في كل من الصحراء أو السهل والجبل والساحل (ص 50). تعترف »القومية« على صعيد الجغرافية التاريخية بأنها نوع من الخصوصية (Particularisme) المناطقية الحتمية، وعلى صعيد البشر »هي شكل جماعي من أشكال حب الذات« (ص 54). ووفقاً لتلك التعريفات تتداعى تعريفات »وتتواصل« وظائف للشعوب والمناطق. فإذا كان الساحل الجبل قد أنتج »شعب تجارة« وهذا هو تعريف الشعب اللبناني عند شيحا، فالجوار العربي لا بد من أن يضحي مناطق ترانزيت وأسواق وزبائن لسلع يستوردها التاجر اللبناني من الغرب صاحب السلعة والحضارة معاً. وأما الشرق، سواء كان الشرق الشيوعي أو الشرق الآسيوي، فلا يمكن ان يكون »مصدر إلهام أو معرفة« (ص 41). أما موقفه من »الديموقراطية«، فشيحا يحذر من مغبة »الانسياق وراء الأذواق الديموقراطية المغالية«. فمجلس النواب هو، بل يجب أن يكون، »مجمع وجاهات« »يتعيّن عليه السهر على تطبيق قواعد التوازن بين الطوائف والمناطق اللبنانية« (ص 57). يتقلص هنا أو ينعدم الدور التشريعي للبرلمان. ويتقلص دور الديموقراطية التمثيلية ليصبح البرلمان »مؤسسة جمعية بامتياز« تتوازن فيها المناطق والطوائف. وتصبح الادارة »مؤسسة موضوعة في خدمة الأفراد« بما هم تجار، »أي في خدمة النطاق الاقتصادي« (ص 58). ويضحي الحزب الفاعل (الوطني) هو حزب المستوردين والتجار، لأن شعب لبنان هو »شعب من التجار« (ص 64). انه إذاً نوع من فصام في الشخصية اللبنانية، كما في المؤسسات، وكما يلحظ ذلك فواز طرابلسي: تقسيم مفتعل للعمل بين الإدارة والبرلمان. أما »المرجعية« لهذا الوضع فهي مقارنة تماثلية في غير محلها، يلجأ إليها ميشال شيحا »مقارنة لبنان مع سويسرا«. ودحضاً »لمبررات« المقارنة يوضح فواز طرابلسي الفروقات الأساسية بين الوضعيتين، ولا سيما لناحية وجود القاعدة الإنتاجية الصناعية في سويسرا، ولناحية التمثيل الديموقراطي في الكانتونات، القائم على مفهوم المواطنية لا تقاليد الطوائف. (ص 297 314). أرستقراطي محافظ وهكذا من حتمية جغرافية جبرية الى ليبرالية محافظة يرتسم الحقل السياسي الاقتصادي الذي يتحرك فيه ميشال شيحا ويبني عليه منظومته الفكرية القائمة كما يقول فواز طرابلسي على ثنائيات: ثنائية تجار الساحل المنفتح (الليبرالية الاقتصادية) وطوائف الجبل الملجأ (المحافظة على التقاليد)، نخب المركز وإقطاع الأطراف. هكذا يتم الحلف والتوافق والانسجام بين التقليد الطوائفي وأخلاقية التجار المحافظين. وهنا أيضا يكشف لنا فواز طرابلسي مرجعية هذه »الليبرالية المحافظة«. انها الفكر البريطاني المحافظ ولا سيما فكر أدموند بيرك (ص 192) وليس فكر الأنوار أو الثورة الفرنسية، بالرغم من فرنكوفونية ميشال شيحا. انه إذاً، أرستقراطي مالي محافظ وليس »أول برجوازي حقيقي« كما يقول جورج ناصيف. على ان تقليدية الفكر البريطاني أي »محافظته« لا تنفي في رأيي مفاعيل الفكر البريطاني التغييرية، أو »الثورية« الهادئة والبطيئة باتجاه إرساء فكرة المواطنية والمساواة أمام القانون، وقيام الدولة والمجتمع المدني، وبصورة أساسية التمثيل الديموقراطي والتعددية الحزبية في بريطانيا. وعليه فيكون تأثر شيحا بالنموذج البريطاني ومحاولة تطبيق أخلاقية المحافظة البريطانية على ليبرالية التبادل وتقاليد الطوائف، هو أيضا نوع من النقل الانزياحي في غير مكانه وغير زمانه وغير مضمونه. على أن فواز طرابلسي يعود ليكشف هذه المفارقة في فصل لاحق (السياسة الداخلية الفصل السادس ص 173)، فيبيّن ان الفرق شاسع بين تقليدية النموذج البريطاني وبين الدعوة الشيحوية التي يعبّر عنها قوله بأن »لبنان بلد يجدر بتقاليده أن تحميه من القوة«، (ص 216). انه نوع من »تزوير« لمسألة التجديد والتقليد، كما يرى الكاتب الفارق كما يعبر عنه طرابلسي »اننا في لبنان ازاء تقليدية بلا تقليد وسلفية بدون سلف صالح. والمفارقة الفارغة في الأمر ان شيحا يدافع عن الدستور ومؤسسات الحكم المبنية عليه، وهي لم يكن يزيد عمرها أيامه على عقدين من الزمن وكأنها نتاج قرون من التراكم والنضج« (ص 218). تتجلى ليبرالية شيحا المحافظة المغايرة للديموقراطية التمثيلية هنا وعلى الطريقة التي سنتها التجربة الدستورية الأولى في لبنان، في ذاك التوحد الذي يراه ميشال شيحا بين الدستور ورئيس الجمهورية. انه »الملك الجمهوري« على ما يرى الحقوقي انطوان عازار حيث يستشهد فواز طرابلسي لينقل لنا »ان الدستور اللبناني مستلهم من الدستور البلجيكي عام 1831 والدستور المصري لعام 1923 أكثر ما هو مستلهم من دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة« (ص 205). ومن هنا نفهم معارضة شيحا تعديل الدستور من أجل التجديد لبشارة الخوري برغم تحالفه مع هذا الأخير وقرابته له. انه توكيد لقدسية الدستور ومكانة رئاسة الجمهورية (ص 206) وانها أولوية النص الدستوري على تاريخية الميثاق الوطني وسياقه التوليفي في المواقف. على ان ليبرالية شيحا المحافظة تبقى مشدودة بشكل أساسي الى حقل المصالح، الى اقتصاد سياسي يوزعه فواز طرابلسي على فصول من البحث والاستشهادات والسجالات الغنية. بدءاً من فصل بعنوان »ليبرالية بلا ضفاف« تستهله شطحة ميشال شيحا »اننا نتاجر مع الآلهة« (ص 61) الى فصل »فلسطين والأحلاف الغربية« (ص 257)، ومرورا بفصل يخصصه للتأريخ لأزمة العلاقات الاقتصادية اللبنانية السورية حيث يستهله قول ليوسف السودا »لبنان الصغير موت اقتصادي والوحدة الاقتصادية مع سوريا موت سياسي« (ص 93)، يستعيد فواز طرابلسي مسار هذه الأزمة وتعبيراتها على مستوى الأدوار (البرجوازية اللبنانية المالية القائمة على الاستيراد، والبرجوازية السورية ذات المنحى الإنتاجي صناعة وزراعة) كما على مستوى سجالات الأفكار في الصحف والكتب والمذكرات، وصولا الى إعلان القطيعة الاقتصادية بين لبنان وسوريا »حيث ينجدل السياسي والاقتصادي بطريقة جد مميزة« (ص 94)، وحيث إن ما وحده الانتداب فصله الاستقلال«، أي استقلال البلدين أحدهما عن الآخر . وينتقد فواز طرابلسي ما آل إليه هذا »العقل الاستقلالي«، وكان ميشال شيحا من أبرز المعبّرين المدافعين عنه على طرفي الحدود: »بقي من قصة الانفصال والاتصال بين البلدين منطق سائد أقل ما يقال فيه انه انتحاري، هو منطق قضى بأن لا يكون استقلال للبنان إلا باستقلاله سياسيا واقتصاديا عن سوريا. وأن لا يكون استقلال لسوريا إلا بالانفصال الاقتصادي عن لبنان. ولا تكون لها (لسوريا) عروبة إلا إذا كانت عروبة الضم والإلحاق«! (ص 132). انه كما يقول تعبير عن »إفلاس الطبقة الاستقلالية الحاكمة في البلدين« (ص 129). لكن ما يُرى انه »إفلاس« أو »انتحار« بعد نصف قرن على الواقعة، ومن وجهة نظر يسارية أو قومية تقول »بالتكامل« الاقتصادي أو »التنسيق«، لم يكن آنذاك انتحارا أو »إفلاسا«. كان من وجهة نظر أصحابه »إنجازا« بمعزل عن الايديولوجية العروبية التي »تجذرت« لاحقا مع المشروع الناصري والأحزاب القومية. والإنجاز التاريخي، مسار تنجدل فيه قوى الداخل والجوار والعلاقات الدولية وموازينها وحركة أسواقها (رساميلها وسلعها). وإذا كان لا بد من تقويم كمي أو نوعي لذاك الإنجاز، فمن الضروري الدخول في بحث ما أنجزته البرجوازية السورية اقتصادياً على مستوى التصنيع أو الإنتاج الزراعي (سلبا أو إيجابا) وفي ما أنجزته البرجوازية اللبنانية المالية على مستوى اقتصاد الخدمات ولا سيما الخدمات المصرفية والاستيراد والترانزيت. ليس هذا من قبيل الدفاع عن هذا أو ذاك، وإنما تحبيذ لمنهج في البحث التاريخي »الكمي والنوعي« لا الى حيادية مصطنعة، أو »موضوعية باردة« مفتعلة، وإنما الى تفكير تاريخي يأخذ بالاعتبار العوامل والأسباب والسياقات، وبصورة أساسية، حدود الوعي التاريخي ومرجعياته الثقافية في زمنه، ومواقع المصالح الطبقية المتشكلة أو الآخذة بالتشكل بمعزل عن الإرادات الذاتية الطيبة أو غير الطيبة، الانتحارية أو غير الانتحارية. كان بالإمكان استحضار مزيد من السجالات المتعارضة المعاصرة للخيارات والوقائع، وعلى غرار ما فعله فواز طرابلسي عندما استشهد بكتابات ميشال شيحا وأنصار القطيعة من اللبنانيين من جهة وكتابات نجيب الريس في القبس من جهة أخرى، وعلى غرار الإشارات الموفقة الى كامل مروة ومواقف بعض النواب السوريين المعارضين للقطيعة، والتي كان من المفترض في رأيي ان يجري توسيعا موثقا لها. (ص 127 128). أما على مستوى السجال حول عقيدة ميشال شيحا »اللبنانية« الكيانية، فلعله كان من المفيد، توسيعا لمساحة المواقف لدى القوى والفئات الاجتماعية اللبنانية ومثقفيها ومفكريها، التطرق لآراء وكتابات مساجلة معاصرة، نذكر منها على سبيل المثال، كتابات محمد جميل بيهم وربما آخرين من ذوي الاتجاهات الأخرى. بهذا تندرج السجالات المعاصرة والمتزامنة في صراع من الأفكار السياسية التي تنتمي جميعها إلى زمن تاريخي واحد وبالتالي الى حقل دراسة نستحضر فيه خطابات ونصوصا أكثر تعبيرا عن الاختلاف في زمنه ولكي لا نخلط »الاختلافات« في أزمنتها المختلفة والمتباينة. صحيح كما يقول فواز طرابلسي في إحدى الحواشي »مدهشة قدرة الايديولوجيا على التكرار والديمومة« (ص 133) حيث تستعاد بين الحين والآخر أفكار ميشال شيحا اليوم، لكن البحث التاريخي يظل يتطلب، لناحية المنهج، التمييز بين ما هو »أصل« وبين ما هو »تكرار«. حتى »التكرار« له أيضا سياقه التاريخي، وذهنيته وثقافته. وعليه كان يمكن للمؤلف ان يتجنب السجال الاسقاطي من موقع اليوم، ليموضعه بين المتساجلين في زمن واحد وليصار الى فهم جميع الاتجاهات، في موقع الوعي المعرفي المتراكم، ولكي »لا ينزلق النقاش الى صورة سجال بين فينيقي ليبرالي محافظ مضى وبين كاتب يساري ثوري يفصل بينهما نصف قرن. ملاحظة أخيرة: لم تشكل »كثرة« الاستشهادات بميشال شيحا، كما خشي المؤلف، إثقالا على القارئ. بل ان ما استشهد به بين مزدوجين وحرف صغير وهو ليس بكثير جاء في محله وفي سياق الدلالة التي يتطلبها التحليل والنقد. ووفقاً لهذه الدقة في الاستشهاد والتوثيق كان يجب أن يتعامل مع عرض أفكار شيحا في مواقع العرض التي تكثر في الكاتب. فقد جاء عرض أفكار شيحا في غالب الأحيان من دون وضع جملها أو فقراتها بين مزدوجين، الأمر الذي يدعو للتساؤل: هل كان العرض من قبيل التلخيص بإنشاء الكاتب، أم نقلا حرفيا؟ في الحالة الأولى تجدر الاشارة الى اعتماد التلخيص، وفي الحالة الثانية الى وضع المزدوجين. على ان هذه الملاحظة، إضافة الى ملاحظة التفريق بين الأزمنة التاريخية في مواقع السجال بين الأمس واليوم، لا تنتقص من أهمية ما أنجزه فواز طرابلسي على مستوى التأريخ للأفكار السياسية التي رافقت تشكيل العهد الاستقلالي الأول للبنان. (*) فواز طرابلسي، صلات بلا وصل، ميشال شيحا والإيديولوجيا اللبنانية. رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 8991 .